معاصي اليدين
قال المؤلف رحمه الله: (فصل) ومن معاصي اليدين التطفيف في الكيل والوزن والذرع.
الشرح هذا الفصل معقود لبيان معاصي اليدين فمنها التطفيف في الكيل والوزن والذرع وهو من الكبائر قال الله تعالى ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [سورة المطففين] والويل هو شدة العذاب، وقد ورد أن الويل واد في جهنم عمقه مسافة أربعين خريفًا وهو للكفار. وقد فسرت الآية المطففين بأنهم هم الذين إذا اكتالوا على الناس أي من الناس يستوفون حقوقهم منهم أي يأخذونها كاملةً، وإذا كالوهم أو وزنوهم أي من أموالهم للغير يخسرون أي ينقصون. وفي حكم ذلك التطفيف في الذرع بأن يشد يده وقت البيع ويرخيها وقت الشراء.
قال المؤلف رحمه الله: والسرقة ويحد إن سرق ما يساوي ربع دينار من حرزه بقطع يده اليمنى ثم إن عاد فرجله اليسرى ثم يده اليسرى ثم رجله اليمنى.
الشرح أن السرقة من الكبائر المجمع على تحريمها المعلومة من الدين بالضرورة، وهي في الأصل أخذ مال الغير خفيةً ليس اعتمادًا على القوة في العلن أو اعتمادًا على الهرب في العلن، فإن الأول من هذين غصب والثاني اختلاس حتى لو سرق السارق بيضةً فهو ملعون لحديث «لعن الله السارق يسرق البيضة» رواه البخاري ومسلم. ولا يدخل الآكل من الوديعة بغير رضا صاحبها في حكم السرقة المترجمة لأن السرقة المترجمة هي التي توجب الحد وهؤلاء الثلاثة الغصب والاختلاس والأكل من الوديعة بغير رضا صاحبها لا توجب الحد بل فيها التعزير على حسب ما يراه الحاكم.
ومن حكم السرقة حد السارق الملتزم للأحكام إن سرق ما يساوي ربع دينار من الذهب الخالص المحض أو ما خالصه يبلغ ذلك من حرزه وهو يختلف باختلاف الأموال والأحوال والأوقات، وأما ما سرق من غير حرزه فلا تقطع به يد السارق، فحرز الدراهم والدنانير مثلًا غير حرز أثاث البيت، وحرز الماشية المراح وهو المكان الذي تبيت فيه الماشية وحرز الثمر المعلق الجرين. ووجدنا في العرف والعادة أن الأحراز تختلف باختلاف الأموال فكان الاعتبار في الحكم بالقطع بذلك.
فإذا تقرر هذا نظرت فإن كان المال من الذهب أو الفضة أو الجواهر أو من متاع البزازين أي الذين يبيعون الثياب والقماش الحريري ونحوه، أو العطارين أي الذين يبيعون العطور والأعشاب الطبية المستعملة للتداوي ونحوها، أو الصيادلة أي الذين يركبون الأدوية أو يبيعونها، فإن ترك في الدكان في السوق وأغلق عليه الباب وأقفل فهو محرز بالنهار وأما الليل فإن كان الأمن ظاهرًا فهو محرز بذلك وإن كان الأمن غير ظاهر فإن كان في الدكان أو في السوق حافظ فهو محروز بذلك وإن لم يكن فيه حافظ فهو غير محروز، وإن لم يقفل عليه فإن كان في الدكان أو في السوق حافظ متيقظ فهو محروز وإن لم يكن فيه حافظ أو كان فيه حافظ نائم فهو غير محروز.
وإن ترك ذلك في بيت نظرت فإن كان البيت في البلاد والقرى المسكونة فإن كان البيت مغلقًا [أي بالمفتاح] فهو محروز سواء كان في البيت حافظ أو لم يكن لأن العادة جرت بإحراز المال فيها هكذا وإن كان البيت غير مغلق فإن كان في البيت حافظ متيقظ فهو محروز، وإن لم يكن في الدار حافظ أو كان فيه حافظ نائم فليس بمحرز إلا أن يكون في الدار خزانة مغلقة فما فيها محرز وإن لم يكن في الدار حافظ. روى مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعدًا». ويشترط في ذلك أن لا تكون للسارق في المال الذي سرقه شبهة فيه فلا يحد بسرقة حصر مسجد وقناديله ومال بيت المال وصدقة أي زكاة وموقوف وكان من المستحقين، ومال بعضه أي فرعه كولده أو أصله كأبيه أو سيده.
وقد شرع الله تعالى حد السرقة لحفظ المال لأن حفظ المال أمر مهم. وكيفية الحد أن تقطع يده اليمنى من الكوع ولو سرق مرارًا قبل القطع ثم إن عاد بعد قطع اليمنى إلى السرقة ثانيًا فبقطع رجله اليسرى من الكعب ثم إن عاد ثالثًا فبقطع يده اليسرى ثم إن عاد رابعًا فبقطع رجله اليمنى من الكعب ثم إن عاد خامسًا عزر كما لو كان ساقط الأطراف أولًا ولا يقتل، وما ورد في ذلك من القتل فهو منسوخ أو مؤول بقتله إذا استحلها ثم يغمس محل القطع في الزيت المغلى لتنسد أفواه العروق.
فائدة من المسائل التي تخفى على بعض الناس أنه إذا دخل السارق المسلم ليسرق ثم انتبه له صاحب المنزل فأراد أن يهرب ولم يكن معه سلاح يخشى صاحب البيت أن يضربه به لا يجوز له ضربه أو قتله أو جرحه وهو هارب، أما إذا كان معه سلاح خاف أن يقتله به له أن يضربه. وإذا أخذ المال وذهب يعمل شيئًا يجبره به على ترك هذا المال. وإذا كان يهرب بالصراخ عليه لا يجوز ضربه. أما إذا بادره بالقتل من غير سبب شرعي فذنبه ذنب من قتل مسلمًا ظلمًا وعذابه مثل ذلك العذاب. فإن فوجئ بالسارق داخل البيت فإن كان خاف أن يسبقه بالقتل فله أن يضربه، أما إن وجد السارق وليس معه سلاح ولا يخاف أن يضربه لا يجوز أن يبادره بالضرب.
قال المؤلف رحمه الله: ومنها النهب والغصب والمكس والغلول.
الشرح أن من معاصي اليدين النهب وهو أخذ المال جهارًا أي في العلن وليس خفيةً، والغصب وهو الاستيلاء على حق الغير ظلمًا اعتمادًا على القوة جهارًا وهما من الكبائر لقوله عليه الصلاة والسلام «من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة» [أخرجه البخاري في صحيحه] أي أن الأرض تخسف به يوم القيامة فتكون تلك البقعة في عنقه كالطوق. معناه يعلق في عنقه قدر ذلك الشبر إلى سبع أرضين مجازاةً له بمثل معصيته فضيحةً له يوم القيامة، فالحديث يفسر على ظاهره، يوم القيامة تظهر أمور غريبة هذا من جملتها، يجعل له في عنقه قدر شبر من الأرض كالطوق أي تطول عنقه فيعلق به ذلك الشبر متصلًا إلى سبع أرضين، أي بطول سبع أرضين لكن لا يبقى هذا بل يبقى وقتًا يسيرًا، الله يظهره بهذا المظهر ثم يعود إلى ما كان عليه. ثم إن كان مسلمًا لا بد أن يدخل الجنة بعد ذلك.
وأما المكس فهو ما يؤخذ من التجار كالعشر وما أشبه ذلك وهو من الكبائر وقد مر الكلام عليه مبسوطًا.
