كتاب الزكاة
قال المؤلف رحمه الله: (فصل) وتجب الزكاة في الإبل والبقر والغنم والتمر والزبيب والزروع المقتاتة حالة الاختيار، والذهب والفضة والمعدن والركاز منهما، وأموال التجارة والفطر.
الشرح أن المكلف الذي لا يملك شيئا مما تجب فيه الزكاة الواجب عليه فقط أن يتعلم أن الزكاة فرض في دين الله على من وجبت عليه [أي وجوبا عينيا] ولا يجب عليه أن يتعلم التفاصيل. والزكاة لغة التطهير والإصلاح والنماء، وشرعا اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص، وهي أحد الأمور التي هي أعظم أمور الإسلام قال الله تعالى ﴿وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾ [سورة البقرة/43]، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة» الحديث رواه البخاري ومسلم [في صحيحيهما].
ومنع الزكاة من الكبائر وكذا تأخير دفعها عن وقتها من غير عذر وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ءاكل الربا وموكله ومانع الزكاة رواه الطبراني وغيره ومن منعها وهو معتقد وجوبها لا يكفر، لكن إن استعصى قوم منهم من دفعها وقاتلوا على ذلك قاتلهم الإمام أي الخليفة ويأخذها من أموالهم قهرا، وأما من منعها وهو لا يراها واجبة فإنه مرتد إن لم يكن متأولا يطلب منه الرجوع عن هذه الردة فإن رجع وإلا قتله الإمام.
وكان وجوبها في السنة الثانية من الهجرة.
ثم إن وجوبها خاص بالأشياء المذكورة هنا وهي الإبل والبقر والغنم فليس في غيرها من الحيوانات زكاة من حيث العين، وثمر النخل والعنب، والزروع التي يتخذها الناس قوتا في حال الاختيار أي أيام الرخاء كالحنطة والشعير والحمص والفول بخلاف التين واللوز والسمسم والتفاح والزيتون ونحوها، ولا تجب فيما لا يقتات إلا في حال الضرورة كالحلبة والحنظل فهذه لا زكاة فيها لأنها لا تتخذ قوتا حالة الاختيار، والقوت ما يقوم به البدن أي ما يعيش به البدن.
وتجب الزكاة في النقد أي الذهب والفضة المضروب من ذلك وغيره، وأما غير الذهب والفضة من الأثمان فلا زكاة فيه عند الإمام الشافعي ومالك رضي الله عنهما وتجب عند الإمام أبي حنيفة، فهذه العملة المستعملة في هذا العصر لا تجب فيها الزكاة عند الإمامين الشافعي ومالك، وتجب عند الإمام أبي حنيفة لأنها تروج رواج الذهب والفضة، فمن أخذ بمذهب الإمامين الأولين فلم يزك هذه العملة التي لا يستعملها في التجارة فلا يعترض عليه، ومن أخذ بمذهب أبي حنيفة فزكاها أخذ بالاحتياط. فإن اعترض معترض على الإمامين المذكورين قيل له ليس لك أن تنكر فإن مذهبيهما يلحظان إلى أن الله تبارك وتعالى ما ذكر في ءاية براءة وعيدا إلا فيمن منع زكاة الذهب والفضة قال الله تبارك وتعالى ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [سورة التوبة/34] فكيف يعترض على الإمامين ومأخذهما هذا النص، فليس للحنفي أن يعترض على مذهبي الإمامين ولا للشافعي والمالكي أن ينكرا على الحنفي على وجه التحريم. وكذلك مذهب أحمد يوافق الشافعي ومالكا. وأما من وضع ماله من العملة الورقية في بنك حربي في دار الحرب على مقتضى مذهب أبي حنيفة فعليه أن يزكي هذه العملة الورقية.
وتجب في المعدن والركاز، أما المعدن هنا فهو الذهب أو الفضة إذا استخرجا من المكان الذي خلقهما الله فيه بعد التنقية من التراب والمعدن في أصل اللغة معناه المكان الذي خلق فيه الذهب والفضة وهذا يزكى بعد تحصيله ولا ينتظر له حولان الحول وفيه ربع العشر. وأما الركاز فهو الذهب أو الفضة المدفونان قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن كان مكتوبا عليهما اسم ملك من ملوك ذلك الزمن وليس الدفين الإسلامي، فالدفين الذي دفنته الجاهلية وهم الكفار الذين كانوا قبل البعثة إذا رأينا اسم ملكهم عرفنا أنه جاهلي، هذا من وجده يزكيه حالا إن بلغ النصاب وفيه الخمس.
وتجب الزكاة أيضا في أموال التجارة وإن لم تجب الزكاة في أعيانها كالثياب والسكر والملح والخيل والحمر والدجاج لمن يتجر بها.
فلا زكاة في غير ما ذكر من الأموال كالبيت الذي يمتلكه الشخص ليستغله بالإيجار ولو كان يملك عدة أبنية يستغلها بالإيجار، وكذلك السيارات التي يمتلكها الشخص لاستغلالها بالإيجار أو ليستعملها بالركوب لنفسه كل ذلك لا زكاة في عينه.
شيخ قبل أربعين سنة كان يدرس في مسجد من المساجد قال عندي تجب في هذه الدور الزكاة، قلت له عندك نص، قال اجتهاد، قلت له فيك ءالة الاجتهاد، قال عندي اجتهاد جزئي اهـ. بعد محمد عبده هؤلاء الذين يحرفون دين الله كثروا كأن كل واحد منهم يعتبر نفسه أعلم من الأئمة الأربعة وهم لا شىء بالنسبة للأئمة، ثم قال هذا الشيخ زكاته العشر، على قوله الذي له دور يستغلها بالإيجار يزكيها كزكاة الحبوب القمح والشعير ونحو ذلك.
وأما الحلي المباح فقد اختلف فيه الأئمة فأبو حنيفة يرى وجوب الزكاة في حلي النساء، وأما الشافعي فقال فيه قولين مرة قال تجب الزكاة في حلي النساء ومرة قال لا تجب، والاحتياط أن يزكى الحلي.
وأما الفطرة فلا تعد من زكاة المال لأنها تجب في حق الطفل المولود والعبد المملوك.
ثم إن المؤلف بدأ بتفصيل زكاة الإبل فقال:
وأول نصاب الإبل خمس، والبقر ثلاثون، والغنم أربعون.
الشرح أن أول نصاب الإبل أي أول قدر تجب فيه الزكاة على من ملك من الإبل شيئا هو خمس من الإبل فلا زكاة على من ملك أقل من الخمس، وتخص الإناث من الإبل باسم النوق ومفردها ناقة، والذكور باسم الجمل فلا زكاة على من لا يملك خمسا منها.
وأن أول نصاب البقر ثلاثون فلا زكاة فيما دون ذلك، والبقر هو جمع بقرة والبقرة تطلق على الذكر والأنثى فالتاء فيها للإفراد لا للتأنيث، فلا زكاة فيما كان أقل من ثلاثين بقرة.
وأن الغنم أول نصابها أربعون منها فلا زكاة قبل بلوغها ذلك، والغنم مرادف للشاة فهما بمعنى واحد، ويجمع الغنم على الأغنام وتجمع الشاة على الشياه والشاء، والتاء في الشاة للوحدة فتطلق الشاة على الذكر والأنثى كالتاء في البقرة والنملة فيقال للأنثى الواحدة من النمل نملة وللذكر الواحد من النمل نملة، وهو أي الغنم في اللغة شامل للضأن والمعز، الضأن جنس يشمل الذكر والأنثى، ثم الذكر من الضأن يخص باسم الكبش والإناث تخص باسم النعاج، وقد تكني العرب عن النساء بالنعاج لكن لا يجوز تفسير النعاج في سورة ص بالنساء كما فعل بعض المفسرين فقد أساءوا بتفسيرهم لقول الله تعالى في سورة ص ﴿إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة﴾ بما هو مشهور وهذا فاسد لأنه لا يليق ما ذكر فيه بنبي الله داود عليه السلام، قال التقي السبكي «النعجة في الآية هي النعجة الحقيقية» اهـ، أقول والخصمان من البشر.
قال المؤلف رحمه الله: فلا زكاة قبل ذلك ولا بد من الحول بعد ذلك، ولا بد من السوم في كلإ مباح أي أن يرعاها مالكها أو من أذن له في كلإ مباح أي مرعى لا مالك له، وأن لا تكون عاملة فالعاملة في نحو الحرث لا زكاة فيها.
الشرح أنه يشترط لوجوب الزكاة في الأنعام النصاب. والأنعام الإبل والبقر والغنم [سورة الأنعام سميت بذلك لأنه ذكر فيها الأنعام الثلاثة الإبل والبقر والغنم] ولا يطلق هذا اللفظ على غير هؤلاء الثلاث، ومفرد الأنعام نعم. فلا زكاة في الأنعام قبل بلوغ النصاب، فمن أخرج منها شيئا بنية الزكاة قبل النصاب فهو عمل فاسد كمن يصلي صلاة فاسدة، لكن إن نوى الصدقة تطوعا كان ذلك عملا حسنا.
ولا بد أيضا في زكاة الأنعام من الحول أي من مضي سنة قمرية ابتداء من تمام النصاب، نعم يستثنى من ذلك النتاج الذي ولد من نصاب قبل تمام حول الأمهات ولو بلحظة فإنه يتبع حول الأمهات إن كان من جنسها وملكه بملكها أي هي ولدته ليس ضمه من الشراء كأن كانت ثمانين فزادت وصارت مائة وإحدى وعشرين.
