الخميس يناير 29, 2026

   قال المؤلف رحمه الله: وعقد النكاح يحتاج إلى مزيد احتياط وتثبت حذرًا مما يترتب على فقد ذلك.

   الشرح النكاح أشد حاجةً إلى معرفة أحكامه الشرعية من كثير من الأمور، فإن من جهل أحكامه قد يظن ما ليس بنكاح نكاحًا فيتفرع من ذلك مفاسد، فهو جديرٌ بمزيد احتياط وتثبت لأن حفظ النسب من الكليات الخمس [في الشبراملسي على الرملي أن الكليات الخمس هي الأمور العامة التي لا تختص بواحد دون ءاخر] التي اتفقت عليها الشرائع وهي حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسب.

   ومن شروط صحته:

   (1) الصيغة كأن يقول الولي «زوجتك فلانة» فيقول الزوج «قبلت زواجها» وتكون بلفظ زوجت أو أنكحت أو ترجمتهما عند الإمام الشافعي، وفي بعض المذاهب يصح بكل لفظ يدل على المقصود.

   (2) وكون الزوج مسلمًا بالنسبة للمسلمة، فلا يجوز تزوج الكافر بمسلمة إن كان كتابيا وإن كان غير ذلك لقوله تعالى ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [سورة الممتحنة/10]، ومن قال بخلاف ذلك فهو كافرٌ، وليس له متمسكٌ بآية البقرة ﴿ولعبدٌ مؤمنٌ خيرٌ من مشرك﴾ بدعوى أن الآية أثبتت الأولوية ولم تحرم تزوج المسلمة بغير المسلم، هؤلاء هم الذين يضربون القرءان بعضه ببعض فيكفرون ولا يشعرون أو وهم يشعرون. وأفعل التفضيل تأتي لغير معنى الأولوية كما في قوله تعالى ﴿خيرٌ مستقرا﴾ [سورة الفرقان/24] فلا يدل هذا على أن جهنم تشارك الجنة في الصلاحية للاستقرار لكن الجنة أحسن منها. ويقال في لغة العرب العسل أحلى من الخل مع أن الخل لا حلاوة فيه. فلا يجوز تزويج مسلمة من المسلم الذي ارتد بسبب من أسباب الردة كسب الله أو سب الرسول أو الطعن في شريعة الله أو إنكار ما هو معلومٌ من الدين علمًا ظاهرًا بين الخواص والعوام من كل ما هو عائدٌ إلى تكذيب الدين.

   (3) وكون الزوجة مسلمةً أو كتابيةً يهوديةً أو نصرانيةً بالنسبة للمسلم.

ويشترط في الزوجة أيضًا أن تكون خليةً من عدة لغيره، فلا يصح عقد النكاح على معتدة وفاة أو معتدة طلاق أو فسخ إلا بعد انتهاء العدة.

   (4) وعدم التأقيت فلو قال الولي «زوجتك بنتي إلى سنة» مثلًا فهو فاسدٌ، أما من نوى في قلبه أن يتزوج امرأةً ويعاشرها سنةً ثم يطلقها ولم يدخل ذلك في صلب العقد فهو نكاحٌ صحيحٌ، وقد نص الشافعي رحمه الله على جواز ذلك في كتاب الأم ونص مالكٌ أيضًا على جواز أن يتزوج المرأة وفي نيته أن يطلقها بعد شهر فليس هذا من المتعة. وأما الذي يتزوج لمجرد اللذة لا ليبقى معها للمعاشرة بل ليذوقها ثم يطلقها ثم يتزوج غيرها ويمضي معها شيئًا من الوقت وهكذا يكرر وكذلك المرأة التي تتزوج الشخص وفي نيتها أن لا تبقى معه إنما نيتها أن تقضي حاجتها معه ثم تطلق منه ثم تتزوج غيره ثم تتركه ثم تتزوج غيره فهذا شىءٌ قبيحٌ يكرهه الله لكنه غير محرم وقد ذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله «إن الله لا يحب الذواقين والذواقات» رواه الطبراني [في المعجم الأوسط]. أما الذي يكثر الزواج لغرض الدين ليس لغرض شهوة نفسه فله ثوابٌ. وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تزويج من كان دينًا بقوله «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريضٌ» أي كبيرٌ. رواه البيهقي [في السنن الكبرى] ورواه الترمذي [في سننه] من غير لفظ عريضٌ.

   تنبيهٌ مما يجب التحذير منه قول بعض الناس عمن يتزوج بنتًا صغيرةً ويكون كبيرًا في السن «هذا تخلفٌ»، وكذا قولهم عمن يتزوج وهو كبير السن «جهلان على كبر» فإن كلتا الكلمتين ضلالٌ وكفرٌ والعياذ بالله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي صغيرة السن.

   قال المؤلف رحمه الله: وقد أشار القرءان الكريم إلى ذلك بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة﴾ [سورة التحريـم/6] قال عطاءٌ رضي الله عنه «أن تتعلم كيف تصلي وكيف تصوم وكيف تبيع وتشتري وكيف تنكح وكيف تطلق» [أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه «الفقيه والمتفقه»]

   الشرح أن من أهمل تعلم ما فرض الله من العلم لم يحفظ نفسه ولا أهله من النار التي عظم الله أمرها [أي بين أن عذابها عظيمٌ وليس المراد تعظيم قدرها فإن الله تعالى ذم جهنم في القرءان كما تقدم بيان ذلك]. وعطاءٌ إمامٌ مجتهدٌ تلقى العلم من عبد الله بن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، واسم أبيه أبو رباح.