وأما الغلول فهو الأخذ من الغنيمة قبل القسمة الشرعية وهو من الكبائر، نعم يجوز التبسط بأخذ بعض مأكول له أو لدابته من مال الغنيمة قبل القسمة بشروط معروفة في كتب الفقه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل كان على ثقله [والثقل المتاع] في غزوة مات وقد غل «إنه في النار» رواه البخاري [في صحيحه]. وروى أحمد وغيره من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة». ثم إن الغنائم كانت محرمةً على من قبلنا فلما كان يوم بدر أسرع الناس إلى الغنائم فنزلت الآية بتحليل الغنائم، قال الله تعالى ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ [سورة الأنفال/68] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد سود الرؤوس قبلنا» رواه ابن حبان، سود الرءوس أي سود شعر الرأس، وأما الأنبياء السابقون فكانوا يجمعون الغنائم في موضع فتنزل نار من السماء فتحرقها.
فائدة قوله تعالى ﴿لولا كتاب من الله﴾ الآية ليس في ذم أخذ الفداء من المشركين الذين أسروا عوضًا عن التمادي في الإثخان أي قتل الكفار بل هي امتنان من الله على المؤمنين بإحلال ما حرمه على من قبلهم والرسول ما مال إلى ذلك إلا بالوحي فقد ثبت أن جبريل خيره بين أخذ الفداء وبين الإثخان في المشركين فاختار الرسول أخذ الفداء فلا يلتفت إلى ما رواه مسلم [في صحيحه] أن عمر جاء إلى الرسول ومعه أبو بكر فوجدهما يبكيان فسأل فقال الرسول من أخذ الفداء وكان رأي عمر الإثخان فيهم فليس في الآية تخطئة الرسول في أمر يتعلق بالدين.
والخطأ من الرسول في أمر الدين مستحيل لقوله تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [سورة النجم].
قال المؤلف رحمه الله: والقتل وفيه الكفارة مطلقًا وهي عتق رقبة مؤمنة سليمة فإن عجز صام شهرين متتابعين وفي عمده القصاص إلا أن عفا عنه [الوارث] على الدية أو مجانًا، وفي الخطأ وشبهه الدية وهي مائة من الإبل في الذكر الحر المسلم ونصفها في الأنثى الحرة المسلمة، وتختلف صفات الدية بحسب القتل.
الشرح أن من معاصي اليدين قتل المسلم لمسلم أو ذمي معصوم عمدًا أو شبه عمد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي فيه بيان السبع الموبقات «وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق» [أخرجه البخاري في صحيحه]، والذمي ما دام في عهده يحرم قتله وهو معدود من الكبائر، وقتل المسلم بغير حق أكبر الكبائر بعد الكفر ومثل الذمي المعاهد بالهدنة الشرعية والمؤمن. والمعاهدة لا تكون لأكثر من عشر سنين ولا يدخلها إلا الخليفة أو من يقوم مقامه وأما الأمان فيكون لأربعة أشهر أو أقل ويفعله الخليفة وغيره.
ثم من أحكام القتل في الدنيا وجوب الكفارة في قتل العمد وغيره وهي عتق رقبة مؤمنة سليمة عما يخل بالكسب والعمل إخلالًا ظاهرًا كالعرج، ولا يشترط لها سن بل يكفيه إعتاق مملوك ابن يوم، فإن عجز بأن لم يملكها ولا ثمنها فاضلًا عن كفايته وكفاية من عليه نفقته باقي العمر الغالب وهو اثنان وستون سنةً صام شهرين متتابعين كما مر في الظهار غير أنه لا إطعام هنا.
وفي قتل العمد وهو ما كان بقصد عين من وقعت عليه الجناية بما يتلف غالبًا جارحًا كان كالسيف والخنجر أو مثقلًا كالصخرة القصاص إن كان القتيل معصومًا فخرج الحربي، وكان القاتل ملتزمًا بالأحكام [أي المسلم أو الذمي] فلا قود على صبي ومجنون وحربي [أي إذا أسلم الحربي لا يقتص منه] ومكافئًا للقتيل حال الجناية بأن لم يفضله بإسلام أو أمان أو حرية أو سيادة، فلا يقتل مسلم بذمي وحر [الحر إن قتل عبدًا مسلمًا عليه دية وكفارة لكن لا يقتص منه] بغيره ولو مبعضًا إلا إذا عفي عن القاتل على الدية أو مجانًا، فإذا عفا ورثة القتيل عن القاتل على الدية سقط القصاص أي القتل، أو على مال غيرها أو مجانًا سقط القتل أيضًا. فإذا كان القصاص استوفاه واحد منهم بإذن الآخرين أو بالقرعة. ومن ذلك أن القتل الخطأ وهو أن لا يقصد عينه بفعل كأن زلق ووقع عليه فمات وكأن يرمي السهم إلى صيد فيصيب إنسانًا فيقتله وشبهه وهو أن يقصده بما لا يتلف في الغالب كغرزه بإبرة في غير مقتل أو بما يتلف لا غالبًا ولا نادرًا كضرب غير متوال في غير مقتل وفي غير شدة نحو حر وبرد بنحو عصًا أو سوط لمن يحتمل الضرب به تجب الدية فيهما لا القصاص وهي مائة من الإبل في الذكر الحر المعصوم المسلم، ونصفها في الأنثى الحرة المسلمة المعصومة ومثلها الخنثى.
أما الكافر فديته إن كان كتابيًا معصومًا ثلث دية المسلم فالذكر ثلث دية الذكر وغيره ثلث دية الأنثى، فإن كان مجوسيا أو نحو وثني فثلث خمس دية المسلم كذلك.
ثم إن صفاتها تختلف بحسب اختلاف كيفية القتل فدية القتل العمد أو شبه العمد أو القتل الخطإ إذا كان في الأشهر الحرم أو لذي رحم محرم مثلثة ثلاثون حقةً وهي الأنثى التي لها ثلاث سنين وثلاثون جذعةً وهي ما لها أربع سنين وأربعون حوامل بإخبار عدلين بذلك، ودية الخطإ الذي لم يكن على هذا الوجه مخمسة عشرون من بنات اللبون وعشرون من بنات المخاض وعشرون من الحقاق وعشرون من الجذاع وعشرون ابن لبون. وتكون هذه الدية في العمد من مال القاتل وفي غير العمد تجب على العاقلة وهي العصبة غير الأصل والفرع مؤجلةً ثلاث سنين في كل سنة ثلثها والعصبة هم الأقارب من جهة الأب كالعم وابنه والإخوة وأبنائهم.
ويثبت القصاص أيضًا في الأطراف والجراحات.
قال الشافعي رحمه الله «والقصاص فيما دون النفس شيئان جرح يستوفى وطرف يقطع» وشرائط وجوب القصاص في الأطراف بعد الشرائط المذكورة في قصاص النفس اثنان أحدهما الاشتراك في الاسم الخاص للطرف المقطوع اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى وحينئذ فلا تقطع يمنى بيسرى ولا عكسه. والثاني ألا يكون بأحد الطرفين شلل فلا تقطع يد أو رجل صحيحة بشلاء وهي التي لا عمل لها، أما الشلاء فتقطع بالصحيحة على المشهور إلا أن يقول عدلان من أهل الخبرة إن الشلاء إذا قطعت لا ينقطع الدم بل تنفتح أفواه العروق ولا تنسد بالحسم.
وجملة ذلك أن القصاص يجب فيما دون النفس من الجروح والأعضاء لقوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين﴾ إلى قوله ﴿والجروح قصاص﴾ [سورة المائدة/45].
ولأن القصاص في النفس إنما جعل لحفظ النفس وهذا موجود فيما دون النفس، إذا ثبت هذا فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما فيما دون النفس، فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم ويد المرأة بيد المرأة وهذا إجماع. وتقطع يد المرأة بيد الرجل، ويد الرجل بيد المرأة ويد العبد بيد الحر والعبد عندنا وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله. وإن اشترك جماعة في إبانة عضو أو جراحة يثبت بها القصاص ولم يتميز فعل بعضهم عن بعض مثل أن أجرى جماعة سيفًا في أيديهم على يد رجل أو رجله فقطعوها أو على رأسه فأوضحوه أي جعلوا فيه شجةً يبدو منها بياض العظم، قطعت يد كل واحد منهم وأوضح كل واحد منهم وبه قال ربيعة ومالك وأحمد.