ولا بد أيضا لوجوب زكاة الأنعام من السوم من المالك أو نائبه في كلإ مباح فلا زكاة في المعلوفة أو السائمة بنفسها، والسائمة معناها الراعية، فالغنم إن كانت ترعى بنفسها بأن تسرح إلى المرعى فترعى بنفسها فتأكل من نبات الأرض ولا يكون معها صاحبها ولا وكيله فلا زكاة فيها، إنما الزكاة في الأنعام التي يسيمها صاحبها أي هو يأخذها إلى محل المرعى حتى تأكل من هذا الكلإ المباح أي الكلإ الذي لا مالك له إنما هو مشترك بين الناس [الأرض التي لم تدخل في ملك شخص أو أشخاص يقال لها أرض مباحة، فهذه الجبال التي لم يجر عليها ملك لأحد فهي من الموات فمن أحياها ملكها بتهيئتها للزراعة أو غير ذلك، والنبات الذي ينبت فيها ولم يستنبته أحد يقال له مباح]. فلو اغتصب الأغنام مغتصب فأسامها أي رعاها في الكلإ المباح فلا زكاة فيها لأنه لم يسمها مالكها ولا مأذونه، وكذلك لا زكاة إذا علفها صاحبها بنية قطع السوم ولا يشترط في ذلك فترة، أو علفها قدرا لا تعيش بدونه بلا ضرر بين كيومين ونصف.
ولا بد أيضا لوجوب زكاة الأنعام من أن لا تكون عاملة في نحو حرث لمالكها أو بأجرة، فلا زكاة في العاملة وإن أسيمت أي لو كانت سائمة في كلإ مباح.
قال المؤلف رحمه الله: فيجب في كل خمس من الإبل شاة.
الشرح أن أول نصاب الإبل خمس من الإبل ولا زكاة فيها إلا شاة واحدة، ثم هذه الشاة إما جذعة ضأن وهي الضأن التي أكملت سنة أو أسقطت مقدم أسنانها قبل ذلك، وإما ثنية المعز وهي الأنثى من المعز التي أكملت سنتين. فصاحب الإبل الخمس مخير بين أن يخرج عن الخمس جذعة ضأن وبين أن يخرج عنها ثنية معز، ثم لا يزاد على الشاة الواحدة إلى أن تبلغ إبله عشرا ففي العشر ثنتان، ثم لا يزاد عليه في ذلك إلى أن تبلغ إبله خمسة عشر فتجب فيها ثلاث شياه، ثم لا يزاد عليه إلى أن تبلغ إبله عشرين فتجب عليه أربع شياه، ثم إذا بلغت إبله خمسا وعشرين تجب عليه بنت مخاض من الإبل وهي الناقة التي مضى لها سنة ويجزئ عن بنت المخاض ابن لبون وهو الذكر من الإبل له سنتان إن فقد في إبله بنت المخاض أي إن لم يوجد أنثى في إبله يكفي ذكر مضى عليه سنتان. والعبرة في السنين في الأحكام الشرعية بالسنين القمرية [ترائي الهلال فرض مؤكد على وجه الكفاية لأن المرجع لحولان الحول والصيام والوقوف بعرفة وعدة النساء وغير ذلك مبني على ذلك]. ويجب في ست وثلاثين بنت لبون أي ناقة لها سنتان، وفي ستة وأربعين حقة وهي الأنثى التي لها ثلاث سنين، وفي إحدى وستين تجب جذعة وهي ما لها أربع سنين، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وفي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، وما بين النصابين عفو ليس عليها زيادة.
قال المؤلف رحمه الله: وفي أربعين من الغنم شاة جذعة ضأن أو ثنية معز.
الشرح أن الواجب إخراجه في أربعين من الغنم هو شاة أنثى جذعة ضأن أسقطت مقدم أسنانها أو أكملت سنة أو ثنية معز وهي ما لها سنتان كاملتان، أما إن تمحضت غنمه ذكورا فيجوز الذكر، فإذا زادت شياهه على ذلك فبلغت مائة وإحدى وعشرين وجب عليه أن يخرج عنها شاتين، ثم إذا بلغت مائتين وواحدة يخرج عنها ثلاث شياه، ثم إذا بلغت شياهه أربعمائة أخرج عنها أربع شياه، ثم بعد ذلك يخرج عن كل مائة شاة.
قال المؤلف رحمه الله: وفي كل ثلاثين من البقر تبيع ذكر.
الشرح أن الواجب في أول نصاب البقر الذي هو ثلاثون تبيع واحد أي ذكر من البقر له سنة كاملة، ويجزئ أن يخرج عن الثلاثين من البقر تبيعة أنثى لها سنة كاملة، وفي كل أربعين من البقر مسنة وهي ما لها سنتان سميت مسنة لتكامل أسنانها ويجزئ فيها تبيعان.
قال المؤلف رحمه الله: ثم إن زادت ماشيته على ذلك ففي ذلك الزائد. ويجب عليه أن يتعلم ما أوجبه الله تعالى عليه فيه.
الشرح لما كان المؤلف لم يذكر في المتن إلا النصاب الأول في الأنعام الثلاثة بين في قوله هذا أن على المكلف الذي تزيد ماشيته على أول النصاب أن يتعلم وجوبا عينيا حكم ما زاد على أول النصاب وقد مر بيانه في الشرح.
قال المؤلف رحمه الله: وأما التمر والزبيب والزروع فأول نصابها خمسة أوسق.
الشرح أن نصاب التمر والزبيب والزروع خمسة أوسق ليس فيما دون ذلك زكاة لقوله صلى الله عليه وسلم «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» رواه البخاري ومسلم [في صحيحيهما].
قال المؤلف رحمه الله: وهي ثلاثمائة صاع بصاعه عليه الصلاة والسلام ومعياره موجود بالحجاز.
الشرح أن خمسة الأوسق هي ثلاثمائة صاع لأن كل وسق ستون صاعا فمجموع الأوسق الخمسة ثلاثمائة صاع، ومعيار الصاع النبوي الذي كان معروفا في عهده صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد، والمد النبوي هو الحفنة بكفي رجل معتدل لا طويل الكف ولا قصيرها، والصاع النبوي معياره لا يزال موجودا في الحجاز [مرة في بلدنا كنا ثلاثة أشخاص فعيرنا الصاع النبوي فطلع بكف أحد الثلاثة ثلاث حفنات وبيد الآخر أربع حفنات وبيد الآخر خمس حفنات. فالعبرة بالحفنات بكفي رجل معتدل].
قال المؤلف رحمه الله: ويضم زرع العام بعضه إلى بعض في إكمال النصاب.
الشرح أنه يجب ضم زرع العام بعضه إلى بعض في إكمال النصاب وذلك بأن بلغ وقت نهايتهما في عام واحد جدادا في الثمر أي كان وقت قطعهما في عام واحد وحصادا في الزرع وإن لم يقطعا فيه. مثال ذلك أن يكون عنده نخل يثمر بعضه في الربيع وبعضه في الصيف أو يثمر نخله في العام مرتين ويكون إطلاع [أطلع النخل أخرج طلعه. كذا في مختار الصحاح] الثاني قبل جداد الأول أي قطعه وجداد الكل في عام واحد، فالحكم في ذلك أنه إن كمل النصاب بضم الأول إلى الثاني وجب إخراج الزكاة. والطلع بالفتح ما يطلع من النخلة ثم يصير ثمرا إن كانت أنثى، وإن كانت النخلة ذكرا لم يصر ثمرا بل يؤكل طريا [يترك على النخلة أياما معلومة حتى يصير فيه شىء أبيض مثل الدقيق له رائحة زكية فيلقح به الأنثى].
فإذا اتفق وقت حصاد واحد في عام مرتين كل مرة في أرض فطلع له في الأرض الأولى وسقان من قمح مثلا وطلع له في الأرض الثانية ثلاثة أوسق من القمح واتفق أن وقت حصادهما في عام واحد تكمل هذه بهذه فيزكي الجميع.
قال المؤلف رحمه الله: ولا يكمل جنس بجنس كالشعير مع الحنطة.
الشرح أنه لا يكمل النصاب من جنسين كالتمر والزبيب، والقمح والشعير، فإذا كانت كمية التمر أقل من خمسة أوسق فلا يكمل نصابها بالزبيب، كذلك إذا كان عنده قمح أقل من خمسة أوسق وكان عنده من الشعير ما يكمل به النصاب فلا يكمل هذا بهذا فلا زكاة عليه، لكن النوع يكمل بالنوع الآخر فإذا كان له نوعان من التمر كالبرني والعجوة من التمر فإنه يكمل النصاب من النوعين فتجب الزكاة في ذلك لاكتمال النصاب من النوعين، وكذلك البر فالمصري منه يكمل نصابه بالبر الشامي لاتحاد الاسم.
فائدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تصبح بسبع تمرات من عجوة المدينة مما بين لابتيها [واللابة: الحرة، وهي أرض فيها حجارة سود، والمدينة يكتنفها لابتان] لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر» رواه مسلم [في صحيحه].
قال المؤلف رحمه الله: وتجب الزكاة ببدو الصلاح واشتداد الحب.
الشرح أن زكاة الثمر أي ثمر النخل والكرم لا تجب على مالكهما إلا أن يبدو صلاح الثمر فمتى بدا صلاح الثمر ولو في حبة واحدة وجبت الزكاة. ومعنى بدو الصلاح أن تظهر علامة بلوغه صفة يطلب فيها للأكل غالبا أي حين يستوي ففي حال كون ثمرة الكرم حصرما لا تجب فيه الزكاة.
وكذلك الحب من القمح وغيره لا تجب فيه الزكاة إلا بعد أن يشتد الحب لأنه عندها يصير مقصودا للأكل، فالعنب حين يصير فيه ماء يصير مقصودا للأكل، أما الحصرم لا يقصد للأكل في الغالب وذلك لأن الثمر ثمر النخل والكرم يسمى قبل ذلك بلحا وحصرما ولا يسمى رطبا ولا عنبا، والزرع قبل اشتداد الحب لا يسمى قمحا ولا شعيرا إنما يسمى بقلا.
ولا يصح الإخراج إلا بعد الجفاف والتصفية فلا يخرج منه مختلطا بسنبله.