 

فصلٌ في الطلاق

 

   الطلاق مكروهٌ إلا إذا كان لسبب شرعي مثل كون الزوجة لا تصلي أو كونها زانيةً أو كانت تؤذي والديه فهذه طلاقها فيه ثوابٌ ولا يجب، وقال الإمام أحمد بحرمة الطلاق إذا لم يكن سببٌ شرعي.

   وأما الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم وهو «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» فمعناه إذا لم يكن الطلاق محرمًا ولا له سببٌ تزول به الكراهة أو سببٌ يوجبه.

 

   والطلاق معرفة أحكامه مهمةٌ جدا لأن كثيرين من الناس يحصل منهم طلاق زوجاتهم ولا يدرون أنهن طلقن فيعاشرونهن بالحرام.

   والطلاق قسمان صريحٌ وكنايةٌ.

   فالصريح ما لا يحتاج إلى نية ويقع الطلاق به نوى أو لم ينو، وهو خمسة ألفاظ الطلاق والفراق والسراح والخلع ولفظ المفاداة من الخلع [المفاداة من ألفاظ الخلع. يقول لها مثلًا افدي نفسك بكذا فتقول فاديت نفسي بكذا] واللفظ الخامس قول الشخص نعم في جواب من أراد منه أن يطلق زوجته الآن فنعم هنا كأنها ألفاظ الطلاق الأربعة الأول التي وردت في القرءان، وأما من قال نعم في جواب من أراد أن يستخبر يكون إقرارًا بالطلاق أي أنه سبق له أن طلقها وليس معناه الآن أطلقها، وإن جهل مراد القائل حمل على الاستخبار.

   قال صاحب البيان العمراني: «إذا قال له رجلٌ طلقت امرأتك أو امرأتك طالقٌ أو فارقتها أو سرحتها فقال نعم ففيه قولان حكاهما ابن الصباغ والطبري أحدهما أن هذا كنايةٌ فلا يقع به الطلاق إلا بالنية لأن قوله «نعم» ليس بلفظ صريح. والثاني أنه صريحٌ في الطلاق وهو اختيار المزني ولم يذكر الشيخان غيره وهو الأصح لأنه صريحٌ في الجواب وتقديره نعم طلقت كما لو قيل له لفلان عليك كذا فقال نعم كان إقرارًا.

   قال الطبري قال بعض أصحابنا وهذا مخرجٌ على ما لو قال زوجتك ابنتي بكذا فقال الزوج نعم بدل القبول أو قال قبلت لا غير أو قال الزوج زوجني ابنتك بكذا فقال الولي نعم فهل يصح النكاح على قولين. إذا ثبت هذا وقلنا يقع عليه الطلاق نظرت فإن كان صادقًا فيما أخبر به من الطلاق وقع عليها الطلاق في الظاهر والباطن وإن لم يكن طلق قبل ذلك وإنما كذب بقوله نعم وقع الطلاق في الظاهر دون الباطن، وإن قال أردت أني كنت طلقتها في نكاح ءاخر ثم تزوجتها فإن أقام بينةً على ما قال فالقول قوله مع يمينه وأنه أراد ذلك لإمكان ما يدعيه، وإن لم يقم على ذلك بينةً لم يقبل منه قوله في الظاهر، ودين فيما بينه وبين الله تعالى» اهـ.

   وإن قال له رجلٌ ألك زوجةٌ فقال لا ونوى به الطلاق كان طلاقًا.

   «وإذا قال لزوجته أنت حرامٌ علي فإن نوى به الطلاق كان طلاقًا وإن نوى به الظهار وهو أن ينوي أنها محرمةٌ كتحريـم ظهر أمه كان مظاهرًا وإن نوى تحريـم عينها أو تحريـم وطئها [أي منع نفسه من فعل ذلك لا يعني أنه محرمٌ عليه شرعًا وطؤها] أو فرجها بلا طلاق وجبت عليه كفارة يمين، وإن لم يكن يمينًا وإن لم ينو شيئًا ففيه قولان أحدهما تجب عليه كفارة يمين فيكون هذا صريحًا في إيجاب الكفارة، والثاني لا يجب عليه شىءٌ فيكون هذا كنايةً في إيجاب الكفارة» اهـ.

   والكناية هو ما لا يكون طلاقًا إلا بنية كقوله أنت خليةٌ أو بريةٌ أو بائنٌ، أو بتةٌ أو بتلةٌ أو اعتدي، وكذلك من الكناية اخرجي سافري تستري لا حاجة لي فيك أنت وشأنك سلامٌ عليك إلحقي بأهلك لأن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره احتمالًا قريبًا.

   فمن أتى بالصريح وقع الطلاق نوى به الطلاق أم لم ينو ومن أتى بألفاظ الكناية فلا يقع الطلاق إلا أن ينوي به الطلاق وتكون النية مقرونةً بأولها.

   والطلاق إن كان ثلاثًا بلفظ واحد أو في أوقات متفرقة حتى لو قال: «أنت طالقٌ» ونوى به الثلاث فهو طلاقٌ ثلاثٌ لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره بعد عدة منه وعدة من الزوج الآخر، فمن قال لزوجته أنت طالقٌ ثلاثًا طلقت ثلاثًا، وإن قال أنت طالقٌ أنت طالقٌ أنت طالقٌ ولم ينو به تأكيد الطلقة الواحدة فهو طلاقٌ ثلاثٌ، وإن نوى به تأكيد الطلقة الواحدة وهي الأولى فلا يعد طلاقًا ثلاثًا بل يعد طلاقًا واحدًا. وتصح إشارة الأخرس كأن قيل له طلق امرأتك فأشار بثلاثة أصابع فصريحةٌ، ثم إن كانت إشارته يفهمها كل أحد فهي صريحةٌ وإن اختص بفهمها الفطن فكنايةٌ تحتاج إلى نية، وأما الناطق إذا اقتصر على الإشارة كأن قالت له طلقني فأشار بيده أن اذهبي فلغوٌ.

   وكثيرٌ من الناس يجهلون هذا فيرجعون إلى زوجاتهم إذا أوقعوا طلاقًا ثلاثًا بلفظ واحد يظنون أنه طلاقٌ واحدٌ وأنه يجوز لهم أن يرتجعوهن قبل مضي العدة بلا عقد جديد أو بعد مضي العدة بتجديد العقد فهؤلاء يعاشرون أزواجهم بالحرام.
   ولا فرق في الطلاق بين أن يكون منجزًا وبين أن يكون معلقًا بشىء فإذا قال أنت طالقٌ إن دخلت دار فلان أو إن فعلت كذا فدخلت أو فعلت ذلك الشىء وقع الطلاق، فإن كان قال إن دخلت دار فلان فأنت طالقٌ بالثلاث فدخلت كان ثلاثًا فتحرم عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ولا يجوز إلغاء هذا الطلاق، ولا عبرة برأي أحمد بن تيمية الذي خرق به الإجماع في قوله إن الطلاق المعلق المحلوف به لا يقع مع الحنث وليس عليه إلا كفارة اليمين [نقله عنه المرداوي في الإنصاف] فرأي ابن تيمية هذا خلاف الإجماع. وقد نقل الإجماع على هذا الحكم الفقيه المحدث الحافظ الثقة الجليل محمد بن نصر المروزي وجماعةٌ غيره.

   وأما إذا قال لزوجته إن ذهبت إلى بيت فلان فأنت طالقٌ ومراده إن ذهبت من دون إذنه فإن صدقته فذهبت بعد ذلك بإذنه يجوز لها أن تعتبر أنها بعد في نكاحه، أما إن لم تصدقه فلا تعاشره.

   وإن علق الطلاق على خروجها من البيت فخرجت ناسيةً لم تطلق.

   وإن قال لها إن تأخرت عن عملك فأنت طالقٌ فغلبها النوم فتأخرت مغلوبةً طلقت إلا أن كان أراد حين قال ذلك إن تعمدت التأخر ولم يرد حال كونها مغلوبةً فلا تطلق.

   والطلاق يختص بأحكام عن فرقة الفسخ وفرقة الخلع وفرقة الحكمين وفرقة الإيلاء وهو الذي يحلف على أن لا يجامع امرأته أكثر من أربعة أشهر أو يطلق بلا تحديد فإنه يمهل أربعة أشهر ثم يخير بين الفيئة بأن يولج حشفته في قبل زوجته والتكفير لليمين إن كان حلفه بالله تعالى على ترك وطئها أو الطلاق للمحلوف عليها، فإن امتنع الزوج من الفيئة والطلاق طلق عليه الحاكم طلقةً واحدةً رجعيةً فإن طلق [أي الحاكم] أكثر منها لم يقع الزائد، فإن امتنع من الفيئة فقط أمره الحاكم بالطلاق.

   [وإذا اشتد الشقاق بين الزوجين بعث القاضي حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها فإذا اجتمعا نظرا في أمر الزوجين فيصلحان أو يطلقان وهما وكيلان عن الزوجين وفي قول هما حاكمان موليان من الحاكم فعلى القول الأول يشترط رضاهما ببعث الحكمين فيوكل الزوج حكمه بطلاق وقبول عوض خلع وتوكل الزوجة حكمها ببذل عوض وقبول طلاق مقابله، وعلى القول الثاني يشترط في الحكمين الذكورة ولا يشترط رضا الزوجين ببعثهما.]

   أما عند الحنفية فقالوا فرقة الحكمين هي أن يبعث القاضي حكمين إذا صار شقاقٌ بين الزوجين واحدٌ من جهة الزوج والآخر من جهة الزوجة فإن اتفقا أي الحكمان على الفرقة يعلمان القاضي فيفرق بين الزوجين قال الله تعالى ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ [سورة النساء/35] أي عداوةً وخلافًا وميل أحدهما عن الآخر ﴿فابعثوا حكمًا من أهله﴾ [سورة النساء/35] أي رجلًا يصلح للحكومة والإصلاح بينهما ﴿وحكمًا من أهلها﴾ [سورة النساء/35] وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة. ﴿إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما﴾ [سورة النساء/35] أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحةً بورك في وساطتهما وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق، وليس للحكمين ولاية التفريق عندنا إنما الذي يفرق هو الحاكم خلافًا لمالك رحمه الله فإنهما يفرقان عنده.

   وفرقة الفسخ أنواعٌ:

   (1) منها فرقة إعسار أي عجز عن المهر أو النفقة فإذا أعسر الزوج بهما بعد إمهاله ثلاثة أيام جاز الفسخ أي فسخ عقد النكاح. أي بعد إثبات ذلك عند الحاكم يفسخ الحاكم نكاحه أو يقول لها الحاكم افسخي نكاحه.

   (2) وفرقة لعان بسبب اتهام الزوجة بالزنى وبعد ذلك لا رجعة لها إليه. واللعان لغةً مصدرٌ مأخوذٌ من اللعن أي البعد، وشرعًا كلماتٌ مخصوصةٌ جعلت حجةً للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به، فإذا رمى الرجل زوجته بالزنا فعليه حد القذف إلا أن يقيم البينة بزنا المقذوفة أو يلاعن زوجته المقذوفة فيقول عند الحاكم في الجامع على المنبر في جماعة من الناس أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنا وإن كانت حاضرةً أشار لها بقوله زوجتي هذه، وإن كان هناك ولدٌ ينفيه فيقول وإن هذا الولد من الزنا وليس مني، ويقول الملاعن هذه الكلمات أربع مرات ويقول في المرة الخامسة بعد أن يعظه الحاكم بتخويفه له من عذاب الله تعالى في الآخرة وأنه أشد من عذاب الدنيا «ولعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به هذه من الزنا». ويتعلق بلعانه أي الزوج وإن لم تلاعن الزوجة خمسة أحكام أحدها سقوط الحد أي حد القذف للملاعنة عنه، والثاني وجوب الحد عليها أي حد الزنا إن لم تلاعن، والثالث زوال الفراش، والرابع نفي الولد عن الملاعن، والخامس التحريـم للزوجة الملاعنة على التأبيد فلا يحل للملاعن نكاحها بعد ذلك ولا وطؤها بملك اليمين إن كانت أمةً فاشتراها بعد الملاعنة. ويسقط الحد عنها بأن تلتعن أي تلاعن الزوج بعد تمام لعانه فتقول في لعانها إن كان الملاعن حاضرًا «أشهد بالله إن فلانًا هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا» وتكرر الملاعنة هذا الكلام أربع مرات وتقول في المرة الخامسة من لعانها بعد أن يعظها الحاكم بتخويفه لها من عذاب الله في الآخرة وأنه أشد من عذاب الدنيا «وعلي غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا».

   وقد روى مسلمٌ [في صحيحه] من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال سأل فلانٌ فقال: يا رسول الله أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع إن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فأنزل الله الآيات في سورة النور فتلاهن عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها ثم دعاها فوعظها كذلك قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذبٌ فبدأ الرجل فشهد أربع شهادات بالله ثم ثنى بالمرأة ثم فرق بينهما.

   (3) وفرقة عتاقة أي إذا كانت الأمة متزوجةً بعبد ثم أعتقت ثبت لها الخيار في فسخ النكاح إن شاءت تتركه وإن شاءت تبقى زوجته لأنها تعير بمن فيه رق. والخيار فوري كخيار العيب في المبيع وتفسخ هي نكاحها، أما إذا عتقت تحت زوج حر فلا خيار لها لأن ما حدث لها من الكمال متصفٌ به الزوج.

   (4) وفرقة عيوب. وترد الزوجة بخمسة عيوب أحدها الجنون سواءٌ أطبق أو تقطع، وثانيها الجذام وهو علةٌ يحمر منها العضو ثم يسود ثم يتقطع ثم يتناثر، والثالث البرص وهو بياضٌ في الجلد يذهب دم الجلد وما تحته من اللحم فخرج البهق وهو ما يغير الجلد من غير إذهاب دمه فلا يثبت به الخيار، والرابع الرتق وهو انسداد محل الجماع بلحم، والخامس القرن وهو انسداد محل الجماع بعظم. وما عدا هذه العيوب كالبخر [وهو نتن الفم] والصنان [وهو ذفر الإبط] لا يثبت به الخيار.

   والرجل يرد بخمسة عيوب بالجنون والجذام والبرص والجب وهو قطع الذكر كله أو بعضه بحيث ما بقي منه إلا دون قدر الحشفة، وبوجود العنة وهو عجز الرجل عن الوطء في القبل لسقوط القوة الناشرة لضعف في قلبه أو ءالته. ويشترط في الفسخ بالعيوب المذكورة الرفع فيها إلى القاضي.

   (5) وفرقة غرور كأن غره أبوها بأنها على صفة كذا ثم تبين خلاف ذلك كأن قال له زوجتك بنتي فلانة على أنها بكرٌ فتبين أنها ثيبٌ.

   (6) وفرقة وطء شبهة كأن وطئ أم زوجته أو ابنتها بظن الزوجية وكذا لو جامع الولد زوجة أبيه بشبهة كأن ظنها زوجته في الليل فجامعها يفسخ العقد بينها وبين أبيه.

   (7) وفرقةٌ بالسبي بأن سبي الزوجان الحران الكافران أو أحدهما قبل الدخول أو بعده.

   (8) وفرقة إسلام من أحد الزوجين.

   (9) وفرقة ردة من أحدهما.

   (10) وفرقة ملك أحد الزوجين الآخر كأن صارت زوجته الأمة ملكًا له بأن اشتراها من صاحبها أو العكس كأن ملكت الزوجة زوجها العبد فكذلك تثبت الفرقة.