ويجب القصاص فيما دون النفس في شيئين الجروح والأعضاء والجروح ضربان جروح في الرأس والوجه وجروح فيما سواهما من البدن، فأما الجروح في الرأس والوجه فتسمى الشجاج قال الشافعي رحمه الله: «هي عشر أولها الحارصة»، وهي التي تكشط الجلد كشطًا لا يدمي ومنه يقال حرص القصار الثوب إذا كشط درنه ووسخه، «وبعدها الدامية» وهي التي كشطت الجلد وخرج منها الدم. «وبعدها الباضعة» وهي التي تبضع اللحم أي تشقه بعد الجلد. «وبعدها المتلاحمة» وهي التي تنزل في اللحم، «وبعدها السمحاق» وهي التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم وتسمى تلك الجلدة السمحاق، وبعدها الموضحة وهي التي أوضحت العظم وكشفت عنه وبعدها الهاشمة وهي التي هشمت العظم، وبعدها المنقلة قال الشيخ أبو حامد ولها تأويلان أحدهما أن تنقل العظم من موضع إلى موضع والثاني أنه في تداويه لا بد من إخراج شىء من العظم منه، وبعدها المأمومة وتسمى الآمة وهي التي قطعت العظم وبلغت إلى قشرة رقيقة فوق الدماغ، وبعدها الدامغة وهي التي بلغت إلى الدماغ، إذا ثبت هذا فإن الشافعي رحمه الله قال في الأم «لا قصاص فيما دون الموضحة من الشجاج» اهـ. لأن المماثلة فيها ممكنة من غير حيف أي جور وظلم، فتقدر الموضحة بالطول والعرض ويعلم عليه بخيط أو سواد ولا يعتبر العمق لأنه يأخذ إلى العظم.
وأما الهاشمة والمنقلة والمأمومة فله أن يقتص في الموضحة منها وليس له أن يقتص فيما زاد عليها لأن كسر العظم لا يمكن المماثلة فيه لأنه يخاف فيه الحيف وإتلاف النفس.
وأما الجراحة في غير الرأس والوجه فينظر فيها فإن وصلت إلى عظم وجب فيها القصاص لأنه يمكن القصاص فيها من غير حيف فهي كالموضحة في الرأس والوجه. وإن كانت الجراحة جائفةً أو كسرت عظمًا لم يجب القصاص فيها لأنه لا يمكن المماثلة فيها ويخاف فيها الحيف.
وأما الأطراف فيجب فيها القصاص في كل ما ينتهي منها إلى مفصل فتؤخذ العين بالعين لقوله تعالى: ﴿والعين بالعين﴾ ولأنها تنتهي إلى مفصل، فكل عضو أخذ أي قطع من مفصل كمرفق وكوع ففيه القصاص وما لا مفصل له لا قصاص فيه.
إذا ثبت هذا فتؤخذ العين الصحيحة بالصحيحة والقائمة بالقائمة وهي التي ذهب ضوؤها وبقيت حدقتها ولا تؤخذ الصحيحة بالقائمة لأنه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن تؤخذ القائمة بالصحيحة لأنه يأخذ أقل من حقه باختياره. ويؤخذ الجفن بالجفن والأنف بالأنف والمنخر بالمنخر وهو ثقب الأنف، والحاجز بينهما بالحاجز والأذن بالأذن. ويجب في الشفتين القود.
وإن جنى على رأسه فذهب عقله أو شمه أو سمعه أو ذوقه أو نكاحه أو إنزاله لم يجب فيها القصاص لأن هذه الأشياء ليست في موضع الجناية فيمكن القصاص فيها.
وإن قلع سن من قد أثغر أي نبتت أسنانه بعد السقوط قلع سنه، وإن كان المقلوع سنه لم يثغر وقف حتى يثغر فينظر هل تنبت سنة بعد ذلك أو لا. وتؤخذ السن الكبيرة بالصغيرة والصغيرة بالكبيرة ولا يؤخذ سن صحيح بمكسور لأنه يأخذ أكثر من حقه ويؤخذ المكسور بالصحيح لأنه أنقص من حقه.
وتقطع الكف بالكف والإصبع بالإصبع والأنملة بالأنملة، وتؤخذ الأليتان بالأليتين وهما الناتئتان بين الظهر والفخذ. ويقطع الذكر بالذكر لقوله تعالى ﴿والجروح قصاص﴾. ولأنه عضو ينتهي إلى مفصل فوجب فيه القصاص.
إذا ثبت هذا فيقطع ذكر الرجل بذكر الصبي ويقطع ذكر الشاب بذكر الشيخ.
قال الشافعي رحمه الله: «ويقاد ذكر الأغلف (أي الذي لم يختن) بذكر المختون، كما تقطع اليد السمينة باليد المهزولة ولأن تلك الجلدة مستحقة للقطع، فلا تمنع من القصاص»، وإن قطع أنثييه اقتص منه.
وكل عضو وجب فيه القصاص فإنه يجب فيه وإن اختلف العضوان في الصغر والكبر والصحة والمرض والسمن والهزال، لأنا لو اعتبرنا هذه الأشياء لشق وضاق فسقط اعتباره كما سقط اعتبار ذلك في النفس.
ولا يؤخذ الجفن الأعلى بالجفن الأسفل ولا الأسفل بالأعلى وكذلك الشفتان مثله.
ولا تؤخذ سن بسن غيرها ولا إصبع بإصبع غيرها ولا أنملة بأنملة غيرها كما لا تؤخذ نفس بجناية نفس غيرها، ولا يؤخذ ذلك وإن رضي الجاني والمجني عليه. وكذلك إذا رضي الجاني بأن يؤخذ العضو الكامل بالناقص والصحيح بالأشل لم يجز، لأن الدماء لا تستباح بالإباحة.
ومن قطع عضو مسلم ثم قتله كان لورثته قطع عضوه ثم قتله وبه قال أبو حنيفة. دليلنا قوله تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [سورة البقرة/194].
ويستوفي القصاص أحد أصحاب الحق فإن اختلفوا أقرع بينهم ومن وجب له القصاص لم يجز له أن يقتص بغير إذن السلطان أو بغير حضوره. ولا يجوز الاقتصاص من الحامل حتى تضع.
ومن قتل بالسيف لم يقتص منه إلا بالسيف وإن حرقه أو غرقه أو رماه بحجر أو من شاهق فمات أو ضربه بخشبة أو حبسه ومنعه الطعام والشراب حتى مات فللولي أن يقتص منه بهذه الأشياء وبه قال مالك. وذلك لما رواه البيهقي في السنن الكبرى من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غرق أغرقناه ومن حرق حرقناه». وإذا اقتص من الجاني فمات هدر دمه وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى دليلنا ما رواه البيهقي في السنن الكبرى وعبد الرزاق في مصنفه عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا «من مات من حد أو قصاص فلا دية له، الحق قتله».
ولو مات القاتل قبل أن يقتص منه وجبت دية المقتول في مال القاتل وبه قال أحمد رحمه الله تعالى.
وإذا قتل غيره عمدًا وهما متكافئان وجب عليه القود وحده وأما الدية فتجب بالعفو بدلًا عنه. وإن قال الولي عفوت عن القود والدية سقطا جميعًا.
وإن كان القصاص لجماعة فعفا بعضهم عن القود سقط القود عن القاتل.
وإذا دفع ولده الصغير إلى سابح ليعلمه السباحة فغرق الصبي فعلى عاقلة السابح ديته وعليه الكفارة في ماله لأنه قد أخذه للتعليم فإذا تلف في طريق التعليم كان عليه ضمانه كالمعلم إذا ضرب صبيا فمات، ولأن هذا في الغالب لم يغرق إلا بتفريط من السابح فيكون عمد خطإ.
وإن أسلم البالغ نفسه إلى السابح ليعلمه السباحة فغرق لم يجب ضمانه لأنه في يد نفسه ولا ينسب التفريط في هلاكه إلى غيره فلا يجب ضمانه.
