5- {إياك نعبد وإياك نستعين *} نخصك بالعبادة، وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل، ونخصك بطلب المعونة؛ وعدل عن الغيبة[(35)] إلى الخطاب للالتفات، وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: {…حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ… *} [سورة يونس] ، وقوله: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه… *} [(36)] [سورة فاطر] ، والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرية[(37)] لنشاطه، وأملأ لاستلذاذ إصغائه، وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق المهرة والعلماء النحارير، وقليل ما هم؛ ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء وأجري عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيقٍ بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك، وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة، أو لنظم الآي كما قدم الرحمـن، وأطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعانٍ[(38)] فيه، ويجوز أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادات.