قال المؤلف رحمه الله: ومن لم يجد الماء أو كان يضره الماء تيمم بعد دخول الوقت وزوال النجاسة التي لا يعفى عنها.
الشرح أن من فقد الماء بأن فقده حسا أو معنى يجوز له التيمم، أما الفقد الحسي فهو أن لا يجد الماء في القدر الذي يجب الطلب فيه من المساحة وذلك كأن يكون الماء في مسافة تبعد عن المكان الذي هو فيه فوق حد القرب فإنه لا يجب طلبه في هذه الحالة، وحد القرب قدر بنحو نصف فرسخ [نصف الفرسخ على قول تسعة ءالاف ذراع بذراع اليد المعتدلة، وعلى قول ثلث هذا أي ثلاثة ءالاف ذراع لأنه مختلف في تحديد الميل عند الشافعية والمالكية، ستة ءالاف ذراع. قال بعض المالكية: والميل ألفان ولكن أذرع وهو المشهور عندهم].
أما من علم وجوده أي علم بوجود الماء في حد القرب فإنه يعد واجدا للماء فلا يصح تيممه، وأما إن لم يتأكد من وجود الماء أي كان عنده احتمال فقط فيجب عليه الطلب في حد الغوث وهو المسافة التي يسمع فيها رفقاءه لو نادى، وقدرت هذه المسافة بثلاثمائة ذراع شرعي وهو مقدار شبرين، فإن لم يجد الماء فهذا يعد فاقدا له.
وأما الفقد المعنوي فهو كأن يحول بينه وبين الماء الذي هو بالقرب منه سبع أو عدو وكأن يحتاج الماء لشربه فيصح له التيمم مع وجود الماء.
وأما من تيمم بدون طلب فلا يصح تيممه لقوله تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [سورة المائدة/6].
ويجوز لراكب البحر أن يتيمم إذا خاف من الاستقاء من البحر الغرق ولا إعادة عليه.
وأما الضرر الذي يبيح التيمم فهو أن يخاف على نفسه من استعمال الماء أن يضره في جسمه، أو على عضو من أعضائه، أو طول مرضه، أو حدوث أثر فاحش في عضو ظاهر [أي ما يظهر عند المهنة] كتغير لون أو استحشاف أي يبس في جلده، أما مجرد الألم من برد الماء فليس عذرا إذا كان لا يعقب ضررا.
ولا يصح التيمم للصلاة إلا بعد دخول الوقت فلو تيمم للظهر قبل الزوال لم يصح تيممه، وكذلك من كان سلس البول لا يصح له تقديم طهارته على الوقت والسلس المقصود به هو الذي يظل البول ينز منه ويأكل عليه أكثر الوقت بحيث لا يجد من الوقت قدرا يتطهر فيه ويصلي سالما من نزول البول، ومثله من كان يشكو سلس الريح.
ويشترط أيضا أن يكون بعد إزالة النجاسة إن كانت ببدنه فلو تيمم قبل ذلك لم يصح، فإن لم يتمكن من إزالة النجاسة بسبب فقد الماء يتيمم ويصلي على حاله.
وأما النجاسة التي يعفى عنها فيصح التيمم مع وجودها كالدم الذي يرى من دملة أو جرح فهذا لا يؤثر بل يتيمم مع وجوده دون أن يغسله، وكذلك إذا مشى في طين الشارع المتنجس بلا حذاء ولم يغسل رجله من الماء المتنجس أو الطين المتنجس فتيمم يكفي.
وأما معرفة القبلة للصلاة قبل التيمم فهي مسألة خلافية اشترط ذلك بعض ولم يشترطه بعض، والمعتمد أنه لا يشترط.
قال المؤلف رحمه الله: بتراب خالص طهور له غبار.
الشرح أن التيمم لا يصح إلا بالتراب الذي له غبار، فالرمل لا يصلح للتيمم عند الشافعي [المقصود الرمل الذي ليس له غبار أما الرمل الذي له غبار فيصح التيمم به]، أما في المذاهب الثلاثة الأخرى فيصح التيمم به. فلا يجزئ الحجر ويجزئ عند الأئمة الثلاثة ولا يشترط نوع خاص من الحجارة ولا يشترط أن يكون الحجر جافا فلو كان مبلولا صح التيمم به عندهم وفي ذلك تيسير وفسحة فيجوز للشافعي أن يقلد في ذلك غير الشافعي.
والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [سورة المائدة/6] فسرها الشافعي بالتراب الطاهر الطهور وفسر الأئمة الثلاثة الصعيد بوجه الأرض ووجه الأرض يشمل التراب والحجر، واحتج الشافعي في تفسير الصعيد بالتراب بقوله صلى الله عليه وسلم «جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا» رواه مسلم [في صحيحه].
ويشترط أن يكون التراب خالصا من نحو الرماد، وأن يكون طهورا لا متنجسا بنحو بول ولا مستعملا في تيمم بأن يكون تناثر من العضو عند التيمم فإنه إن كان استعمل للتيمم بأن تناثر من الوجه مثلا فهو غير صالح للتيمم مرة ثانية.
قال المؤلف رحمه الله: في الوجه واليدين يرتبهما بضربتين بنية استباحة فرض الصلاة.
الشرح محل التيمم الوجه واليدان إلى المرفقين كالوضوء، يقدم مسح الوجه وجوبا على مسح اليدين، ويجب أن يكون النقل بنية استباحة فرض الصلاة، والنقل معناه تحويل التراب إلى الوجه، فإذا نوى ذلك استباح الصلاة المكتوبة والمنذورة وصلاة الجنازة. والنقل يكون مرتين مرة للوجه ومرة لليدين، ويصح ولو بخرقة فلو وضع الخرقة على التراب الذي له غبار ولم يمس التراب بيده ثم وضعه على وجهه ثم ضرب ثانية وأمره على يديه كفى.
قال المؤلف رحمه الله: مع النقل ومسح أول الوجه.
الشرح أنه لا بد من أن تكون النية مقترنة بالنقل أي تحويله من الأرض أو نحوها كالهواء إلى العضو الممسوح، وأن تستدام هذه النية إلى مسح أول جزء من الوجه فلو انقطعت قبله بطلت، وهذه المسئلة فيها خلاف فلو انقطعت النية بين النقل والمسح لم يضر عند بعضهم.
فلو سفت الريح التراب فاستقبله بكفيه ثم نوى واستمرت هذه النية إلى وضعه على الوجه صحت هذه النية.
حاشية: التراب الطهور في المدن قد لا يتيسر، فينبغي أن يوضع في البيت حجر يمسح عليه عند العذر على تقدير مذهب مالك وأبي حنيفة حيث إن الحجر يقوم مقام التراب عندهما، وقد يستصعب الإنسان الخروج إلى حيث يوجد التراب من أجل البرد أو غير ذلك فيعدل إلى تقليد أحد المذاهب الأخرى.
ومن أحكام التيمم أن من تيمم لفقد الماء في موضع يغلب فيه وجود الماء يجب عليه إعادة الصلاة، ومنها أنه إن كانت الجبيرة على عضو التيمم تجب إعادة الصلاة بعد إزالتها، ومنها أنه إن كانت الجبيرة على عضو الوضوء غير عضوي التيمم فإن كان وضعها على طهارة فلا إعادة عليه وإن لم يضعها على طهارة يعيد الصلاة، ومنها أنه لو أجنب الشخص وكان يضره الماء ولكنه يستطيع غسل مواضع الوضوء يتيمم مرة واحدة ويتوضأ ويصلي ويتيمم بعد ذلك لكل فريضة.