   (11) وفرقة عدم الكفاءة. والكفاءة لغةً التساوي والتعادل وشرعًا أمرٌ يوجب عدمه عارًا. وهي ليست شرطًا في صحة النكاح بل حق للمرأة والولي فلهما إسقاطها فلو زوجها الولي غير كفء برضاها صح التزويج، ويجري قولان في تزويج الأب بكرًا صغيرةً أو بالغةً غير كفء بغير رضاها ففي الأظهر باطلٌ وفي الآخر يصح، وللبالغة الخيار فورًا وللصغيرة إذا بلغت. وخصال الكفاءة أي الصفات المعتبرة فيها خمسةٌ أولها سلامةٌ من العيوب المثبتة للخيار، وثانيها حريةٌ فالرقيق ولو مبعضًا ليس كفؤًا للحرة، والعتيق ليس كفؤًا لحرة أصلية، وثالثها نسبٌ بأن تنسب المرأة إلى من تشرف به بالنظر إلى من ينسب الزوج إليه، فالعجمي ليس كفء عربية وغير القرشي ليس كفوءًا للقرشية، ورابعها العفة وهي الدين والصلاح فليس فاسقٌ كفء عفيفة، وخامسها حرفةٌ أي صناعةٌ يرتزق منها فصاحب حرفة دنيئة ليس كفء أرفع منه، والحرفة الدنيئة ما دلت ملابستها لغير ضرورة على انحطاط المروءة فكناسٌ وحجامٌ وحارسٌ وراع [معناه عند الناس ليس معناه في حكم الشرع قبيحٌ إنما الناس لا يعتمدون عليه. وهذا لا يتنافى مع ما ورد أن كل نبي رعى الغنم أولئك ليس لأجل الدنيا إنما لحكمة التدرب على تحمل أعباء الرعية ليس لأجل الاسترزاق. المحترفون في هذه الأشياء يغلب فيهم سوء الفهم وعدم ضبط الكلام أما الأنبياء فرعوا الغنم وليسوا محترفين لذلك أي لم يتخذوا ذلك مهنةً لهم] وقيم الحمام ليس كفء بنت خياط ولا خياطٌ بنت تاجر أو بنت بزاز [البز الثياب، أو متاع البيت من الثياب ونحوها، وبائعه البزاز] ولا هما أي التاجر والبزاز بنت عالم أو قاض فتراعى العادة في الحرف والصنائع، والعبرة في العالم بالصلاح.

   (12) وفرقة انتقال من دين إلى ءاخر كانتقال أحد الزوجين من اليهودية إلى النصرانية لأنه يعامل عندئذ معاملة المرتد.

   (13) وفرقة رضاع [قال النووي في الروضة: «باب الرضاع القاطع للنكاح. كل امرأة يحرم عليه أن ينكح ابنتها إذا أرضعت تلك المرأة زوجته الصغيرة خمس رضعات ثبتت الحرمة المؤبدة وانقطع النكاح، فإن كانت تحته زوجةٌ صغيرةٌ فأرضعتها أمه بلبنها خمس رضعات انفسخ النكاح».] ولا يحرم هذا الرضاع إلا إذا كان في الحولين فإن كان بعد مضيهما فلا يحرم وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال «لا رضاع إلا في الحولين» رواه الدارقطني وابن عدي مرفوعًا وموقوفًا ورجحا الموقوف. ولحديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق [معناه أول شىء يدخلها] الأمعاء وكان قبل الفطام» رواه الترمذي وصححه هو والحاكم. ولا تحرم الرضعة والرضعتان إلا الخمس وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحرم المصة والمصتان» رواه مسلمٌ [في صحيحه]. ولا يشترط أن تكون هذه الرضعات مشبعات. وكان مما أنزل الله تعالى قرءانًا عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخت بخمس رضعات معلومات يحرمن ثم هذه نسخت تلاوتها وأبقي حكمها، فلذلك يقول أكثر العلماء إنه لا يحرم أقل من خمس رضعات متفرقات هذا مذهب الشافعي والأكثرين وإن كان مذهب أبي حنيفة أن الرضعة الواحدة تحرم.

   هذا من جملة ما نسخ تلاوته لكن قوله عشر رضعات معلومات يحرمن منسوخٌ حكمًا وتلاوةً، وأما قوله خمس رضعات معلومات يحرمن فمنسوخٌ تلاوةً لا حكمًا لا يقرأ على أنه قرءانٌ بعد النسخ وإن كان قبله يقرأ على أنه قرءانٌ. أكثر من مائتي ءاية نسخت تلاوةً بعد أن كانت تقرأ. الله تعالى يعلم مصالح العباد فينزل ءايةً في وقت لأن المصلحة في حكمها ثم ينسخ هذه الآية لأنه عالمٌ أن المصلحة للعباد في نسخها ليس من باب البداء كما تقول اليهود، اليهود تقول لا يكون نسخٌ لأن النسخ معناه أن الله ظهر له شىءٌ كان خافيًا عليه وكذبوا، يقولون ذلك عنادًا وإلا فهم يعلمون أن الجمع بين الأختين كان جائزًا في شرع من الشرائع قبل موسى ثم حرمه الله يعلمون هذا لكن عنادًا للإسلام يقولون ذلك عن ما نسخ في شرع الرسول.

   ثم الطلاق إما جائزٌ سني وهو ما خلا عن الندم واستعقب الشروع في العدة وكان بعد الدخول وهي ممن عدتها بالأقراء أي كان في طهر لم يطأها فيه ولا في حيض قبله قال الله تعالى ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [سورة الطلاق/1] أي في قبل عدتهن أي طلاقًا يستعقب العدة أي لا تطلقوا في الحيض لأنها تتأذى بطول المدة إن طلقها في الحيض لأن مدة الحيض لا تحسب من العدة، وفي البخاري ومسلم أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائضٌ فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يجامع فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» أي أذن.