فمن كان عنده ثمر النخل والكرم وكان كل واحد منهما يبلغ النصاب لا يبيعهما حتى يصيرا تمرا وزبيبا إلا أن يخرجهما فيجوز أن يخمن رجل ثقة الثمر قبل أن يكون تمرا أو زبيبا كم يكون مقداره حين يصير تمرا أو زبيبا وتصير الزكاة في ذمته، ولا يشترط أن يمر عليهما الحول بل بمجرد بلوغهما النصاب مع كونهما تمرا وزبيبا يزكيهما.
ثم عند الحنفية يجوز أن يزكيه قبل أن يبدو صلاحه ولو بدفع الزكاة بالعملة الورقية لأن القيمة عندهم تجزئ.
تنبيه ما كان من العنب من الصنف الذي لا يتزبب يخرج منه وهو عنب رطب قبل الجفاف، وكذلك ما لا يتتمر من ثمر النخل يخرج منه زكاته وهو رطب [الرطب هو الذي يعصر فيسوى منه دبس].
قال المؤلف رحمه الله: ويجب فيها العشر إن لم تسق بمؤنة ونصفه إن سقيت بها، وما زاد على النصاب أخرج منه بقسطه.
الشرح أن زكاة ثمر النخل والكرم أي التمر والزبيب، والزرع أي الحب من القمح والشعير والأرز وغير ذلك عشر المحصول، وهو ثلاثون صاعا عن ثلاثمائة إن سقيت بلا مؤنة أي بلا كلفة كأن سقيت بمطر أو نحوه كماء النهر أو العيون أو الثلج أو بما يجري في السواقي المحفورة من النهر وإن احتاجت لمؤنة [كأن تكلف بالحفر مثلا لإيصال الماء]، وأما ما سقي بالمؤنة فيجب فيه نصف العشر أي خمسة عشر صاعا عن الثلاثمائة وذلك كالمسقي بالنواضح من الإبل والبقر [أي التي تستعمل لجلب الماء من الآبار] والدواليب، وكذلك إذا كانوا يخرجون الماء بالدلاء من الآبار ثم يسقون بها [وكذلك المسقي بواسطة المولد الكهربائي]، وكذلك المسقي بالماء المملوك أو بالماء المغصوب [لأن الماء المغصوب سيضمنه]. فما سقي بذلك أي ما كان انتفاعه بذلك فقط فزكاته نصف العشر. قال القاضي ابن كج لو اشترى الماء كان الواجب نصف العشر وكذا لو سقاه بماء مغصوب لأن عليه ضمانه اهـ.
وذكر المؤلف حكم ما زاد على النصاب في الثمار والزروع أنه يجب الإخراج منه بحسابه ولو كان يسيرا وهو العشر أو نصفه بخلاف ما يزيد في النعم على النصاب فإنه عفو ليس فيه زكاة كما مر.
قال المؤلف رحمه الله: ولا زكاة فيما دون النصاب إلا أن يتطوع.
الشرح أنه لا زكاة فيما كان من الحب والثمر أقل من النصاب إلا أن يتطوع مالكه خلافا لمذهب أبي حنيفة فإنه يوجب الزكاة فيما دون النصاب في الثمار والزروع.#
قال المؤلف رحمه الله: وأما الذهب فنصابه عشرون مثقالا والفضة مائتا درهم ويجب فيهما ربع العشر وما زاد فبحسابه.
الشرح أن القدر الذي تجب فيه الزكاة من الذهب عشرون مثقالا، والمثقال هو ما كان وزنه اثنتين وسبعين حبة شعير متوسطة بعد أن يقطع من طرفيها ما دق وطال من غير أن تقشر باعتبار الوسط من الحبة.
وأما الفضة فنصابها أي القدر الذي تجب الزكاة فيه منها مائتا درهم، والدرهم الإسلامي وزنه خمسون وخمسا حبة شعير متوسطة، ولا يجب فيهما إلا ربع العشر. وما زاد من الذهب والفضة على النصاب وإن قل فبحسابه لأنه لا وقص أي لا عفو في الذهب والفضة فيما زاد على النصاب كالأقوات، فيجب إخراج ربع عشر الزائد على النصاب، وأما ما نقص عن النصاب من الذهب والفضة فلا زكاة فيه. ولا زكاة في الأثمان من غير الذهب والفضة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر زكاة غيرهما، ولا ينظر إلى رواج الثمن الذي هو من غيرهما بالتعامل بين الناس عند الإمام الشافعي. وكذلك في مذهب مالك ومذهب أحمد الأثمان ليس فيها زكاة إلا الذهب والفضة.
فهذه الأوراق التي يتعامل بها الناس الآن لا زكاة فيها على مذهب الشافعي ومالك وأحمد. بعض الناس أنكروا هذا فقالوا إن قلنا لا زكاة في العملة ضاع إغاثة الفقراء وهذا باطل لأن الزكوات إن لم تكف حاجات الفقراء تكفى هذه الحاجات من غير الزكاة على حسب ما بينه الشرع. يقال لهم الفقراء تسد حاجاتهم من غير الزكاة لأنه فرض على الأغنياء أن يسدوا حاجات الفقراء للمسكن والأكل والشرب والملبس، واجب، لكن أغنياء هذا العصر لا يعرفون، أحدهم يجمع ما يكفي عشرة ءالاف نفس ولا يدفع للفقراء، جهلا يهجمون على مذهب الشافعي، شافعي في دمشق ألف شرحا على أبي شجاع أو على نظم أبي شجاع كان يتحامل على من يقول لا زكاة في العملة الورقية.
وإنما تجب الزكاة في النقدين إذا بلغا النصاب [فلو كان مهر المرأة ذهبا أو فضة بلغ نصابا ومضى عليه الحول وجبت عليها زكاته ولو لم تقبضه بعد. فلو مضت سنون ولم تدفع زكاته لزمها دفع زكاة كل ما مضى]. وكذا الحلي ولو كان غير خالص فحكمه كحكم النقد عند من يوجب الزكاة فيه. والاعتبار في النصاب بخالص الذهب والفضة وأما المخلوط منهما بغيره فلا زكاة فيه حتى يبلغ خالصه نصابا فيخرج منه خالصا أو مغشوشا خالصه قدر الواجب ويكون الغش الذي فيه تبرعا.
فائدة نصاب الفضة عشرة ءالاف وثمانون (10080) حبة شعير أي تقريبا ما يساوي خمسمائة وأربعة وتسعين غراما ومائة وأربعة وعشرين جزءا من الألف من الغرام (594،124) من الفضة ونصاب الذهب ألف وأربعمائة وأربعون حبة شعير (1440) أي ما يساوي تقريبا أربعة وثمانين غراما وثمانمائة وخمسة وسبعين جزءا من الألف من الغرام (84,875) من الذهب الخالص ومن المغشوش ما يساوي ستة وثمانين غراما من عيار أربعة وعشرين، وسبعة وتسعين غراما من عيار واحد وعشرين (97) ومائة وأربعة عشر غراما من عيار ثمانية عشر (114).
ويكمل نوع بنوع لا جنس بجنس فلو كان عنده في ملكه مقدار من الذهب أقل من النصاب ومقدار من الفضة أقل من النصاب ولو بقدر يسير فلا زكاة في ذلك لأنه لم يكمل النصاب من الذهب بمفرده ولا من الفضة بمفردها.
قال المؤلف رحمه الله: ولا بد فيهما من الحول إلا ما حصل من معدن أو ركاز فيخرجها حالا وفي الركاز الخمس.
الشرح أنه لا بد في وجوب زكاة الذهب والفضة من الحول أي من حولان عام كامل باعتبار السنة القمرية وذلك لحديث «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» [أخرجه أبو داود في سننه]، فإذا لم يستمر سنة كاملة في ملكه فقد انقطع الحول، فإن عاد إلى ملكه يستأنف له سنة كاملة، لكن لو ملك إنسان نصاب ذهب أو نصاب فضة ستة أشهر ثم أقرضه إنسانا لم ينقطع الحول فإن حال الحول بتمام ستة أشهر أخر وجب عليه زكاة ذلك النصاب.
والمعدن في عرف الفقهاء في باب الزكاة هو الذهب أو الفضة اللذان يوجدان في الموضع الذي خلقهما الله فيه أي ليس دفينا فالدفين يسمى ركازا، وهذا الحاصل من المعدن يزكى بعد تحصيله ولا ينتظر له حولان حول لأن الحول إنما يشترط للنماء والمعدن نماء في نفسه فوجبت زكاته في الحال.
وأما الركاز فهو الدفين الجاهلي أي الذي كان دفن قبل بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أي ما دفنه الناس قبل بعثة الرسول، فمن عثر عليه في أرض لم تعمر أي ليس لها صاحب كبعض الجبال التي يقال عنها ملك الدولة، أو في أرض أحياها هو أي كانت غير مملوكة لأحد إنما هو أحياها أي اتخذها مزرعة أو بستانا أو مسكنا أو نحو ذلك، وجب عليه أن يزكيه في الحال أي مع بلوغ النصاب أي القدر الذي تجب فيه الزكاة من الذهب أو الفضة، ويعرف كونه دفينا جاهليا بوجود اسم ملك من ملوك تلك الأزمان.
وأما ما عليه اسم ملك من ملوك الإسلام وما يوجد في طريق أو مسجد أو شاطئ البحر أو في البرية فإنه لقطة، واللقطة لها حكم خاص وهو أن تعرف سنة ثم بعد مضي السنة إن شاء يتملكها أي بنية إن ظهر صاحبها يغرم له وإن شاء يحفظها إلى أن يظهر صاحبها. وأما ما يجده الشخص في سيارته أو دكانه أو بيته أو بستانه فليس له حكم اللقطة بل هو كالأمانة التي يضعها الشخص عنده يحفظها ولو إلى عشر سنين وليس له أن يأكلها، فإن كانت مما يتلف وخشي تلفها يبيعها بنية حفظ ثمنها لصاحبها.
وأما لو استأجر الشخص أرضا فحفر فيها فوجد هذا الركاز لا يأخذه لنفسه ولا يقول هذا حظي، بل يعطيه لصاحب الأرض إن كان له وهو دفنه فيها وإلا فينظر في الذي كان يملك هذه الأرض قبله وهكذا حتى يصل إلى الذي أحياها أولا. أما بعض الناس فمن شدة جهلهم بعلم الدين متى ما وجدوا في مكان ما دفينا يأكلونه والعياذ بالله حتى لو كان دفينا إسلاميا أو في أرض مملوكة لمسلم.