وإذا وضع رجل حجرًا في طريق من طرق المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه فعثر بها إنسان لم يعلم بها ومات منها وجبت ديته على عاقلة واضع الحجر ووجبت الكفارة في ماله لأنه تلف بسبب تعدى فيه فوجب ضمانه، وهكذا إن نصب هناك سكينًا فعثر رجل ووقع عليها فمات منها وجبت عليه الدية لما ذكرناه في الحجر.
وإن وضع رجل في ملك نفسه حجرًا أو نصب سكينًا فتعثر به إنسان ومات لم يجب على واضع الحجر أو السكين ولا على عاقلته ضمان لأنه غير متعد بوضع الحجر أو السكين، وإن حفر رجل بئرًا فوقع فيها إنسان ومات فإن حفرها في ملكه فإن كانت ظاهرةً فدخل رجل ملكه فوقع فيها فمات لم يجب على الحافر ضمانه سواء دخل بإذنه أو بغير إذنه لأنه غير متعد بالحفر، وإن كانت غير ظاهرة بأن غطى رأسها فوقع فيها إنسان فمات فإن دخل إلى ملكه بغير إذنه لم يجب ضمانه لأنه متعد بالدخول، وهكذا لو كان في داره كلب عقور فدخل داره بغير إذنه فعقره الكلب لم يجب ضمانه لما ذكرناه، وإن استدعاه للدخول ولم يعلمه بالبئر والكلب فوقع فيها أو عقره الكلب فمات فهو كما لو قدم إلى غيره طعامًا مسمومًا فأكله.
وإن كان هناك مسجد للمسلمين فسقط سقفه فأعاده رجل من المسلمين بآلته أو بغير ءالته وسقط على إنسان لم يجب عليه ضمانه لأنه للمسلمين.
قال الشيخ أبو حامد: وإن طرح على باب داره قشور البطيخ أو الباقلاء الرطب أو الموز أو رشه بالماء فزلق به إنسان فمات كانت ديته على عاقلته والكفارة في ماله.
وإن ركب دابةً فبالت في الطريق أو راثت فزلق به إنسان فمات كان عليه الضمان، وكذلك لو أتلفت إنسانًا بيدها أو رجلها أو نابها فعليه ضمانه لأن يده عليها فإذا تلف شىء بفعلها أو بسبب فعلها كان كما لو أتلفه بفعله أو بسبب فعله.
وإن ترك على حائطه جرةً فرمتها الريح على إنسان فمات لم يجب عليه الضمان لأنه غير متعد بوضعها على ملكه ووقعت من غير فعله.
وإذا صدم شخص ءاخر وهو واقف قال الشافعي رحمه الله تعالى: «إن كان أحدهما واقفًا فصدمه الآخر فماتا فدية الصادم هدر ودية صاحبه على عاقلة الصادم»، وإن خرق رجل السفينة فغرق ما فيها فإن كان مالًا لزمه ضمانه سواء خرقها عمدًا أو خطأً لأن المال يضمن بالعمد والخطإ. وإن كان فيها أحرار فغرقوا وماتوا فإن كان عامدًا مثل أن يقلع منها لوحًا يغرق مثلها من قلعه في الغالب وجب عليه القود بهم فيقتل بأحدهم وتجب للباقين الدية في ماله. وإن قتل الصبي أو المجنون عمدًا فإن قلنا إن عمدهما عمد وجب بقتلهما دية مغلظة [أي في مالهما] وإن قلنا عمدهما خطأ وجب بقتلهما دية مخففة.
قال الشافعي رحمه الله: «ولا أكلف أحدًا من العاقلة غير إبله ولا نقبل منه دونها» اهـ. لأن العاقلة تحمل الدية على طريق المواساة فكان الواجب من النوع الذي يملكونه.
فإن أرادت العاقلة أن تدفع عوضًا عن الإبل مع وجودها لم يجبر الولي على قبولها.
وإن أعوزت الإبل فلم توجد في تلك الناحية أو وجدت بأكثر من قيمتها ففيه قولان أحدهما قال في القديم «يعدل إلى بدل مقدر فتجب على أهل الذهب ألف مثقال وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم» وبه قال مالك رحمة الله عليه. والثاني قوله في الجديد «تجب قيمة الإبل من نقد البلد بالغةً ما بلغت».
وإذا ضرب ضارب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتًا حرا ففيه غرة عبد أو أمة.
والجنين الذي تجب فيه الغرة هو أن تسقط جنينًا بان فيه شىء من صورة الآدمي.
قال الشافعي رحمه الله «ولمن وجبت له الغرة أن لا يقبلها دون سبع سنين أو ثمان سنين لأنها لا تستغني بنفسها» اهـ.
قال القاضي أبو الطيب وقد قال الشافعي رحمه الله: «وليس لهم أن يؤدوا غرةً هرمةً ولا ضعيفةً عن هذا العمل لأن أكثر ما يراد له الرقيق للعمل»، وهذا يدل على وجوب قبولها قبل ذلك.
ومن وجبت له الغرة لم يجبر على قبولها إذا كانت معيبةً قال الشافعي رحمه الله تعالى «وقيمتها إذا كان الجنين حرا نصف عشر دية المسلم ويغرمها من يغرم دية الخطإ» اهـ.
ويجب في الموضحة خمس من الإبل صغيرةً كانت أو كبيرةً فإن أوضحه موضحةً أو موضحتين أو ثلاثًا أو أربعًا وجبت لكل موضحة خمس من الإبل لعموم الخبر. ويجب في الهاشمة عشر من الإبل، وبه قال أبو حنيفة. ويجب في المنقلة خمس عشرة من الإبل. ويجب في المأمومة ثلث الدية.
وأما الجراحات في غير الرأس والوجه فضربان جائفة وغير جائفة فأما غير الجائفة وهي الموضحة والهاشمة والمنقلة وما دون الموضحة من الجراحات فلا يجب فيها أرش مقدر وإنما تجب فيه حكومة [أي يقدر فيما لو كان عبدًا كم تكون قيمته قبل هذه العلة وكم تصير بعدها فيعطى ما يقابل مقدار النقصان من الدية].
وأما الجائفة فهي الجراحة التي تصل إلى الجوف من البطن أو الصدر أو ثغرة النحر أو الورك فيجب فيها ثلث الدية.
وأما الأعضاء فيجب في العينين الدية لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وفي العينين الدية» [أخرجه النسائي في سننه].
ويجب في إحداهما نصف الدية، وإن جنى على عينيه أو رأسه فذهب ضوء بصره والحدقة باقية وجبت عليه الدية. وإن أذهب البصر من إحدى العينين وجب عليه نصف الدية، كما لو أشل إحدى يديه.
وإن جنى على عينيه فنقص ضوؤهما نظرت فإن عرف أنه نقص نصف ضوئهما بأن كان يرى الشخص من مسافة فصار لا يراه إلا من نصفها وجبت عليه نصف الدية، وإن لم يعرف قدر النقصان وإنما ساء إدراكه وجبت عليه حكومة وإن نقص بصره في إحدى العينين وجب عليه من دية تلك العين بقدر ما نقص من ضوئها.
وإن قطع أجفان عيني رجل الأربعة وجبت عليه دية وبه قال أبو حنيفة. وإن قطع بعضها وجب فيها من الدية بقسطه، وإن قطع أهداب العينين [الهدب الشعر الذي في طرف الجفن] ولم تعد فعليه حكومة.
وتجب في الأذنين الدية وفي إحداهما نصف الدية وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله.
وإن قطع بعض الأذن وجب عليه من ديتها بقدر ما قطع منها. وإن جنى على أذنه فاستحشفت أي يبست تجب عليه الحكومة.
ويجب في السمع الدية لما روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «وفي السمع دية» رواه البيهقي [في السنن الكبرى]. فإن ذهب سمعه من إحدى الأذنين وجب عليه نصف الدية.