   وإما بدعي كأن يطلق بعد الدخول في حيض أو نفاس أو في طهر وطئها فيه ولم يظهر بها حملٌ، هذا الطلاق هو البدعي ويقع وإن كان فيه معصيةٌ.

   وإنما كان طلاق الحائض والنفساء بدعيا لأنها تتضرر بطول مدة الانتظار، وأما الثاني فإنه يؤدي إلى الندم عند ظهور الحمل لأن الإنسان قد يطلق الحائل دون الحامل وعند الندم قد لا يمكنه التدارك فيتضرر هو والولد.

   وإما لا ولا أي لا يسمى سنيا ولا بدعيا وهو أن يطلقها قبل الدخول، أو طلق غير بالغة، أو طلق ءايسةً، أو طلقها حاملًا منه، وكذلك طلاق الإيلاء، وطلاق الحكمين، وفرقة المختلعة والمتحيرة وهي المستحاضة التي لا تذكر وقت ابتداء دم الحيض ولا قدره فطلاقهن لا يدخل في السني ولا في البدعي.

   ولا فرق بين طلاق الجد وطلاق المزح لقوله صلى الله عليه وسلم «ثلاثٌ جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة» رواه أبو داود في السنن. فإذا حصل النكاح بشروطه وكان الولي والزوج مازحين ثبت النكاح، وكذلك الطلاق إن كان الزوج والزوجة جادين أو كان أحدهما جادا كأن طلبت الزوجة الطلاق بجد وهو أوقعه بجد، أو كانا مازحين أو كان أحدهما مازحًا فقد ثبت الطلاق، فإن كان الطلاق واحدًا أو اثنين تصح الرجعة قبل انتهاء العدة بقول رجعتك إلى نكاحي ونحوه، فإن انتهت العدة قبل أن يرتجعها لا تحل له إلا بعقد جديد بوليها وشاهدين مسلمين. والجد خلاف الهزل وهو بكسر الجيم لأنه بفتح الجيم لا يأتي لهذا المعنى بل معناه الغنى، ويطلق الجد بالفتح على العظمة قال الله تعالى ﴿وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبةً ولا ولدًا﴾ [سورة الجن/3]، ويطلق الجد على أب الأب وأب الأم.

   والفسخ لا يحصر بعدد بخلاف الطلاق فإن نهايته ثلاثٌ، أما الفسخ لو فسخ النكاح ثلاث مرات أو أكثر لا يحتاج إلى أن تتزوج المرأة بزوج ءاخر إنما يحتاج إلى تجديد العقد.

   وشذ بعض الناس فقال إن الطلاق بالثلاث إذا أوقع بلفظ واحد يكون طلقةً واحدةً واحتج بحديث مسلم أن ابن عباس قال «كان الطلاق طلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدًا، ثم قال عمر إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم» [أخرجه مسلمٌ في صحيحه]، ولا حجة لهم فيه لأمور:

   أحدها أن هذا الحديث قال عنه الإمام أحمد شاذ والشاذ لا يحتج به [نقله عنه ابن رجب الحنبلي في كتابه بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدةٌ].

   والثاني أن ابن عباس ثبت عنه أنه أفتى بوقوع الثلاث بلفظ واحد ثلاثًا. روى ذلك عنه ثمانيةٌ من كبار أصحابه الثقات كما بين البيهقي ذلك في السنن الكبرى، والحديث إذا خالفه عمل الراوي لا يحتج به عند بعض المحدثين وعلى ذلك أبو حنيفة وأتباعه، وبعيدٌ أن يروي عبد الله بن عباس هذا الحديث باللفظ المذكور ءانفًا مع حمله على الظاهر ثم يفتي بخلافه.

   والثالث أن أبا بكر بن العربي قال في كتابه القبس كانت البتة في عهد رسول الله وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدةً ثم قال عمر إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم وعزا هذا اللفظ لمسلم ولعل ذلك في بعض نسخ مسلم عند المغاربة.

   والرابع أنه مؤولٌ بوجوه ذكرها الحافظ ابن حجر [في فتح الباري] منها أن بعض الرواة رواه عن ابن عباس بالمعنى على حسب ما فهمه ليس باللفظ الذي قاله ابن عباس فسقط الاستدلال به على جعل الثلاث بلفظ واحد طلاقًا واحدًا.

   وبعض هؤلاء المحرفين للحكم الشرعي في مسئلة الطلاق قال في شخص طلق طلقتين بلفظ واحد ثم طلق بعد مدة طلقةً «هذا طلاقان ليس ثلاثًا»، وادعى بعضهم أن في قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [سورة البقرة/229] دليلًا على ما زعموه، قالوا لا يتم الطلاق الثلاث بمرة واحدة، والجواب أن قوله تعالى ﴿الطلاق مرتان﴾ فيه تقديرٌ أي الطلاق الذي بعده رجعةٌ مرتان بقرينة ما بعد ذلك من قوله ﴿فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان﴾. ويلزم على ما ذهب إليه هؤلاء أن الطلاق لا يصح أصلًا إلا بمرتين وهذا ظاهر الفساد وإنما تأويل هذه الجملة ﴿الطلاق مرتان﴾ عدد الطلاق الذي بعده رجعةٌ مرتان، فيكون هنا تقدير مضاف وهو لفظ عدد فيطابق الخبر المبتدأ لأن العدد يطلق على الاثنين والثلاثة وما بعد ذلك.

