الخميس يناير 29, 2026

الاستنجاء

 

   قال المؤلف رحمه الله: فصل: يجب الاستنجاء [الاستنجاء واجب مع إرادة القيام إلى الصلاة من نجوت الشىء أي قطعته فكأنه قطع الأذى عن نفسه] من كل رطب خارج من أحد السبيلين غير المني بالماء إلى أن يطهر المحل أو بمسحه ثلاث مسحات أو أكثر إلى أن ينقى المحل وإن بقي الأثر، بقالع طاهر جامد غير محترم كحجر أو ورق ولو مع وجود الماء من غير انتقال وقبل جفاف، فإن انتقل عن المكان الذي استقر فيه أو جف وجب الماء.

   الشرح هذا الفصل معقود للاستنجاء، والاستنجاء بالحجر من خصائص هذه الأمة المحمدية ولم يكن لمن قبلنا من الأمم رخصة في الاستنجاء بالحجر بل كان فرضا عليهم أن يستنجوا بالماء ولله الحمد على ذلك. وأوجب ما يوجب الاستنجاء وأشده البول لأن التضمخ بالبول من أكبر الكبائر وهو أكثر ما يكون سببا لعذاب القبر كما دل على ذلك الحديث الذي رواه البيهقي [في إثبات عذاب القبر] «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» معناه تحفظوا من البول لئلا يلوثكم معناه لا تلوثوا ثيابكم و[الواو هنا بمعنى أو] جلدكم به لأن أكثر عذاب القبر منه. أما التضمخ بغير البول من النجاسات فهو حرام إذا لم تكن حاجة إلى ذلك [أما التضمخ بالبول المختلط بالماء ونحوه فأقل إثما من التضمخ بعين البول]. والتضمخ بغير البول من النجاسات لغير حاجة من الصغائر بل قال بعض الفقهاء المالكية يجوز التضمخ بذلك بمعنى أنه لو باشر بيده نجاسة من النجاسات غير البول بدون عذر كان ذلك جائزا عندهم.

   فما كان خارجا من أحد السبيلين وكان رطبا بحيث لوث المخرج وجب الاستنجاء منه إن كان معتادا أو غيره كالدم، ولا يجب الاستنجاء من الخارج الجامد كالحصى الخارج بلا بلل.

   ثم إن كان الاستنجاء بحجر يعفى عن الأثر الذي يبقى وهو الذي لا يزيله إلا الماء أو صغار الخزف أي الفخار، ثم إذا عرق المحل فأصاب ما يليه من الثوب عفي عنه لأن هذا مما يكثر الابتلاء به ولا سيما في البلاد الحارة.

   وقول المؤلف «غير المني» أراد به أن المني لا يجب الاستنجاء منه لأنه طاهر عند الإمام الشافعي رحمه الله ولكنه يسن الاستنجاء منه للخروج من خلاف الأئمة القائلين بنجاسته.

   ثم الواجب على المستنجي الماء فقط أو الحجر أو ما يقوم مقامه، وقد روى مسلم أن رسول الله نهى عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، قال ابن المقري [أبو بكر بن المقري الفقيه الشافعي اليمني] في تمشيته يجوز الاستنجاء بحجر له ثلاثة رؤوس. ومن الدليل على صحة الاستنجاء بغير الماء الحديث المشهور الذي رواه أصحاب السنن «فإن استطاب أحدكم فليستطب بثلاثة أحجار». وكيفية الاستنجاء أن يضع يده على المخرج ويسكب الماء ويدلك المخرج إلى أن يذهب الخارج عينه وأثره، ويكفي غلبة الظن في زواله. فإن مسح بحجر أو نحوه وجب أن يمسح ثلاث مسحات إما بثلاثة أحجار وإما بحجر واحد له ثلاثة أطراف أو أكثر إلى أن ينقي المحل. وفي حكم الحجر كل شىء قالع طاهر جامد غير محترم، فلا يجزئ أي لا يكفي غير القالع لملاسته كالزجاج أو القصب أو لغير الملاسة كالتراب المتناثر، ولا يكفي الجامد النجس أو المتنجس ولا الرطب كالجلد الرطب ولا ما عليه رطوبة ولو خرقة مبلولة بالماء فإن كانت جافة فهي مثل الحجر فيكفي الاستنجاء بها. ولا يكفي أيضا للاستنجاء القالع المحترم كورقة من كتاب علم شرعي ومن استنجى بها عالما بما فيها كفر.

   ومعنى قوله: «غير محترم» أي غير مقصود للأكل ككسرة الخبز [لأن قطعة الخبز تقصد للأكل فلا يكفي الاستنجاء بها]. ومن المحترم مأكول ابن ءادم الخاص أو المشترك بين ابن ءادم والبهائم إلا ما غلب أكل البهائم له دون البشر مثل الفصة، فلا يكفي العظم لأنه طعام الجن أي المؤمنين منهم فإنه يكسى لهم لحما فالعظم الذي يأكل بنو ءادم لحمه ثم يرمونه الله يكسوه لحما حين يقع في أيدي الجن المؤمنين فيأكلونه هذا إن كان ذكر اسم الله عليه. وأما قشر الرمان بعد جفافه ونحوه كالجوز فيكره الاستنجاء به إن كان اللب في باطنه.