ثم حكم الركاز أنه يخرج منه الخمس ليس ربع العشر بخلاف المعدن فإنه يخرج منه ربع العشر وذلك لأنه لا مؤنة في الركاز بخلاف المعدن فإن فيه مؤنة لتصفيته وتنقيته من التراب، فالمعدن والركاز كالزرع الذي يسقى بلا مؤنة والزرع الذي يسقى بمؤنة فإن زكاة الذي يسقى بلا مؤنة العشر والذي يسقى بمؤنة نصف العشر. ولا زكاة على من وجد دفينا جاهليا من الجواهر لأن الجواهر ليس فيها زكاة.
ويشترط في الركاز كونه نصابا ولو بضمه لما في ملكه من جنسه كأن كان الركاز ذهبا أقل من مقدار النصاب لكن كان في ملكه ما يكمل ذلك القدر نصابا من الذهب، أو كان عنده عروض تجارة تقوم بنقده بأن كان الركاز ذهبا أقل من النصاب وكان له عروض تجارة تقوم بالذهب فيكمل هذا بهذا لبلوغ النصاب ويزكى.
تنبيه الحلي من الذهب أو الفضة إذا كان مباحا أي ليس حراما ولا مكروها بأن كان لامرأة فللإمام الشافعي رضي الله عنه فيه قولان مرة قال فيه زكاة ومرة قال ليس فيه زكاة، وأما أبو حنيفة فإنه يزكى عنده قولا واحدا، ولا فرق في وجوب زكاة الحلي عنده بين مباحه ومحرمه. والقول الراجح دليلا من قولي الإمام الشافعي أنه يزكى وذلك لحديث أسماء بنت يزيد أنها قالت أتيت أنا وخالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلينا أسورة من ذهب فقال «أتؤديان زكاته»، قلنا لا قال «أتحبان أن يسوركما الله سوارا من نار يوم القيامة» قلنا لا قال «فأديا زكاته» رواه الترمذي [في سننه] والبيهقي [في سننه] بإسناد حسن. وإنما قال لهما رسول الله «أتؤديان زكاته» لأنه علم أن حلي كل واحدة منهما كان نصابا. وقد جاء في القرءان أن الذين لا يؤدون زكاة الذهب والفضة تحمى في نار جهنم يوم القيامة وتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هـذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ [سورة التوبة] وروي في الحديث [الذي أخرجه البخاري في صحيحه] أن الإنسان الذي لا يزكي الذهب والفضة هذا الذهب وهذه الفضة يصيران ثعبانا كبيرا يلتقم [أي يبتلع] يد هذا الشخص الذي لم يزك. وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة «من ءاتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة» المعنى أنه يوضع على رقابهم كالطوق أي كالقلادة، قسم يكوى بها جباههم وجنوبهم وقسم يكون عليهم مثل الثعبان يطوق به أعناقهم قال «ثم يأخذ بلهزمتيه» يعني شدقيه «ثم يقول أنا مالك أنا كنزك»، ثم تلا هذه الآية ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما ءاتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ [سورة ءال عمران/180]. والذي كان له بقر وغنم وإبل ولا يزكي منها يصير الإبل يدوسه بخفه برجله، والبقر والغنم تنطحه بقرونها.
أما حلي الذهب والفضة المحرم فهو كالذي يتخذه الرجل، كذلك لو اتخذت المرأة خلخالا وزنه مائتا مثقال هذا إسراف خرج عن حد الزينة فخرج عن كونه مباحا إلى كونه حراما فتجب زكاته، وكذلك المكروه [المكروه كما إذا كان شخص عنده أوان متعددة ألصق بها قطع فضة كبيرة لحاجة على موضع الكسر، فإذا بلغت هذه القطع نصابا تزكى]، وأما المباح الذي ليس فيه كراهة فليس على المرأة فيه زكاة على أحد القولين حتى لو كان عندها ثوب منسوج بالذهب يبلغ نصابا فليس عليها فيه زكاة، فمن أدت الزكاة عن الحلي أخذت بالأحوط ومن لم تزك يجوز لنا أن نسكت عنها لأن عائشة رضي الله عنها ما كانت ترى فيه زكاة وكذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يحلي بناته بالذهب ولا يزكيه، وكذلك روي عن غيرهما من الصحابة، وهو مذهب مالك وأحمد بن حنبل فإنهما قالا لا زكاة في الحلي المباح.
قال المؤلف رحمه الله: وأما زكاة التجارة فنصابها نصاب ما اشتريت به من النقدين والنقدان هما الذهب والفضة ولا يعتبر إلا ءاخر الحول ويجب فيها ربع عشر القيمة.
الشرح أن هذا بيان حكم زكاة التجارة، ومعنى التجارة تقليب المال لغرض الاسترباح بأن يشتري ويبيع ثم يشتري ويبيع لغرض الربح. وأما نصابها فهو معتبر بنصاب ما اشتريت به من النقدين أي الذهب والفضة لأن عروض التجارة تقوم بما اشتريت به فإن اشتريت بذهب قومت بالذهب، وإن اشتريت بفضة فبالفضة، وإن اشتريت بغيرهما قومت بالنقد الغالب في ذلك البلد فإن كان الغالب في ذلك البلد نقد الذهب فبالذهب وإن كان الغالب فيه نقد الفضة فبنقد الفضة. هذا الحكم عند الإمام الشافعي رضي الله عنه أما عند أبي حنيفة فتقوم بالنقد الذي هو أنفع للفقراء، إن كان تقويم عروض التجارة بالذهب أنفع للفقراء فتقوم بالذهب، وإن كان الأنفع تقويمها بالفضة فتقوم بالفضة، أما ما يصرفه الإنسان من هذا المال في أثناء الحول قبل حولان الحول لحاجاته أو يتصدق به للناس أو يأخذه من هذه البضائع في أثناء الحول ليتخذه لقنية أي أمسكه للانتفاع بعينه أكلا أو شربا أو لبسا أو غير ذلك، فهذا لا يدخل في الحساب عند الزكاة. ثم إذا بلغت قيمتها نصابا ءاخر الحول وجبت زكاة هذه العروض وإلا فلا، فإن كانت البضاعة في ءاخر الحول قيمتها تساوي نصابا وبعد الحول بيوم أو يومين رخصت البضاعة وقلت قيمتها لا ينظر إلى قيمتها بعدما رخصت بل ينظر إلى القيمة وقت حولان الحول.
ثم إنه لا يجب فيها إلا ربع العشر وهو بالنسبة لمائتي درهم فضة إسلامي التي وزن كل درهم منها خمسون وخمسا حبة شعير كما مر خمسة دراهم.
ثم يجب في مذهب الإمام الشافعي إخراج عين الذهب أو عين الفضة [وليس شرطا أن يخرج جزءا من عين المزكى بل له أن يخرج من غيره ولو بطريق القرض] عند الزكاة، أما عند أبي حنيفة فيكفي إخراج ما يساوي القيمة من أي ثمن من الأثمان كالعملة المعروفة اليوم ويجزئ أيضا عنده غير الأثمان من العروض.
فائدة العرض في اصطلاح الفقهاء هو ما ليس ذهبا ولا فضة وجمعه عروض، وأما العرض بالكسر فهو محل الذم والمدح من الإنسان، وأما العرض بضم العين فهو الجانب يقال عرض الحائط ومعناه جانب الحائط، وأما العرض بفتح الراء فهو ما لا يدوم. وأما الذهب والفضة فقد خصا في عرف الفقهاء باسم النقد، فإذا قال الفقهاء النقد فهو الذهب والفضة وما سوى الذهب والفضة يقال له كما مر عرض. وأما الأثمان التي تكون من النحاس فلها اسم خاص وهو الفلس يقال فلس وفلوس وكانت معروفة في عصر الصحابة أنشد عبد الله بن عمر [الوافر]
يحب الخمر من مال الندامى ويكره أن تفارقه الفلوس [هذا وصف رجل من شدة بخله لا يشتري الخمر إنما يشرب مما اشتراه غيره].
ثم يشترط لوجوب الزكاة في عروض التجارة أن لا يقطع نية التجارة في أثناء الحول فإن قطعها فلا زكاة عليه، أما إن قطع نية التجارة بعدما حال الحول ففيه زكاة لهذا العام الماضي، أما بالنسبة للمستقبل فقد خرج عن كونه مال تجارة.
ويشترط أيضا أن لا ينض أي أن لا يرجع مال التجارة ناقصا عن النصاب بالنقد الذي يقوم به أثناء الحول [ومعنى أن لا ينض أي أن لا يرجع إلى أصله الذي ملك به من ذهب أو فضة ناقصا عن النصاب أثناء الحول كأن اشترى عرضا بذهب فباعه أثناء الحول بأقل من نصاب الذهب كأن باعه بسبعة عشر دينارا انقطع هذا الحول فإذا حال ذلك الحول لم تجب عليه الزكاة، فإن اشترى بهذا الذهب الذي باع به عرض التجارة عرضا للتجارة انعقد حوله من حينئذ، أما لو باعه بعرض أو بنقد لا يقوم به ءاخر الحول فحوله باق]، يقال نض المال أي رجع إلى أصله إن كان من ذهب أو من فضة، فمال التجارة إن استعمل ثم بيع بالذهب إن كان أصله ذهبا أو بالفضة إن كان أصله فضة وكان ذلك المبلغ ناقصا عن النصاب انقطع الحول. وأما إذا بدأ الشخص تجارته بمال ثم بعد مرور الحول تبين له أن ماله نقص عن أصله أي خسر بتجارته ولكنه ما زال نصابا أو فوق النصاب فعليه أن يدفع الزكاة عن ماله الذي بقي.