وتجب في الأنف الدية لما روى عمر بن حزم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «وفي الأنف إذا أوعي مارنه مائة من الإبل» ولأنه قول علي رضي الله عنه وأرضاه. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم أوعي أي استوعب ولأن المنفعة والجمال فيه فوجبت فيه الدية.
ويجب في الشم الدية لأنه حاسة تختص بمنفعة فأشبه السمع والبصر. وإن أذهب الشم من أحد المنخرين وجب عليه نصف الدية.
وإن قطع أنفًا أخشم أي ذهبت منه حاسة الشم وجبت عليه الدية لعموم الخبر.
وإن جنى عليه فذهب عقله لم يجب فيه القصاص وتجب فيه الدية، فإن ذهب بعض عقله وعرف قدر الذاهب بأن صار يجن يومًا ويفيق يومًا وجب فيه نصف الدية.
وتجب في الشفتين الدية لأن فيهما جمالًا ومنفعةً أما الجمال فظاهر وأما المنفعة فلأنهما يقومان الكلام ويمسكان الطعام والريق. قال الشافعي رحمه الله «وحد الشفة ما زاد عن جلد الذقن والخدين من أعلى وأسفل» ولا فرق بين أن تكونا غليظتين أو دقيقتين أو ناتئتين أو صغيرتين لقوله صلى الله عليه وسلم «وفي الشفتين الدية» ولم يفرق فإن قطع إحداهما وجب عليه نصف الدية.
وإن قطع بعض الشفة وجب فيه من الدية بقدره، وإن جنى عليهما فشلتا بأن صارتا مسترخيتين لا تنقبضان أو تقلصتا بحيث لا تنبسطان ولا تنطبق إحداهما على الأخرى وجبت الدية فيهما كما لو جنى على يديه فشلتا.
قال الشافعي رحمه الله تعالى «وإن جنى على شفته حتى صارت بحيث إذا مدها امتدت وإذا تركها تقلصت ففيها حكومة لأنها إذا انبسطت وامتدت إذا مدت فلا شلل فيها بل فيها روح فلم تصر شلاء وإنما فيها نقص فوجبت فيها الحكومة» اهـ.
وتجب في اللسان الدية فإن لم يقطع اللسان ولكن جنى عليه فخرس وذهب كلامه وجبت عليه الدية لأنه أذهب منفعة اللسان. فإن ذهب بعض كلامه وجب عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه.
قال الشافعي رحمه الله: «وفي لسان الأخرس حكومة» اهـ لأن لسان الأخرس قد ذهبت منفعته.
وإن جنى عليه فذهب ذوقه قال الشيخ أبو حامد: يجب فيه الدية لأنه أحد الحواس التي تختص بمنفعة فهو كحاسة السمع والبصر.
ويجب في السن خمس من الإبل ولا فرق بين الثنايا والأضراس والرباعيات لقوله عليه الصلاة والسلام «في كل سن خمس من الإبل» ولم يفرق. والسن الذي يجب فيه خمس من الإبل هو ما ظهر من اللثة وهو اللحم الذي ينبت فيه السن لأن المنفعة والجمال في ذلك.
وإن كسر بعض سنه من نصف أو ثلث أو ربع وجب عليه من ديتها بقدر ما كسر منها.
وإن قلع رجل جميع أسنان رجل فإن قلعها واحدةً بعد واحدة وجب عليه لكل سن خمس من الإبل فيجب عليه مائة وستون بعيرًا لأن الأسنان اثنان وثلاثون سنا.
ويجب في اللحيين وهما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان الدية لأن فيهما منفعةً وجمالًا وفي أحدهما نصف الدية.
وفي اليدين الدية وفي إحداهما نصف الدية. واليد التي تجب فيها الدية هي من مفصل الكوع فإن قطعها من بعض الساعد أو من المرفق أو من المنكب وجبت الدية في الكف وفيما زاد عليه الحكومة.
وإن جنى على الكف فشلت وجبت عليه ديتها لأنه قد أذهب منفعتها فهو كما لو قطعها.
ويجب في كل إصبع من أصابع اليدين عشر من الإبل ولا يفضل إصبع على إصبع.
ويجب في كل أنملة من الأصابع ثلث دية الإصبع إلا الإبهام فإنه يجب في كل أنملة منها نصف دية الإصبع وإن جنى على إصبع فشلت أو على أنملة فشلت وجب عليه ديتها لأنه أذهب منفعتها كما لو قطعها.
وتجب في الرجلين الدية وفي إحداهما نصف الدية، والرجل التي تجب بقطعها الدية هي القدم فإن قطعها من نصف الساق أو من الركبة أو من الورك وجب الدية في القدم والحكومة فيما زاد. ويجب في كل إصبع منها وفي كل أنملة منها ما يجب في أصابع اليد وأناملها.
قال الشافعي رحمه الله تعالى «وفي يد الأعسم ورجل الأعرج إذا كانتا سالمتين الدية» والعسم هو يبس مفصل الرسغ حتى تعوج الكف والقدم. وقال الشيخ أبو حامد: الأعسم هو الذي يكون بطشه بيساره أكثر. ولا تفضل يمين على يسار في الدية.
فإن كسر يده فجبرت فانجبرت فإن عادت مستقيمةً من غير شين فليس عليه شىء وإن عادت مستقيمةً مع شين وجبت عليه حكومة للشين وإن عادت غير مستقيمة وجبت عليه الحكومة أكثر مما لو عادت مستقيمةً لأنه أحدث بها نقصًا.
وتجب في الأليتين الدية لأن فيهما جمالًا ومنفعةً ويجب في إحداهما نصف الدية، وإن قطع بعض إحداهما وعرف قدر المقطوع وجب فيه من الدية بقدره وإن لم يعرف أو جرحها وجبت عليه الحكومة لأن الجرح إذا اندمل وجبت فيه الحكومة دون الدية.
وإن كسر صلبه فأذهب مشيه وجبت فيه الدية.
وإن لم يذهب المشي وإنما يحتاج في مشيه إلى عكاز وجب فيه حكومة. وإن لم يحتج إلى عكاز ولكنه يمشي مشيًا ضعيفًا وجبت عليه حكومة أقل من الحكومة الأولى وإن عاد مشيه كما كان إلا أن ظهره احدب لزمته حكومة للشين الحاصل بذلك.
وإن كسر صلبه فذهب جماعه وجبت عليه الدية، وإن كسر صلبه فذهب ماؤه وبعد وجبت عليه الدية، وإن جنى على عنقه فأصابه صعر وهو التواء لا يمكنه أن يحول وجهه لزمته الحكومة.
وفي الذكر الدية وسواء قطع ذكر صبي أو شيخ أو شاب، وإن جنى عليه فصار أشل إما منبسطًا لا ينقبض أو منقبضًا لا ينبسط وجبت عليه الدية. والذكر الذي تجب فيه الدية هو الحشفة لأن منفعة الذكر تذهب بذهابها.
ويجب في الأنثيين الدية ويجب في كل واحدة منهما نصف الدية، وإن قطع الذكر والأنثيين معًا أو قطع الذكر ثم الأنثيين وجبت عليه ديتان بلا خلاف.
وقد ذكرنا أن دية نفس المرأة على النصف من دية الرجل وأما ما دون النفس فذهب الشافعي رحمه الله تعالى في الجديد إلى أن أرشها نصف أرش الرجل في جميع الجراحات والأعضاء وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو حنيفة وأصحابه.
وتجب في ثديي المرأة الدية لأن فيهما جمالًا ومنفعةً، ويجب في أحدهما نصف الدية، والثديان اللذان تجب فيهما الدية هما الحلمتان وهما رأس الثدي اللتان يلتقطهما الصبي لأن الجمال والمنفعة توجد فيهما.