   ولا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها من دون عذر شرعي بل إن فعلت ذلك على وجه فيه إيذاءٌ للزوج فذنبها كبيرٌ [إن كانت ترى أنه لا يغتم لهذا يكون ذنبها أخف تكون أقل من كبيرة، أما الحديث فيحمل على ما إذا كان يغم الزوج «لم ترح رائحة الجنة» يحمل على حالة خاصة. أما إذا هو عرض عليها قال لها: اطلبي الطلاق متى ما شئت فهنا إن طلبت يجوز].

   حتى لو كان الزوج جامع زوجته مرةً واحدةً ثم بعد ذلك لم يفعل ليس لها أن تلزمه بالطلاق في مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، أما عند المالكية فإنهم يقولون يجوز للمرأة أن تطلب من القاضي أن يطلقها من زوجها الذي ترك جماعها بدعوى الضرر.

   وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة طلبت من زوجها الطلاق من غير ما بأس لم ترح رائحة الجنة» [رواه الترمذي في سننه] معناه لا تشم رائحة الجنة أبدًا ولو دخلتها أي إن لم تتب.

   تنبيهٌ ذكر في كتاب الفتاوى الهندية الحنفي مسئلةٌ في الذي تزوج كتابيةً حربيةً في دار الحرب ثم سافر دونها إلى بلاده بلاد الإسلام أنه ينفسخ نكاحها [ولو خرجت الزوجة قبل الزوج لم تبن كذا في الظهيرية] أما لو سافر معها فلا ينفسخ نكاحها، ولو تنقل من دار حرب إلى دار حرب فلا ينفسخ نكاحها فليتنبه لذلك كل من أجرى عقد نكاحه هناك على كتابية من غير ولي على مذهب أبي حنيفة.

   فائدةٌ قال الحافظ ولي الدين أبو زرعة ابن الحافظ عبد الرحيم العراقي ما نصه:

«مسئلةٌ سئلت عن رجل قال: كلما تزوجت بفلانة وعينها كانت طالقًا ثلاثًا وادعي عليه بمجلس حاكم حنفي فأقيمت البينة عليه قبل وقوع الزواج وحكم فيه ونفذ على حاكم مالكي فهل إذا تزوج بها وحكم له حاكمٌ شافعي بذلك هل يصح العقد أم لا؟

   فأجبت: إذا تزوجها فالعقد صحيحٌ ولا يقع الطلاق عند الشافعي فإذا حكم حاكمٌ شافعي بعد وقوع العقد باستمرار العصمة وعدم تأثير التعليق السابق ووقوع الطلاق نفذ حكمه بذلك، ولم يكن لحنفي ولا مالكي بعد ذلك نقضه ولا الحكم بخلافه، فإن حكم حنفي بعد العقد بوقوع الطلاق قبل حكم شافعي انقطعت العصمة بمقتضى حكمه ولم يكن لشافعي بعد ذلك الحكم بخلافه لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية، وأما حكم الحنفي بموجب التعليق المتقدم قبل صدور العقد فلا يقتضي الحكم بوقوع الطلاق بعد العقد، لأن التعليق هو المجموع من التعليق ووجود الصفة وقد كان حكمه متأخرًا عن التعليق وسابقًا على وجود الصفة فلم يكن وجد التعليق فكيف يحكم [أي الحنفي] قبل وقوع سببه. والصادر من الحنفي قبل العقد إنما هو مجرد فتوًى بتقدير وقوع ذلك أما الحكم بشىء قبل وجود ما يقتضيه فلا يعقل، وما أظن تسمية مثل ذلك حكمًا إلا صادرًا عن جهل فإنه لا موجب للتعليق على انفراده فيما نحن فيه حتى ينضم إليه وجود الصفة فحينئذ يصير موجبه عند الحنفي وقوع الطلاق، وعند الشافعي لا موجب له فلا تأثير لسبقه [أي لسبق التعليق] الزوجية التي تلي محل هذا التصرف وهو الطلاق والله أعلم» انتهى كلام أبي زرعة.

 

فصلٌ في الخلع

 

   الخلع بضم الخاء من الخلع بفتحها وهو لغةً النزع لأن كلا من الزوجين لباس الآخر. والخلع معناه أن تشتري المرأة نفسها من الزوج بمال هي تقول خالعني على مهري مثلًا معناه أترك لك مهري على أن تحل العصمة، أو تقول له خالعني على مائة دينار مثلًا فيقول خالعتك على ذلك ثم هي تدفع له المائة دينار وليس شرطًا أن تدفعها على الفور.

   وهو ثابتٌ بالإجماع وبقوله تعالى ﴿فإن طبن لكم عن شىء منه نفسًا﴾ [سورة النساء/4] أي فإن وهبن لكم شيئًا من الصدقات وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم ﴿فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ لا إثم فيه وبقوله صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس «اقبل الحديقة وطلقها تطليقةً» رواه البخاري [في صحيحه] والنسائي [في سننه]. ونص رواية البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام [أي أكره أنا المسلمة أن أقع في الكفر أي أن يخرج مني شىءٌ كفرٌ بسبب نفوري من معاشرته] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته» فقالت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقةً» وفي رواية له «وأمره بطلاقها».