ويشترط أيضا اقتران النية بتملك المال بمعاوضة محضة كبيع أو إجارة، أو غير محضة كعوض دم أي دية نفس وما دونها من الجنايات كدية العين أو اليد، وما تملك على أنه مهر أو كان عوض خلع إذا نوى بها التجارة، ومعنى المعاوضة مقابلة شىء بشىء، فكل ما ملك بإحدى هذه الوجوه مع نية التجارة ففيه الزكاة، فلو أصدقت المرأة عرضا من العروض أي جعل ذلك مهرا لها فاستلمته وهي تنوي التجارة به أو اختلعت نفسها بمال من زوجها أي اشترت نفسها بمبلغ من المال من زوجها لفك العصمة فنوى الزوج عندما قبض ذلك العرض منها التجارة به ففي ذلك زكاة لأنه ملك بمعاوضة، بخلاف المال الذي يتملك بغير معاوضة كالمال المتملك بالإرث وقد مر حكمه أو الهبة بلا ثواب أي جزاء يقابل به فإنه لا زكاة فيه [والهبة بثواب هو أن يقول وهبتك هذا على أن تهبني كذا هذه معاوضة أما إذا قال وهبتك هذا ثم قال وأنا أهبك هذا فليست هذه الهبة معاوضة لأنه لم يشترط فيها الثواب أي الجزاء، فالصورة الأولى بيع معنى وحكما]، فلو ورث الرجل بضائع كان مورثه مالكها أو وهبه شخص هبة بلا مقابل فلا زكاة فيه لأنه ملك بلا معاوضة [رأس المال إذا كان دخل من غير طريق المعاوضة فلا زكاة فيه].
ويشترط أيضا لوجوب زكاة التجارة أن لا يقصد بعرض التجارة القنية أي الإمساك في يده لغير التجارة ولو كانت قنيته محرمة فإنه ينقطع حول ما نواها فيه وقد مر.
والعبرة في زكاة التجارة بثمن البضاعة عند حولان الحول باعتبار شراء الناس للبضاعة وليس باعتبار شراء التاجر للبضاعة. وهذا الحكم مجمع عليه، فإن كان يبيع بالجملة والمفرق يحسب سعر المبيع بالجملة، فإن بلغت قيمتها باعتبار الجملة النصاب وجبت فيها الزكاة.
وإذا كان التاجر اشترى بضاعة بثمن في الذمة وباع بضاعة بثمن في الذمة فعند حولان الحول يحسب هذا المال ويزكيه، وقال بعض الأئمة لا يحسب قدر الدين الذي عليه ويزكي ما سواه إن بلغ النصاب عند حولان الحول [هذا إن كان لا يملك ما يفي به الدين وإلا فيلزمه أن يزكيه]، وإن نسي بعد حولان الحول كم كان مال التجارة الذي عنده يزكي القدر المتيقن وإن شاء الاحتياط يزكي الحد الأقصى الذي يظن أنه كان عنده عند حولان الحول.
قال المؤلف رحمه الله: ومال الخليطين أو الخلطاء كمال المنفرد في النصاب والمخرج إذا كملت شروط الخلطة.
الشرح أنه إذا اختلط مال شخص بمال شخص ءاخر أو بمال أكثر من شخص في نصاب من جنس واحد وإن اختلف النوع ولو غير ماشية أو في أقل من نصاب ولأحدهما نصاب بشرط أن يكون الخلطاء من أهل الزكاة يكون حكم هذا المال كمال الشخص المنفرد من حيث النصاب ومن حيث قدر المخرج، فتجب عليهما الزكاة كزكاة المال الواحد إذا كملت شروط الخلطة وهي دوام الخلطة حولا في المال الحولي، فلو ملك كل من الخليطين أربعين شاة أول المحرم وخلطا أول صفر لم تثبت في الحول الأول فيخرج كل منهما شاة على حدة وتثبت الخلطة فيما بعده، وأما في غير المال الحولي بأن كانت الخلطة في زرع أو ثمر فالشرط في ثبوت الخلطة أن تدوم إلى بدو الصلاح.
ويشترط للخلطة في الماشية اتحاد المشرب والمسرح أي مشرب كلتا الماشيتين ومسرحهما، والمسرح هو المكان الذي تجمع إليه الماشية قبل سوقها إلى المرعى وبشرط اتحاد الطريق في الماشية، ومراحها أي اتحاد مأوى الماشيتين في الليل، واتحاد مراعيها، ومحل حلبها، ومكان سقيها، وماء سقيها، وبشرط اتحاد الحارث، والملقح، والجداد، والحصاد، والحمال، والحافظ، والجرين في الشجر والزرع، والجرين هو المحل الذي تجمع إليه الزروع والثمار، واتحاد الحارس والمكان فيما إذا كانت الخلطة في عروض التجارة أو النقد أي الذهب والفضة ونحو ذلك. فإذا تحقق اتحاد المالين أي تحققت هذه الأشياء أي عدم تخصيص مال أحدهما بشىء من ذلك دون مال الآخر كان مالهما كمال رجل واحد فيزكى ذلك المال كأنه مال شخص واحد.
ثم إن الخلطة في الماشية تفيد تخفيفا كأربعين شاة خلطت بمثلها فإن في ذلك تخفيفا على الخليطين لأنهما يخرجان شاة واحدة ولولا الخلطة لأخرج كل منهما شاة، وتفيد تثقيلا كعشرين بمثلها بأن كان لكل واحد منهما عشرون شاة فخلطا شياههما فإنه تجب عليهما شاة واحدة لاكتمال النصاب باجتماع ماليهما، ولولا الخلطة لم تجب على واحد منهما فيما يخصه. وقد تفيد تخفيفا على أحدهما وتثقيلا على الآخر كأربعين بعشرين فإن صاحب الأربعين استفاد تخفيفا وصاحب العشرين ما استفاد إلا تثقيلا، وقد لا تفيد الخلطة تخفيفا ولا تثقيلا كما إذا كان لكل واحد منهما مائة شاة. وأما في غير الماشية فلا تفيد الخلطة إلا تثقيلا أو لا تثقيلا ولا تخفيفا وإن لم يكن لأحدهما نصاب ولم يبلغ القدر المخلوط نصابا فلا زكاة وإن بلغه مجموع ماليهما كأن انفرد كل بسبعة عشر واشتركا في ست أو خلطا ثمانية وثلاثين وميزا ثنتين فإنه لا زكاة في الحالين.
قال المؤلف رحمه الله: وزكاة الفطر تجب بإدراك جزء من رمضان وجزء من شوال.
الشرح أن زكاة الفطر تجب على من أدرك ءاخر جزء من رمضان وأول جزء من شوال وذلك بإدراك غروب شمس ءاخر يوم من رمضان وهو حي حياة مستقرة، فمن كان حيا عند غروب ءاخر يوم من رمضان ولو ولد قبل ذلك بساعة يجب دفع الزكاة عنه. فلا تجب زكاة الفطر فيما حدث بعد الغروب من ولد أو غنى أي ملك المال الذي يشترط أن يفضل عما يخرج للفطرة، وكذلك لو شك في حدوثهما بعد الغروب وكذا نكاح الزوجة [يجب على الزوج زكاة الفطرة عن زوجته إذا عقد عليها ومكنته منها أي إذا مكنته من جماعها ولو لم يجامعها] وإسلام الشخص. والمراد بالغنى في هذا الموضع أن يكون للشخص مال يخرجه زكاة فاضلا عن دينه وعن قوته وقوت من عليه نفقته يوم العيد وليلته، فمن كان عند الغروب حيا وكان له مال يفضل عن ذلك فهو غني في باب زكاة الفطرة، ومن كان حال الغروب بصفة الوجوب ثم حدث موت أو طلاق لم تسقط زكاته.
ثم شرع المؤلف في بيان شروط المخرج عنه فقال:
على كل مسلم عليه وعلى من عليه نفقتهم إذا كانوا مسلمين.
الشرح إنما تجب زكاة الفطرة على المسلم الحر ولو كان مبعضا أي بعضه حر وبعضه عبد مملوك، ولو كان صغيرا [أي يجب دفعها عنه]، فلا تجب على الكافر أصالة عن نفسه وإلا فقد يكون المخرج كافرا إذ يلزمه إخراج فطرة قريبه المسلم وعبده المسلم [الكافر إذا كان عنده عبد مسلم لا يترك تحته ثم هذا الكافر لا يدفع بيده يعطي مسلما ليدفع الزكاة أو يعطي قريبه المسلم هذا ويقول له ادفع هذا زكاة] لأنها تجب أولا على المؤدى عنه ثم يتحملها المؤدي.
فتجب أولا على من عليه نفقتهم فطرتهم ثم يتحملها عنهم من تجب عليه نفقتهم، وممن عليه نفقتهم الزوجة ولو رجعية أي طلقت بطلقة أو طلقتين ولم تنته العدة والبائن الحامل وعبدها المملوك لها إن أخدمها إياه.
ويجب على الزوج فطرة زوجته وفطرة خادمها الذي هو مملوك لها إذا كانت ممن يستحق الإخدام كأن كانت في أهلها ممن تخدم أي يتخذ لها خادم [أي عبد مملوك]، والولد الصغير وإن سفل والوالد وإن علا إذا كانا فقيرين، أما إن كانا غنيين بمال فلا تجب عليه زكاتهما. وكذلك لا تجب عليه زكاة ولده الصغير الذي هو مكتف بكسب لائق به، فلو قدر الولد على قوت يوم العيد وليلته فقط لم تجب على الأب فطرته وكذا على الولد لإعساره. ولا يصح إخراج الفطرة عن الأصل الغني والولد البالغ إلا بإذنه فليتنبه لذلك فإن كثيرا من الناس يغفلون عن هذا الحكم فيخرجون عن الولد البالغ بدون إذنه.
وممن يجب إخراج الزكاة عنه المملوك ولو أم ولد ومدبرا ومعلقا عتقه بوجود صفة كأن يقول له مالكه إن تعافى فلان فأنت حر ولو كان هذا المملوك مرهونا أو ءابقا هاربا وإن انقطع خبره.