قال الشافعي رحمه الله تعالى «وإن قطع ثديها فأجافها فعليه نصف الدية للثدي وثلث دية للجائفة، وإن قطع ثدييها وأجافهما فعليه في الثديين كمال الدية وفي الجائفتين ثلثا الدية لأن كل واحد منهما فيه دية مقدرة إذا انفرد فإذا اجتمعا وجب في كل واحد منهما ديته كما لو قطع أذنه فذهب سمعه» اهـ.
وإن جنى عليهما فشلا وجبت فيهما الدية وإن لم يشلا ولكن استرخيا وكانا ناهدين أي مرتفعين وجبت فيهما الحكومة لأنه نقص جمالهما. وإن كان لهما لبن فجنى عليهما فانقطع لبنهما أو نقص وجبت عليه الحكومة لأنه نقص منفعتهما.
وإن قطع حلمتي الرجل فقد قال الشافعي رحمه الله تعالى في موضع «فيهما الحكومة».
قال الشافعي رحمه الله تعالى «وفي إسكتيها وهما شفراها جانبا فرجها إذا أوعبتا ديتها» اهـ.
فالإسكتان هما اللحمان المحيطان بالفرج كإحاطة الشفتين بالفم. وإن قطع أحدهما وجب عليه نصف الدية، ولا فرق بين شفري الصغيرة والعجوز والبكر والثيب وسواء كانا صغيرين أو كبيرين رقيقين أو غليظين. وإن جنى على شفريها فشلا وجبت عليه الدية.
قال الشافعي رحمه الله «وإن أفضاها ثيبًا كان عليه ديتها» اهـ.
قال الشيخ أبو حامد: والإفضاء هو أن يجعل مسلك البول ومسلك الذكر واحدًا.
وأما الشعور فلا يجب فيها قصاص ولا دية وبه قال أبو بكر الصديق وزيد بن ثابت رضي الله عنهما.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «وفي الترقوة جمل وفي الضلع جمل»، وقال في موضع «تجب في كل واحد منهما حكومة» اهـ.
والترقوة هي العظم المدور من النحر إلى الكتف وللإنسان ترقوتان.
فإذا جنى على رجل جنايةً لم يحصل بها جرح ولا كسر ولا إتلاف حاسة بأن لطمه الجاني أو لكمه أو ضربه بخشبة فلم يجرح ولم يكسر نظرت فإن لم يحصل به أثر أو حصل به سواد أو خضرة ثم زال لم يجب على الجاني أرش لأنه لم ينقص شيئًا من جماله ولا من منفعته ويعزر الجاني لتعديه.
وإن اسود موضع الضرب أو اخضر أو احمر ينظر إلى الوقت الذي يزول مثل ذلك في العادة فإن لم يزل وجبت على الجاني الحكومة لأن في ذلك شينًا، فإن أخذت منه الحكومة ثم زال ذلك الشين وجب رد الحكومة كما لو كان ابيضت عينه فأخذ أرشها ثم زال البياض.
وإن جنى على حر جنايةً نقص بها جمال أو منفعة ولا أرش لها مقدر فقد ذكرنا أنه تجب فيها الحكومة. وكيفية ذلك أن يقوم هذا المجني عليه لو كان عبدًا قبل الجناية ثم يقوم بعد اندمال الجناية فإن بقي للجناية شين ونقصت قيمته به وجب على الجاني من الدية بقدر ما نقص من القيمة فإن نقص العشر من قيمته وجب العشر من ديته وإن نقص التسع من قيمته وجب التسع من ديته لأنه لما اعتبر العبد بالحر في الجنايات التي لها أرش مقدر اعتبر الحر بالعبد في الجنايات التي ليس لها أرش مقدر، ولأن جملته جملة مضمونة بالدية فكانت أجزاؤه مضمونةً بجزء من الدية.
ولا يبلغ بالحكومة أرش العضو المجني عليه، فإن كانت الجناية على الإصبع فبلغت حكومتها دية الإصبع أو على البدن مما دون الجائفة فبلغت الحكومة أرش الجائفة نقص الحاكم من الحكومة شيئًا بقدر ما يؤديه إليه اجتهاده لأنه لا يجوز أن تجب فيما دون الإصبع ديتها ولا فيما دون الجائفة ديتها.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «وإن جرحه فشان وجهه أو رأسه شينًا يبقى فإن كان الشين أكثر من الجراح أخذ بالشين وإن كان الجراح أكثر من الشين أخذ بالجراح ولم يرد للشين» اهـ. وجملة ذلك أنه إذا شجه في رأسه أو وجهه شجةً دون الموضحة فإن علم قدرها من الموضحة وجب بقدرها من أرش الموضحة وإن اختلف قدرها من الموضحة والحكومة وجب أكثرهما. ولا تبلغ الحكومة فيما دون الموضحة أرش الموضحة.
بيان معنى العقل
العقل اسم للدية وإنما سميت الدية العقل لأنها تعقل بباب ولي المقتول، والعصبة الذين يتحملون الدية يسمون العاقلة وإنما سموا بذلك لأنهم يأتون بالدية فيعقلونها عند باب الولي.
وهل تحمل العاقلة ما دون دية النفس قال الشافعي رحمه الله في الجديد «تحمل العاقلة ما قل أو كثر من الأرش»، وقال في القديم «تحمل العاقلة دية النفس ولا تحمل ما دون دية النفس بل تجب في مال الجاني» اهـ.
والعاقلة هم العصبة ولا يدخل فيهم أبو الجاني ولا جده وإن علا ولا ابنه ولا ابن ابنه وإن سفل وقال مالك وأبو حنيفة يدخلون فيهم.
ولا يحمل العقل من العاقلة إلا الغني والمتوسط فأما الفقير فإنه لا يحمل العقل.
قال الشافعي رحمه الله «ومعرفة العاقلة أن ينظر إلى إخوته لأبيه وأمه فيحملهم» اهـ. وجملة ذلك أن الحاكم إذا أراد قسمة العقل فإنه يبدأ بالإخوة للأب والأم أو للأب لأنهم أقرب العاقلة، فيؤخذ من الغني منهم نصف دينار ومن المتوسط ربع دينار فإن وفى ذلك بثلث الدية لم يحمل على من بعدهم وإن لم يف ذلك حمل على بني الإخوة وإن سفلوا فإن لم يف ذلك حمل على الأعمام فإن لم يف ذلك حمل على بني الأعمام إلى أن يستوعب جميع القبيل الذين يتصل أبو الجاني بأبيهم فإن لم يف ما حمل عليهم بثلث الدية حمل عنه المولى ومن أدلى به فإن لم يف ما حمل عليهم بثلث الدية حملت تمام الثلث في بيت المال وعلى هذا في الحول الثاني والثالث.
تتمة من المحرمات الكبائر قتل الإنسان نفسه لكنه لا يكفر كما أنه لا يكفر قاتل نفس غيره فقد روى البخاري [في صحيحه] أن رسول الله قال: «من قتل نفسه بشىء عذب به في جهنم»، وقول الجهال فيمن قتل نفسه إنه كافر باطل.
ومن الدليل على أن المنتحر لا يكون كافرًا لمجرد ذلك ما رواه مسلم وغيره أن رجلًا مهاجرًا مرض مرضًا شديدًا جزع منه أي لم يصبر فقطع براجمه وهي رؤوس السلاميات بحديدة فصار الدم يشخب أي يسيل فمات، ثم رءاه رفيقه الذي هاجر معه في المنام بهيأة حسنة ورءاه مغطيا يديه فقال له ما فعل بك ربك، قال غفر لي بهجرتي إلى نبيه، قال له فما ليديك، قال قيل لي إنا لا نصلح منك ما أفسدت. ثم هذا الرجل قص على النبي الرؤيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم وليديه فاغفر».
فوجه الدليل في هذا الحديث أن الرسول صدق الصحابي الذي قص عليه هذه الرؤيا وأقر رؤياه هذه، وفي ذلك دليل على أن الله غفر له لقوله عليه الصلاة والسلام «اللهم وليديه فاغفر».
فإن قيل أليس روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا».