   واختلف في الخلع هل هو طلاقٌ أو فسخٌ ومشهور مذهب الشافعي الجديد أنه طلاقٌ، وفي كتاب أحكام القرءان للشافعي وهو من كتبه الجديدة أنه فسخٌ وهو مذهبه القديم، وهو مكروهٌ إلا عند الشقاق أو خوف تقصير من أحدهما في حق الآخر أو كراهة الزوجة للزوج أو كراهته إياها لزناها أو نحوه كترك الصلاة أو للتخلص من وقوع الثلاث أو الثنتين بالفعل فيما لو حلف بالطلاق ثلاثًا أو اثنتين على فعل ما لا بد منه.

وتعريفه أنه فرقةٌ بعوض مقصود راجع لجهة الزوج.

وأركانه خمسةٌ:

أحدها ملتزمٌ للعوض إن كان زوجةً أو غيرها.

وثانيها البضع أي أن لا تكون بائنًا.

وثالثها العوض.

ورابعها الصيغة.

وخامسها الزوج.

   وشرط في الزوج أن يكون ممن يصح طلاقه. ويشترط في الملتزم كونه مطلق التصرف في المال فلا يصح من المحجور عليه. ويشترط في البضع ملك زوج له فيصح في الرجعية لا في البائن. ويشترط في العوض أن يصح جعله صداقًا فإن خالعها بفاسد مقصود [أي ما يقصده الناس للانتفاع به كالخمر يقصدها بعض الناس للانتفاع بها لكن جعلها مهرًا فاسدٌ] كالمجهول والخمر والمؤجل بالمجهول صح ولزم مهر المثل، أو ما لا يقصد كدم فرجعي [معناه لا يثبت الخلع ويكون طلاقًا رجعيا]. ويشترط في الصيغة الإيجاب والقبول. ويجوز للزوجين التوكيل.

   ثم الخلع إما صريحٌ أو كنايةٌ، فالصريح كقوله خالعتك على كذا أو فاديتك.

   والكناية كأن يقول فسخت نكاحك بألف أو بعتك نفسك بألف فتقبل فالكناية تحتاج إلى نية كما في الطلاق.

   ثم على القول بأنه فسخٌ يصلح لمن يريد الخلاص من وقوع الطلاق المعلق إن كان ثلاثًا أو أقل كأن قال إن كلمت فلانًا أو دخلت دار فلان أو خرجت بدون إذني فأنت طالقٌ ثلاثًا مثلًا، فإذا كان الزوج لا يريد أن يقع الطلاق المعلق خالعها بغير قصد الطلاق بل بقصد الفسخ أي حل النكاح فتصير الزوجة بالخلع بائنًا ثم تفعل المحلوف عليه إن شاءت فلا يقع الطلاق به، ثم يعمل عقدًا جديدًا بطريق وليها الولي الخاص أو غيره إن لم يتيسر العقد من طريق الولي الخاص كأن يجري الحاكم العقد أو المحكم الذي يحكمه الزوجان أي يجعلانه حاكمًا في قضية تزويجهما عند فقد القاضي المسلم، أو كان القاضي لا يجري العقد إلا بمال له وقعٌ فيكون المحكم في حكم الولي الخاص الأصلي، وشرط هذا المحكم أن يكون عدلًا.

   وهذا المخلص المذكور لا يتأتى على مشهور مذهب الشافعي لكن يصح على القول القديم وعلى قول قاله الشافعي في كتاب أحكام القرءان فلا بأس بالعمل به، فينبغي إرشاد من يخشى منه أن يعاشر زوجته بعد وقوع المعلق به إلى هذا المخلص لأن كثيرين يعدلون إلى المعاشرة بالحرام بعد وقوع المعلق الذي هو ثلاثٌ من دون أن يتزوجها زوجٌ غيره، وبعضهم يعدلون إلى طريق لا ينفعهم وهو أنهم يتفقون مع شخص يجرى له عليها العقد بعد وقوع الثلاث ثم يشترطون عليه أن لا يجامعها ويحتجون بأن بعض المجتهدين من التابعين يجيز ذلك، وذلك المجتهد يشترط أن لا يكون الزوج الثاني يقصد بذلك إحلالها للأول.

   فهؤلاء الذين يرشدون الناس إلى هذا الأمر الفاسد يغشون الناس الذين يقصدونهم للاستفتاء لأنهم لم يوافقوا ذلك المجتهد بل كان عملهم هذا حرامًا عند جميع المجتهدين فلا وافقوا الجمهور ولا وافقوا هذا المجتهد الذي شذ. قال بعض أكابر الحنفية وهو الصدر الشهيد فيمن أخذ بقول ذلك المجتهد «من فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، وإنما لم يعتبر قول هذا المجتهد لأنه خالف حديثًا صحيحًا باتفاق علماء الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا تحلين له حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» أي لا يحل لك أن ترجعي للزوج الأول إلا بعد أن يجامعك هذا الثاني، وهو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ مشهورٌ رواه البخاري [في صحيحه]، فالفتوى بخلافه لا عبرة بها لأن المجتهد إذا خالف قوله نصا قرءانيا أو حديثيا يعد دليلًا باتفاق لا يقلد في اجتهاده ولو كان قاضيًا قضى بذلك وجب على غيره من القضاة أن ينقض حكمه. ونسأل الله أن يثبتنا على سبيل وسنة.