   ثم إنما يكفي الاستنجاء بالحجر ونحوه إذا لم ينتقل الخارج عن المخرج إلى غيره أي لم يجاوز الصفحة – أي ما ينضم من الأليتين عند القيام – والحشفة.

   ويشترط لكفاية الاستنجاء بالحجر للنساء أن لا يصل البول إلى مدخل الذكر وإلا تعين الماء، وأما مخرج الغائط فيكفي فيه المسح بالحجر ولو كان عليه شعر.

   ويشترط أن يكون المسح قبل الجفاف، وأما اختلاط العرق به فلا يمنع إجزاء الاستنجاء بالحجر، وما ذكر في شرح المهذب من أنه لا يعفى عن نحو العرق في موضع الاستنجاء خلاف الصواب. وما يفعله بعض الناس عند الاستنجاء من الغائط من أن يأخذوا بالكف اليسرى ماء ثم يدلكوا به المخرج فذلك قبيح غير كاف.

   ويسن تقديم الاستنجاء على الوضوء، فلو أخر الاستنجاء عن الوضوء صح.

فائدة.
   في كتاب «مواهب الجليل شرح مختصر خليل» للشيخ حطاب المالكي ممزوجا بالمتن ما نصه:

   «ينبغي للإنسان عند قضاء حاجته أن يعتبر بما خرج منه كيف صار حاله فإنه كان طيبا يغالي فيه ويزاحم عليه من يشتري، فبمجرد مخالطته للآدمي تقذر وصار نجسا يهرب منه ويعافه، وكذلك كل ما يخالطه الآدمي من الثياب النظيفة والروائح الطيبة عن قليل يتقذر ويعاف. ويتنبه من ذلك إلى أنه يحذر من مخالطة من لا ينفعه في دينه لأنه يخاف عليه ءاثار الخلطة ولأنه إذا خالطه أحد من المسلمين أن يغير أحدا منهم بسبب خلطته كما يغير كل ما خالطه من الطعام وغيره. ويتنبه أيضا إلى أنه لا بد أن يرجع هو كذلك لأنه إذا دفن أكله الدود ثم يرميه من جوفه قذرا منتنا إلا أن ثم قوما لا يأكلهم الدود وهم الأنبياء والعلماء [أي العلماء العاملون فقط] والشهداء والمؤذنون المحتسبون، فالدرجة الأولى لا سبيل إليها فيجتهد في تحصيل إحدى الدرجات الثلاث الباقية وانظر المدخل [أي كتاب المدخل لابن الحاج المالكي] والله الموفق» اهـ.

   وما ذكره الحطاب هو مصداق حديث أبي داود [في سننه]: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» معناه انتقوا من تتخذونه خليلا أي صديقا فمن كان ينفعكم في دينكم فعليكم بمصادقته ومن كان لا ينفعكم في دينكم بل يضركم فابتعدوا منه ولا تصادقوه وليعلم أن الله تعالى ابتلى البشر بثلاثة أشياء شياطين الجن وهوى النفس وشياطين الإنس.

   ثم إن الجمع بين الماء والحجر أفضل من الاقتصار على أحدهما، والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الحجر، وكثير من السلف كانوا يقتصرون على الحجر لقلة وجود الماء بينهم في ذلك الوقت، هذا هو المعروف من المذهب.

   وقد ذكر أبو بكر بن المنذر في كتاب الأوسط كلاما نصه:

«ذكر الاستبراء من البول:

روينا [يجوز روينا ويجوز روينا بضم الراء وتشديد الواو] عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات» [أخرجه ابن ماجه في سننه]. وروينا عن الحسن أن الرجل يشكو إليه الأبردة أي التقطر من البول فكان الحسن يقول له: إذا بلت فامسح ما بين المقعدة والذكر ثم اغسل ذكرك ثم توضأ فإذا فرغت من وضوئك فخذ كفا من ماء فانضحه في إزارك ثم احمل عليه كل شىء غيره اهـ، وقال جابر بن زيد: إذا بلت فامسح ذكرك من أسفل اهـ قال ابن عيينة: فينقطع عنك» انتهى.

   والاستبراء هو إخراج بقية البول بعد انقطاعه ويكون واجبا في حال وسنة في حال. يكون واجبا إذا كان يخشى من تركه تلويث نفسه وثوبه بالبول، ويكون سنة إذا كان لا يخشى من تركه تلويث نفسه بالبول أي كان لا يخشى نزوله بتنحنح أو نحوه.

   فائدة كان البول في شرع من قبلنا أمره شديد حتى الذي يصيب البول ثوبه لا يطهره ثوبه الماء، كان فرضا عليهم قطع الموضع الذي أصابه ولا يكفي غسله كما جاء في الحديث «استنزهوا من البول فإن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول يقطعونه بالمقراض» أي بالمقص وورد حديث إسناده غير قوي أنهم كانوا يقطعون الجلد أيضا [أي يكشطونه] أي إذا لم يخشوا الهلاك. فالذي يعرف ما كان شرع موسى وعيسى يرى في شرع محمد تسهيلا كبيرا .