قال المؤلف رحمه الله: على كل واحد صاع من غالب قوت البلد إذا فضلت عن دينه وكسوته ومسكنه وقوته وقوت من عليه نفقتهم يوم العيد وليلته.
الشرح أنه لا تجب الزكاة على من ذكر إلا إذا فضل ما يخرجه للفطرة عن دينه ولو كان ذلك الدين مؤجلا، وعن كسوته وكسوة من عليه نفقته اللائقين بهما منصبا ومروءة، قدرا ونوعا، زمانا ومكانا حتى ما يتجمل به يوم العيد مما جرت به عادة مثله يوم العيد أو يحتاجه لنحو برد، وعن مسكنه ومسكن من عليه نفقتهم اللائقين بهم وإن اعتاد السكن بأجرة وكذا عن خادمه وخادم من عليه نفقته كزوجته إن كانت ممن يستحق الإخدام كأن كانت في أهلها ممن تخدم، وعن قوته وقوت من عليه نفقتهم ولو ما اعتيد للعيد كالحلوى ليلة العيد المتأخرة عن يومه ويومه. وأما من طرأ له القدرة على ذلك بعد غروب شمس ءاخر يوم من رمضان في أثناء الليلة أو في أثناء يوم العيد أخرجها من غير أن تكون فرضا عليه.
فيعلم من ذلك أنه لا يجب الكسب من أجل أداء الفطرة، هذا إذا لم تصر زكاة الفطرة دينا عليه، وإلا بأن ترك أداءها وهو قادر حتى غربت شمس يوم العيد ثم افتقر بعد ذلك فإنه يجب عليه أن يكسب أي أن يعمل لقضاء زكاة الفطرة.
ويجوز إخراجها في رمضان ولو أول ليلة من رمضان بشروط التعجيل أي تعجيل الزكاة، والسنة إخراجها يوم العيد وقبل الصلاة أي صلاة العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذر.
فتلخص أن لها أوقاتا خمسة وقت جواز وهو رمضان، ووقت وجوب وهو غروب شمس ءاخر يوم منه، ووقت فضيلة وهو قبل صلاة العيد، ووقت كراهة وهو ما بعدها إلا أن يكون أخرها لانتظار نحو قريب، ووقت حرمة وهو ما بعد غروب شمس يوم العيد إلا أن يكون أخرها لعذر كغيبة ماله إلى مسافة أقل من مرحلتين، فإن غاب ماله مرحلتين فأكثر فلا وجوب من أصله، وإن كان في مكان يبعد أقل من مرحلتين فكأنه حاضر.
وزكاة الفطر هي صاع من غالب قوت البلد عن كل واحد. والصاع أربعة أمداد والمد ملء الكفين المعتدلتين وغالب قوت البلد في بلاد الشام وكثير غيرها هو القمح.
قال المؤلف رحمه الله: وتجب النية في جميع أنواع الزكاة مع الإفراز للقدر المخرج.
الشرح أنه تجب النية القلبية في جميع أنواع الزكاة كأن يقول بقلبه هذه زكاة مالي أو بدني، أو صدقة مالي المفروضة، أو صدقة المال المفروضة أو الواجبة، ولا يجب تعيين المخرج عنه في النية، فلو لم ينو إلا بعد الدفع لم تصح، وتكفي النية عند دفعها للإمام أي الخليفة أو الوكيل أي وكيل المزكي. والإفراز هو عزل القدر الذي يكون زكاة عن ماله.
تنبيه للزكاة وقت وجوب ووقت جواز، فوقت الوجوب حولان الحول في المال الحولي فمتى حال الحول وجبت الزكاة في المال الحولي وإن لم يتمكن من أدائها، فليس التمكن إلا شرطا للضمان أي إن تلف المال، ويضمن بالتأخير بعد التمكن مطلقا. وإذا تمكن بأن حضر المال والمستحق وخلا المالك من مهم ديني أو دنيوي وزال حجر الإفلاس عن المفلس [إن تلف المال قبل أن يفك عنه الحجر ما عليه زكاة] وجفف التمر ونقي الحب والمعدن فيما يستخرج من الذهب والفضة من الموضع الذي خلقهما الله فيه وجب الأداء فورا، فإن أخر بعد الوجوب والتمكن أثم وضمن قدر الزكاة إن تلف المال أي وجب عليه الغرامة، لكن إن لم تشتد حاجة المستحقين الحاضرين أي لم يتضرروا بتأخير إخراجها ندب التأخير لانتظار قريب يستحقها أو جار يستحقها أو مستحق أفضل من الموجودين الحاضرين ونحو ذلك وإلا حرم التأخير، ويضمن للتأخير مطلقا أي في الحال التي يجوز فيها التأخير والحال التي لا يجوز فيها التأخير. وتأخير دفع الزكاة عن وقتها من غير عذر من الكبائر.
أما وقت الجواز فهو أن يدفع الزكاة قبل تمام الحول ويجزئ ذلك بشرط بقاء المالك أهلا للوجوب، وبقاء المال إلى ءاخر الحول.
ولا يجوز تسليم مال الزكاة إلا لأمين يعرف مصارفها فلا يخشى أن يضيعها ويصرفها إلى نواح أخرى.
وقد اختلف الفقهاء في جواز دفع الزكاة في غير بلد المال فالأفضل دفعها في بلد المال فمن كان يسكن طرابلس مثلا وماله هناك يدفع في طرابلس ولا يدفع في بيروت. وهنا مسئلة مهمة ينبغي بيانها وهي أنه لو كان لشخص على ءاخر مال فقال له الآخر لا أدفع لك فنوى الذي وجبت عليه الزكاة بقلبه قائلا أجعل هذا المال الذي لي على فلان زكاة لأنه فقير من أهل الزكاة فهذا لا يصح، لأنه لما دفع إليه أولا ما نوى به الزكاة إنما نوى أن يقرضه فلا بد أن يقبضه منه أولا ثم إن شاء يدفعه له زكاة.
قال المؤلف رحمه الله: ويجب صرفها إلى من وجد في بلد المال من الأصناف الثمانية من الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين وهم المدينون العاجزون عن الوفاء، وفي سبيل الله وهم الغزاة المتطوعون ليس معناه كل عمل خيري، وابن السبيل وهو المسافر الذي ليس معه ما يوصله إلى مقصده.
الشرح أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى غير هؤلاء الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في القرءان بقوله ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ [سورة التوبة/60]. ولا يجوز صرفها عند الإمام الشافعي إلا إلى ثلاثة من كل صنف فأكثر من هؤلاء الثمانية أي إلى من يوجد منهم في بلد الزكاة أي في بلد المال، وجمع ءاخرون اختاروا جواز صرف زكاة شخص واحد لمستحق واحد أي إما من الفقراء وإما من المساكين وإما من العاملين وإما من الأصناف الذين بعدهم لكن اختار جمع من الشافعية أي من أتباع الإمام الشافعي جواز صرف زكاة الفطر لثلاثة فقراء أو مساكين. أما غير الإمام الشافعي فيجيز دفع الزكاة إلى من يشاء المالك من هؤلاء الأصناف ولو اقتصر على صنف واحد فذلك جائز عند الأئمة الثلاثة.
أما الفقير فهو من لا نفقة على غيره واجبة له [فإن من له نفقة واجبة له على غيره كالزوجة والأبوين الفقيرين فإنه مكتف بإنفاق غيره عليه فالزوجة مكتفية بإنفاق الزوج عليها والأبوان الفقيران مكتفيان بإنفاق الولد الموسر عليهما فلا يعدون فقراء في باب الزكاة] ولا مال ولا كسب حلال يقع موقعا من كفايته مطعما وملبسا ومسكنا وغيرها مما لا بد منه على ما يليق به وبممونه [ممون الشخص من عليه نفقتهم كزوجته وأولاده الصغار]، أي لا يجد إلا أقل من نصف كفايته لحاجته التي يحتاجها لنفسه ولمن تلزمه نفقته إن كان له من تجب عليه نفقته كأولاد صغار أطفال وزوجة وأبوين فقيرين من حيث المطعم أي الطعام والملبس والمسكن وسائر ما لا بد منه باعتبار ما يليق به وليس باعتبار فوق ما يليق به كالذي يحتاج عشرة ولا يجد إلا أربعة فأقل.
وأما المسكين فهو الذي له ما يسد مسدا من حاجته إما بملك أو بعمل يغل له [فلان يغل على عياله بالضم أي يأتيهم بالغلة كذا في مختار الصحاح] لكنه لا يكفيه كفاية لائقة بحاله كمن يحتاج لعشرة فلا يجد إلا ثمانية فيعطى كفايته. ثم هذا يختلف باختلاف السن فمن كان بلغ العمر الغالب وهو ستون سنة يعطى كفاية سنة واحدة من الزكاة ثم إن عاش بعد السنة يعطى ما يكفيه لسنة بعدها وهكذا، وإن كان دون العمر الغالب أي دون الستين يعطى ما يكفيه لباقي العمر الغالب، هذا في المعضوب أي الذي قطعه المرض فلا يستطيع العمل، وأما غيره فيعطى ما يكفيه ليفتح دكان تجارة ونحو ذلك، ومن له عقار لا يكفيه دخله فهو فقير أو مسكين.
فالحاصل أن الفقير لا يخرج من الفقر إلا بأن يجد تمام كفايته وكذلك المسكين، فمن كان عنده ملك يجد منه كفايته فلا يجوز له بعد ذلك أخذ الزكاة باسم المسكنة أو الفقر، وكذلك من كان له عمل يكفيه دخله لا يجوز له أن يأخذ الزكاة باسم الفقر أو المسكنة لأن هذا غني بعمله كما أن الأول غني بماله.