فالجواب أن هذا الحديث يحمل على الكافر، فالكافر يعذب يوم القيامة على كفره وعلى معاصيه. فهذا الكافر الذي قتل نفسه بتلك الحديدة يعذب بتلك الحديدة في نار جهنم على الدوام بطعن نفسه بتلك الحديدة في بطنه، وكذلك الكافر الذي قتل نفسه بأن رمى بنفسه من شاهق جبل حتى مات بهذا التردي يفعل به في جهنم مثل ما فعل بنفسه. أما المسلم الذي قتل نفسه ولم يعف الله عنه يعذب في نار جهنم بما قتل به نفسه برهةً ثم يخرج من النار ويدخل الجنة [أخرجه البخاري في صحيحه].
وأما حديث البخاري [في صحيحه] «من قتل نفسه بشىء عذب به في نار جهنم» فهذا يشمل المنتحر المسلم والمنتحر الكافر لأنه لم يرد فيه «خالدًا مخلدًا فيها أبدًا».
فإن قيل كيف يكون الانتحار حرامًا ويونس ألقى بنفسه في البحر وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم روى البخاري [في صحيحه] عنه أنه حين فتر الوحي عنه في أوائل البعثة هم بأن يلقي بنفسه من ذروة الجبل فالجواب أن يونس عندما ألقى بنفسه في البحر كان يعتقد أنه لا يصيبه هلاك بالغرق وأن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن مراده بذلك إلا تخفيف شدة الوجد الذي حصل له من إبطاء الوحي عليه لا الانتحار، فإنه حصل لكثير من الأولياء أنهم مشوا على الماء ولم يغرقوا وطاروا في الهواء ولم يقعوا، فمن حمل ما ورد في البخاري من هذه القصة على أن الرسول أراد أن ينتحر فقد كفر.
وكذلك لا يكفر من قتل مسلمًا مع اعتقاده حرمة ذلك ويدل على ذلك قصة الإسرائيلي الذي كان على الإسلام قبل بعثة سيدنا محمد والذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي الذي أنزله الله عليه وفيها أن هذا الإسرائيلي كان قتل مائة نفس ظلمًا ثم أراد التوبة فقال له عالم من علماء ذلك العصر لما سأله هل لي من توبة، قال له ومن يحول بينك وبين التوبة، اذهب إلى أرض كذا فإن بها قومًا صالحين فندم على ما فعل من قتله تلك الأنفس المائة ولم يكن يعرف أقرباء المقتولين، ففي هذه الحال يكفيه الندم والعزم على أن لا يعود للذنب، ثم توجه إلى تلك الأرض فأدركه الموت في منتصف الطريق فجاء ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، هؤلاء يريدون أن يأخذوه وهؤلاء يريدون أن يأخذوه فاختصموا، فأرسل الله ملكًا بصفة رجل من بني ءادم فحكم بينهم، قال لهم قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما وجدتموه أقرب فهو لها فقاسوا فوجدوا هذا الشخص أقرب إلى الأرض التي هو ذاهب إليها بشبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فغفر الله له»، فأخذته ملائكة الرحمة [أخرجه مسلم في صحيحه].
وأما قوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزآؤه جهنم خالدًا فيها﴾ [سورة النساء/93] فقد قيل فيه عدة تأويلات أحدها أن المراد بالآية الخلود النسبي لأنه لم يقل خالدًا فيها أبدًا والثاني أن المراد بهذه الآية هو الذي يقتل المؤمن مستحلا قتله بغير حق فهذا يكفر، والثالث أن المراد بهذه الآية من قتل المؤمن لإيـمانه فهذا يكفر أيضًا.
قال المؤلف رحمه الله: ومنها الضرب بغير حق.
الشرح أن من معاصي اليد التي هي من الكبائر ضرب المسلم أو الذمي بغير حق ففي الحديث الصحيح «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» [أخرجه مسلم في صحيحه] ومثل الضرب ترويع المسلم والإشارة إليه بنحو سلاح ففي الصحيح «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه» رواه ابن حبان [في صحيحه]. هذا إن قصد ترويعه أما إن لم يقصد ترويعه وكان الآخر لا يتروع فرفع عليه نحو حديدة فلا إثم عليه.
قال المؤلف رحمه الله: وأخذ الرشوة وإعطاؤها.
الشرح من معاصي اليد التي هي من الكبائر أخذ الرشوة وإعطاؤها فقد روى أحمد والأربعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم». وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان. فأما الأخذ فيحرم على الحاكم ولو حكم بحق، وأما الإعطاء فإنما يحرم على المعطي إن كان يطلب بباطل، فمن أعطى قاضيًا أو حاكمًا رشوةً أو أهدى إليه هديةً فإن كان ليحكم له بباطل أو يتوصل بها لنيل ما لا يستحقه أو لأذية مسلم فسق الراشي والمهدي بالإعطاء، والمرتشي والمهدى إليه بالأخذ، وكذلك الرائش أي الساعي لسعيه وإن لم يقع حكم منه بعد ذلك. فأما إذا كان الإعطاء ليحكم له بحق أو ليدفع عنه ظلمًا أو لينال ما يستحقه فسق الآخذ فقط ولم يأثم المعطي لاضطراره للتوصل لحقه، وأما الرائش في هذه الحالة فإن كان من جهة المعطي الذي لا يجوز له الإعطاء عصى وفسق وإلا فلا.
تنبيه ليس من الرشوة بذل المال لمن يتكلم له مع السلطان مثلًا في أمر جائز فإنه أجرة جائزة. ويجوز دفع الرشوة للضرورة كدفع الظلم أو لتحصيل حقه.
فائدة قال أبو بكر بن المنذر في الأوسط ما نصه
«ذكر إباحة رفع المرء عن نفسه الظلم
بالشىء يبذله من ماله
حدثنا موسى بن هارون قال: أخبرنا أبو بكر قال حدثنا وكيع قال حدثنا أبو العميس عن القاسم بن عبد الرحمٰن أن ابن مسعود لما أتى أرض الحبشة أخذ في شىء فأعطى دينارين حتى خلي سبيله.
وقد روينا عن عطاء وجابر بن زيد والشعبي والحسن البصري أنهم قالوا «لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم»، وقال مجاهد «اجعل مالك جنةً دون دينك، ولا تجعل دينك جنةً دون مالك» [معناه اجعل دنياك حصنًا لدينك أي احفظ دينك بدنياك، أي اصرف مالك لحفظ دينك لا العكس، لأن بعض الناس يبيعون الدين لأجل الدنيا، معناه لا تبع دينك بدنياك بل افعل العكس. الجنة الحصن، الدرع الذي يتحصن به، في القديم كانوا يعملونه من جلد الجمل، يكون قاسيًا مثل الحجر، يرد السلاح عن صاحبه].
وروينا عن الشعبي أنه قال «لأن أعطي درهمًا في النائبة أحب إلي من أن أعطي خمسة دراهم» يعني يتصدق بها.
وقال جابر بن زيد «ما رأينا في زمان زياد شيئًا أنفع لنا من الرشا»، وقال أحمد في الرشوة «أرجو إذا كان يدفع الظلم عن نفسه» اهـ أي أرجو جواز ذلك.
فائدة نص الفقهاء على تحريم قبول الهدية على القاضي، ثم ذكر المحشي على الدردير المالكي جواز شرب قهوة البن والأكل في بيت الناس، وفيها وإنما يحرم الهدية إليه وإلى ذي الجاه إن كان من حيث جاهه بحيث يتوصل بالهدية إلى أمر ممنوع أو إلى أمر يجب على ذي الجاه دفعه عن المهدي بلا تعب ولا حركة، وأما كونه يتوصل بذلك إلى أن يذهب به في قضاء مصالحه إلى نحو ظالم أو سفر لمكان فيجوز كالهدية له لا لحاجة وإنما هي لمحبة أو اكتساب جاه، وذكر صاحب المعيار وهو الوانشريسي أنه سئل أبو عبد الله العبدوسي عمن يحرس الناس في المواضع المخيفة ويأخذ منهم على ذلك فأجاب بأن ذلك جائز بشروط أن يكون له جاه قوي بحيث لا يتجاسر عليه عادةً، وأن يكون سيره معهم بقصد تجويزهم [أي أن يجتاز بهم المسافة] فقط لا لحاجة له، وأن يدخل معهم على أجرة معلومة أو يدخل على المسامحة بحيث يرضى بما يدفع له.