أما العاملون عليها فهم الذين نصبهم الخليفة أو السلطان لأخذ الزكوات من أصحاب الأموال ولم يجعل لهم أجرة من بيت المال وإلا فلا يجوز إعطاؤهم من الزكاة وذلك كالساعي الذي يذهب إلى أصحاب الأموال فيأخذ منهم، والكاتب الذي يكتب أموال الزكاة، والقاسم الذي يقسم الزكاة بين المستحقين، والحاشر الذي يجمع أهل الأموال، والحاسب، والحافظ وهو الذي فوض إليه السلطان أو من ينوب منابه حفظ مال الزكاة من السرقة والضياع، والكيال، والوزان، والعداد وهو الذي وظفه السلطان ليعد المال الذي يجلب من أهل الأموال من زكواتهم.
ثم إذا دفع المالك الزكاة بنفسه سقط العامل، وكذلك إذا وكل إنسانا يوزع عنه يسقط سهم العامل فتصير الزكاة لسبعة أصناف.
وإذا أرسل الإمام من عنده من يخمن الزكاة زكاة التمر أو نحوه فيشترط فيه أن يكون عالما بالتخمين وأن يكون ممن تقبل شهادته فيقول لصاحب المال أنت في ذمتك هذا القدر زكاة فإذا وافق بعد ذلك يتصرف بهذا المال كما يشاء ثم إذا طلب منه الزكاة فقال تلف مالي فحكمه حكم الوديع في تفصيل ذلك.
وأما المؤلفة قلوبهم فمعناه من كان ضعيف النية في أهل الإسلام أي بين المسلمين بأن يكون دخل في الإسلام وفي نفسه وحشة من المسلمين أي لم يتآلف بعد مع المسلمين فيعطى حتى تقوى نيته بالإسلام من الزكاة، أو يكون شريفا في قومه يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه، فهذا أيضا داخل في المؤلفة قلوبهم حتى إذا أعطي هذا يرغب أولئك الذين هم أمثاله من الكفار أن يدخلوا في الإسلام. وكذلك يعد من المؤلفة قلوبهم من يقاتل من يليه من كفار ومانعي الزكاة فيعطى لهذه المصلحة من الزكاة.
وأما الرقاب فهم المكاتبون كتابة صحيحة، وهؤلاء هم الذين تشارطوا مع أسيادهم أي الأناس الذين يملكونهم على أن يدفعوا كذا من المال فإذا دفعوا ذلك المبلغ يكونون أحرارا كما حصل لسلمان الفارسي [عاش ثلاثمائة سنة وخدم حوالي أربعة عشر راهبا دله ءاخرهم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم].
فائدة سلمان الفارسي كان في الأصل حرا من بيت مشهور في فارس من المجوس من الذين يعبدون النار، لكنه ترك بلده وتغرب فأخذه أناس من العرب وباعوه بالمال إلى أن وصل إلى المدينة فوقع في يد يهودي ثم تشارط مع سيده على مبلغ من المال فدفع إليه فتحرر منه. والاسترقاق حق إذا كان على الطريقة الشرعية كما كان يحصل في الماضي، كان في الماضي عبيد وإماء يكاتبون أسيادهم يشارطونهم على مبلغ من المال إذا دفعوه صاروا أحرارا، فالله تعالى جعل لهم حقا في الزكاة إذا لم يكن معهم ما يفي بالمال الذي اشترط عليهم لتحررهم.
وأما الغارمون فهم المدينون العاجزون عن الوفاء، وهم أنواع منهم من استدان لدفع فتنة بين متنازعين كأن حصل قتيل فلم يعلم قاتله فاستدان شخص فقير أو غني مالا من الناس لتسكين الفتنة هذا يعطى من الزكاة حتى يكون في ذلك تشجيع له ولغيره لتسكين الفتنة بين المتنازعين أو المتنازعين، هذا إذا لم يوفه من ماله، أما إذا وفاه من ماله فليس له أن يأخذ، فلا يشترط في الغارمين لهذه المصلحة أن يكونوا فقراء.
كذلك الذي استدان لقرى ضيف أو بناء نحو مسجد أو فك مسلم أسير أو نحو ذلك من المصالح العامة فيعطى أيضا وإن كان غنيا بغير نقد إن حل الدين، أما إن كان الدين مؤجلا فلا يعطى. والنقد هو الذهب والفضة.
وكذلك الذي استدان لنفسه وصرفه في غير معصية، أو صرفه في معصية وتاب وظهرت علامات صدقه فيعطى من الزكاة قدر دينه إن كان الدين حالا وعجز عن وفائه.
وكذلك الذي ضمن دينا لغيره فيعطى هذا الضامن من الزكاة إن كان معسرا أي عاجزا عن الوفاء وكان الدين حالا على الشخص المضمون وكان المضمون الأصيل معسرا أي فقيرا أو كان موسرا ضمنه بغير إذنه لعدم رجوعه عليه.
وكذلك يعطى من الزكاة من قضى دينه بقرض ما يوفي به القرض. وأما من مات ولم يخلف ما يوفي به دينه فلا تدفع الزكاة لوفاء دينه لأنه خرج من كونه من المستحقين.
تنبيه لو دفع زكاته لمدينه وشرط عليه ردها له عن دينه لم تصح زكاته، وأما إن لم يشرط عليه لكن نوى هو والمدين ذلك صح دفعه زكاة، ثم إن رد عليه عن الدين صح الوفاء، ولو قال أعطني ديني وأرده لك زكاة فأعطاه لم يلزمه رده، ولو قال جعلت الدين الذي لي عليك زكاة لم يصح.
تنبيه مهم تعود بعض الناس بعد دفع الزكاة أن يستردوها بشرائها بثمن قليل من الذي دفعوها له وهذا عمل قبيح لا ينبغي للإنسان أن يعيد زكاته أو صدقته التي فيها تطوع لا بشراء ولا بغير شراء هذا عمل خبيث وقد ورد في الحديث [الذي أخرجه البخاري في صحيحه] أن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه. فالذي يعود في هبته يكون كالكلب يعود في قيئه، ويدخل تحت هذا الحديث الذي يعود بزكاة ماله بعدما دفعها، وهؤلاء الذين يفعلون ذلك ساقهم إلى ذلك حب التنعم فيقال لهم الذي يدفع زكاة ماله من غير أن يرجع فيها قد يكون ذلك سببا لأن يبارك الله له في ماله ويضاعفه له ولأن يدفع الله عنه بلايا كبيرة لو نزلت به لصرف أضعاف أضعاف هذا المال الذي أراد استرداده، بل الذي يفعل تلك الحيلة ليسترد ماله الذي دفعه تذهب البركة من ماله.
أما وفي سبيل الله فالمراد به الغزاة المتطوعون بالجهاد مجانا بدون راتب بأن لم يكن لهم سهم في ديوان المرتزقة من الفىء فيعطون ما يحتاجونه للجهاد ولو كانوا أغنياء إعانة لهم على الغزو [الغزاة جمع غاز والغازي معناه الرجل الذي يذهب للجهاد].
والمرتزقة الأجناد المرصودون في الديوان للجهاد، سموا بذلك لأنهم أرصدوا نفوسهم للذب عن الدين وطلب الرزق من ماله تعالى. وأما المتطوعون بالغزو إذا نشطوا فهم المرادون بسبيل الله فيعطون من الزكاة من سهم في سبيل الله، وأما المرتزقة فلهم الأخماس الأربعة من الفىء، والفىء هو المال الذي حصل لنا من الكفار بلا قتال وإيجاف [أي إعمال] خيل وركاب [المراد بها الإبل] وبلا مؤنه لها وقع كالجزية والخراج المضروب على حكمها وضالة الحربي في دار الإسلام وما جلا الكفار أي هربوا عنه خوفا منا أو غيرنا [أما ما جلوا عنه بعد تقابل الجيشين فهو غنيمة]، ومال مرتد قتل أو مات على الردة، فهذا الفىء يخمس فأربعة أخماسه لهؤلاء الجنود كما ذكر والخمس الباقي يخمس لخمسة أحدها مصالح المسلمين كالثغور والقضاة قضاة البلاد لا قضاة العسكر وهم الذين يحكمون لأهل الفىء في مغزاهم فهم يرزقون من الأخماس الأربعة كالجنود، وكذلك أئمتهم ومؤذنوهم، ومن مصالح المسلمين العلماء ولو أغنياء، وثانيها بنو هاشم وبنو المطلب الغني منهم والفقير والنساء ويفضل الذكر على الأنثى كالإرث، وثالثها اليتامى مع الفقر، ورابعها المساكين، وخامسها ابن السبيل فهؤلاء الخمسة أهل خمس الفىء.
ومن أراد التفرغ لطلب العلم إن كانت ترجى منه النجابة أي الوصول إلى الحد الذي يكون فيه مفتيا ينفع الناس أي توفر في الشخص أنه من قوة قريحته وشدة ذكائه وحفظه يرجى أن يصل إلى مرتبة الفتوى فقال الفقهاء إن كان اشتغاله بالعمل يمنعه عن الوصول إلى هذه المرتبة يجوز أن يعطى من الزكاة حتى يستمر في سبيله للوصول إلى هذه المرتبة. ومرتبة الفتوى ليست هينة هي بحسب أصلها أن يحفظ مذهبه عن ظهر قلب بحيث لا يشذ عن فهمه إلا مسائل، ليست مرتبة الفتوى أن يحفظ كتابا أو كتابين أو عشرة. ثم الإفتاء إنما يجوز للثقة أي العدل فلا يجوز أن يستفتى غير العدل العارف. وألحق بعض الأئمة المجتهدين وهو الإمام أحمد بالمجاهدين من يريد الحج إذا لم يكن معه مال فيجوز إعطاؤه من الزكاة ما يحج به.
وأما ابن السبيل فالمراد به المسافر أو مريد السفر المحتاج بأن لم يكن معه ما يكفيه لسفره للوصول إلى بلده فيعطى من الزكاة بشرط أن يكون سفره غير محرم، فمن سافر لغير معصية لو لنزهة أو كان غريبا مجتازا بمحل الزكاة أعطي ما يكفيه في سفره ذهابا وإيابا إن كان يقصد الرجوع إلى المكان الذي يسافر منه أو كان له مال بغير محل الزكاة فإنه يعطى، وكذلك لو وجد من يقرضه فإنه يعطى. أما المسافر سفرا محرما فلا يعطى لأن فيه إعانة على معصية فإن تاب من المعصية أعطي ما يحتاجه لبقية سفره.
وليعلم أن شرط الآخذ من هؤلاء الأصناف المذكورين أن يكون مسلما حرا كاملا فلا يعطى الرقيق غير المكاتب ولو مبعضا، لكن العامل إن كان كافرا كحاسب وكاتب فإنه يعطى من الزكاة على معنى الأجرة فيما إذا كانت الزكوات بيد السلطان يوزعها هو، أما إذا وزع المالك زكاة ماله فليس هناك سهم العامل كما سبق بل يرد إلى السبعة.
ويشترط لصحة الدفع أن يكون الآخذ غير هاشمي ولا مطلبي ولا مولى لهم فالهاشمي والمطلبي ومواليهم [حديث: «مولى القوم منهم» رواه أبو داود، والمراد بالمولى هنا العتيق] لا يجوز دفع الزكاة إليهم وكذا من شك هل هو هاشمي أو مطلبي. والمراد بالهاشمي هنا هو من كان مؤمنا من ذرية هاشم بن عبد مناف والمراد بالمطلبي هنا هو من كان مؤمنا من ذرية المطلب بن عبد مناف، وهاشم ومطلب أخوان، فمن كان من المؤمنين من ذريتهما فليس له حق في الزكاة إنما حقه في خمس الخمس من الغنيمة والفىء كالذي هرب عنه الكفار من مال خوفا من المسلمين من غير قتالهم.
روى مسلم [في صحيحه] من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» وفي رواية «وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» والمراد بالصدقة الزكاة لأنها لا تحل للجهتين، أما صدقة التطوع فهي حرام على الرسول فقط على المعتمد. وقوله «إنما هي أوساخ الناس» معناه هي طهرة لذنوب الناس. شبهت الزكاة بالماء الذي يغسل به الوسخ والنجاسة. فالزكاة تطهر مزكيها كما يطهر الماء الطهور محل النجاسة. فلم تكن لائقة بأهل البيت الذين قال الله فيهم ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [سورة الأحزاب/33].
قال المؤلف رحمه الله: ولا يجوز ولا يجزئ صرفها لغيرهم.
الشرح أنه لا يجوز صرف الزكاة إلا لمن علم أنه من المستحقين من الأصناف الثمانية، فمن جهل حاله فإن ادعى أنه من المؤلفة أو أنه فقير أو أنه مسكين أعطي بلا يمين إن وقع في القلب صدقه أي من غير أن يستحلف ومن غير أن يطلب منه بينة أي شاهدان يشهدان له بأنه كما قال، وأما من ادعى أن له عيالا أو كان معروفا بالغنى فادعى أنه تلف ماله وعرف الناس ذلك أو ادعى أنه من العاملين أو أنه مكاتب فلا بد من بينة أي شاهدين أو استفاضة أي انتشار خبره أو إخبار من وقع في القلب صدقه ولو كان خبر الدائن أي قال إن لي على فلان كذا من الدين فإنه يعطى في هذه الحال.
وقوله «ولا يجوز ولا يجزئ صرفها لغيرهم» أفاد به أنه لا يجوز أي يحرم ولا يصح دفع الزكاة إلى غير هؤلاء الأصناف الثمانية المذكورين في ءاية براءة، فإن وجدوا كلهم حتى العامل إن كان الإمام هو القاسم للزكاة وجب تعميمهم عند الإمام الشافعي وإلا فمن عدا العامل يجب تعميمه في المذهب، وإن لم يوجد في بلد الزكاة إلا بعضهم دفع لمن وجد منهم.
وأقل العدد الذي يدفع إليه عند الشافعي رضي الله عنه ثلاثة أشخاص من كل صنف، فعلى مشهور المذهب إن كان المستحقون محصورين وكانت الزكاة تفي بحاجاتهم الناجزة وهي مؤنة يوم وليلة وكسوة فصل وجب استيعابهم أي استيعاب الموجودين في بلد الزكاة إلا العامل فإنه يجوز كونه واحدا هذا مذهب الإمام الشافعي، واختار جمع من أتباع الشافعي جواز دفع زكاة واحد لمستحق واحد كما تقدم، وذلك قول الأئمة الثلاثة.
وأما نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره فقد اختلف فيه رأي الإمام الشافعي فأجاز ذلك في قول ومنعه في قول وهو مشهور مذهبه وإلى الجواز ذهب البخاري.
وكذلك النقل إلى غير بلد المؤدى عنه في زكاة الفطرة فيه خلاف مذهبي فيجوز في قول ولا يجوز في قول.
فمن هنا يعلم أنه لا يجوز دفع الزكاة لبناء المساجد والمستشفيات والمدارس، فمن دفع من زكاته إلى مدرسة أو إلى مستشفى أو إلى بناء مسجد فليعلم أن زكاته ما صحت فيجب عليه إعادة الدفع للمستحقين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن رجالا يتخوضون [أي يتصرفون] في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة» رواه البخاري في الصحيح.
فيفهم من هذا الحديث أن الذي يأخذ الزكاة وليس هو من المستحقين الذين ذكرهم الله في القرءان له النار يوم القيامة، وكذلك الذي يأكل مال الوقف الإسلامي بغير حق أي بغير الوجه الشرعي الذي بينه الفقهاء في كتبهم فله النار يوم القيامة.
فتبين أن أكل مال الله بغير حق من الكبائر ومال الله يشمل الزكاة والوقف والغنيمة فمن أخذ من هؤلاء بغير استحقاق فقد ارتكب كبيرة لأن كل معصية ورد النص بأن فاعلها يدخل النار فهي كبيرة، وما أكثر من أكل مال الله بغير حق منذ أزمنة طويلة ولا سيما الوقف فهو يحصل أكثر من غيره.
والدليل على أنه لا يجوز دفع الزكاة لكل ما هو بر وخير مما عدا الأصناف الثمانية وأن المراد بقوله تعالى ﴿وفي سبيل الله﴾ ليس كل أنواع البر والإحسان من بناء مسجد ومدرسة ومستشفى ونحو ذلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الزكاة «إنها لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي» [أخرجه أبو داود في سننه والبيهقي في سننه]، وقوله صلى الله عليه وسلم لرجلين جاءا يسألانه الزكاة وكانا قويين «إن شئتما أعطيتكما وليس فيها حق لغني ولا لقوي مكتسب» [انظر المصدر السابق] فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذين الحديثين الزكاة على من يملك مالا يغنيه أي يكفيه لحاجاته وعلى من له قوة على العمل الذي يكفيه لحاجاته الأصلية لأن المرة هي القوة وهي القدرة على الاكتساب والسوي التام الخلق. فدلنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو المبين لما أنزل الله في كتابه أن المراد بقول الله تعالى ﴿وفي سبيل الله﴾ في ءاية الصدقات بعض أعمال البر لا كلها وهو الجهاد. ويدخل في سبيل الله عند الإمام أحمد من يريد الحج وهو فقير. ولم يقل إن كلمة ﴿وفي سبيل الله﴾ تعم كل مشروع خيري أحد من الأئمة المجتهدين إنما ذلك ذكره بعض الحنفية من المتأخرين ليس من أصحاب أبي حنيفة الذين هم مجتهدون فحرام أن يؤخذ بقول هذا العالم.
فليحذر من هؤلاء الذين يلمون أموال الزكوات باسم المستشفى أو بناء جامع أو بناء مدرسة، هؤلاء حرام عليهم وحرام على الذين يعطونهم [أي مع معرفتهم بالحال] لأنه لو كان كل عمل خيري يدخل في قوله تعالى ﴿وفي سبيل الله﴾ [سورة التوبة/60] ما قال الرسول «ليس فيها حق لغني ولا لقوي مكتسب».
وهؤلاء خالفوا الإجماع، وقد نقل ابن حزم الإجماع على أنه لا يجوز دفع الزكاة لبناء المساجد، والإجماع هو إجماع المجتهدين ولا يعتد في الإجماع بقول العلماء الذين لم يصلوا إلى مرتبة الاجتهاد كصاحب البدائع الكاساني الحنفي فإنه فسر في سبيل الله بجميع أعمال الخير، وصاحب البدائع هذا هو مقلد في المذهب الحنفي ابتدع ما ليس من المذهب وهو بعيد من مرتبة الاجتهاد فلا يعتبر قوله حجة في دين الله وتبعه بعض أهل العصر الذين لا يعتد بهم فهؤلاء لا يكونون حجة عند الله يوم القيامة. ولو كان يجوز دفع الزكاة لكل عمل خيري ما قال رسول الله صلى الله عليه سلم في حديثه الصحيح المشهور [الذي أخرجه البخاري في صحيحه] «تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم» أما مطلق الأعمال الخيرية فتجوز في الغني والفقير وإن كان التصدق على الفقير أفضل.
قصة فيها عبرة:
حدثت في بلاد الحبشة في بعض أرياف هرر قصة غريبة وهي أن جماعة من الفقراء جاءوا إلى المكان الذي يوضع فيه الحب ليطلبوا الزكاة من المزارعين فقالوا لهم اليوم نحصد ونصفي الحب ثم نعطيكم غدا، ونيتهم أن لا يعطوهم من خبثهم، ثم قبل الغد انشقت الأرض وبلعت الحب، لو كانوا صادقين في نيتهم في إعطاء الحب لهؤلاء المستحقين زكاة ما أصابهم هذا البلاء، بل الذي يتصدق ويزكي ماله يبارك الله له في ماله كما يدل على ذلك ما جاء في الحديث في قصة الرجل الذي كان يتصدق بثلث ما تنتجه أرضه وينفق الثلث على أهله ويرد الثلث في أرضه ثم رأى شخص سحابة وسمع صوتا يقول اسق أرض فلان فجاءت السحابة فسقت أرضه دون الأراضي التي حوله رواه مسلم [في صحيحه].