قال المؤلف رحمه الله: وإحراق الحيوان إلا إذا ءاذى وتعين طريقًا في الدفع، والمثلة بالحيوان.
الشرح أن من معاصي اليد التي هي من الكبائر إحراق الحيوان بالنار سواء كان مأكولًا أو غير مأكول صغيرًا أو غيره لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يعذب بالنار إلا ربها» [أخرجه أبو داود في صحيحه]، وهذا إذا لم يتعين الإحراق طريقًا لإزالة الضرر. أما إذا لم يمكن دفع ضرره إلا بالإحراق عندئذ يجوز إحراقه.
وأما وسم البهيمة في وجهها فهو حرام من الكبائر لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه حمار قد وسم في وجهه فقال «لعن الله الذي وسمه» رواه مسلم [في صحيحه].
وأما صعق البقر ونحوه بالكهرباء قبل ذبحه فلا يجوز لأن فيه تعذيبًا لها.
وكذلك لا يجوز خصي بعض البهائم كالهر. لكن البقر يجوز خصيه قبل الكبر لأن لحمه يطيب بذلك لكن بعد أن يكبر لا يجوز خصيه.
ومما يحرم غرز الدودة بنحو إبرة ليصاد بها السمك وهي حية لأن في ذلك تعذيبًا لها.
كذلك من معاصي اليد المثلة بالحيوان، ومعنى المثلة تقطيع الأجزاء وتغيير الخلقة لأن في ذلك تعذيبًا له فلا يجوز فقأ عينه أو قطع رجله أو يده أو أنفه أو أذنه أو نحو ذلك حتى لو كان هذا الحيوان مما يسن قتله كالخنزير والقرد [وأما تشريح البهائم للدراسة وهي حية بعد تخديرها فإن كانت غير مأكولة مما يجوز قتله ولا تتعذب بذلك فيجوز].
قال المؤلف رحمه الله: واللعب بالنرد وكل ما فيه قمار حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب [هو عظم كعب من الغنم يرمى إلى عظام كثيرة مصفوفة]، واللعب بآلات اللهو المحرمة كالطنبور والرباب والمزمار والأوتار.
الشرح أن من محرمات اليد اللعب بالنرد وهو المسمى بالنردشير وهو نسبة لأول ملوك الفرس لأنه أول من وضع له، قال عليه الصلاة والسلام: «من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه» رواه مسلم [في صحيحه]، والمعنى في تحريـمه أن فيه حزرًا وتخمينًا فيؤدي للتخاصم والفتن التي لا غاية لها ففطم الناس عنه حذارًا من الشرور المترتبة عليه.
ويقاس على النرد كل ما كان مثله أي كل لعبة كان الاعتماد في لعبها على الحزر والتخمين لا على الفكر والحساب فهي حرام فخرج الشطرنج فإنه ليس في معناه لأن العمدة فيه على الفكر والحساب قبل نقل الأدوات، وكل ما يروى في النهي عنه فهو غير ثابت، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره «لم يثبت في الشطرنج عن النبي صلى الله عليه وسلم شىء»، وكذلك ما ورد عن علي رضي الله عنه في ذمه فهو غير ثابت، وقياسه على النرد ممنوع للفرق بينهما إذ هو موضوع لصحة الفكر وصواب التدبير ونظام السياسة فهو معين على تدبير الحروب والحساب، والنرد موضوع لما يشبه الأزلام.
ويلتحق بالنرد في الحكم اللعب بالأوراق المزوقة [وهي المعروفة في بعض البلاد اليوم بورق الشدة] المسماة بالكنجفة أو الكمنجفة فإنها إن كانت بعوض فقمار والقمار من الكبائر وإلا فهي كالنرد الذي ورد النهي عنه بوجه الإطلاق من غير تعرض للمال، وكذلك اللعب بما فيه قمار وصورته المجمع عليها أن يخرج العوض من الجانبين كأن يتفق اثنان على أن الذي يربح منهما في هذه اللعبة من الآخر يدفع له الآخر مبلغ كذا.
قال المؤلف رحمه الله: ولمس الأجنبية عمدًا بغير حائل أو به بشهوة ولو مع جنس أو محرمية.
الشرح أن من معاصي اليد لمس الأجنبية أي غير المحرم وغير الزوجة عمدًا بغير حائل مطلقًا أي بشهوة أو بغير شهوة، كذا مع اختلاف الجنس وذلك حرام مع اتحاد الجنس إذا كان بشهوة كرجل مع مثله وامرأة مع مثلها ولو مع محرمية كأخته لقوله صلى الله عليه وسلم في أثناء حديث «واليدان زناهما البطش» رواه مسلم [في صحيحه]، والبطش هنا معناه العمل باليد كما قال الفيومي في المصباح المنير وهو من كتب اللغة قال «بطشت اليد إذا عملت فهي باطشة»، ومعنى البطش المشهور هو الأخذ بعنف وهو المراد في قول الله تعالى ﴿وإذا بطشتم بطشتم جبارين﴾ [سورة الشعراء/130]. والأخذ بيد الأجنبية أو غيرها من جسمها بلا حائل أو بحائل مع الشهوة حرام. وكذلك يحرم على المرأة مصافحة الصبي الذي بلغ حدا يشتهى فيه بالنسبة لأهل الطباع السليمة وإلا فإلى أن يبلغ سن المراهقة. والمراهق هو الذي قارب البلوغ كابن ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنةً. وكذلك يحرم على الأجنبي مصافحة الصبية إن كانت تشتهى وإلا فيحرم عليه مصافحة المراهقة.
ومن ضلالات طائفة نبغت في هذا العصر تسمى حزب التحرير تحليل مصافحة الرجل المرأة الأجنبية اجتهادًا منهم مع وجود هذا النص، وبهذا ينادون على أنفسهم بالجهل العميق بأمور الدين، وقد صارحني بعضهم بقوله: هذا اجتهاد منا، فقلت له: تجتهدون مع النص فسكت ولم يرد جوابًا. ومما يدل على حرمة مصافحة الرجل المرأة الأجنبية قوله عليه الصلاة والسلام «إني لا أصافح النساء» رواه البيهقي [في السنن الكبرى]. والحديث الآخر الذي رواه الطبراني [في المعجم الكبير] وهو «لأن يطعن أحدكم بحديدة في رأسه خير له من أن يمس امرأةً لا تحل له» وهذا الحديث إسناده جيد.
فإن احتج بعضهم بحديث عمر بن الخطاب أنه ذهب إلى نساء الأنصار فقال أنا رسول رسول الله فقلن مرحبًا برسول رسول الله فمددن أيديهن ومد يده فهذا كان من باب الإشارة فقط، وليس فيه أنه صافحهن كما يدعي جماعة حزب التحرير.
قال المؤلف رحمه الله: وتصوير ذي روح.
الشرح أن من معاصي اليد تصوير ذي روح سواء كان مجسمًا أو منقوشًا في سقف أو جدار أو ورق أو منسوجًا في ثوب أو غير ذلك، وهذا متفق عليه في المذاهب الثلاثة المذهب الحنفي والمذهب الحنبلي والمذهب الشافعي بل يحرم في المذهب الشافعي تصوير ذي روح ولو بهيئة لا يعيش عليها الحيوان أما اقتناؤها وهي على هذه الهيئة فيجوز عندهم. وأباح المالكية تصوير ذي روح إذا لم يكن مجسمًا وفي ذلك فسحة للناس لأنه في هذا الزمن كثر اقتناء الصور. أما الصور المجسمة التي تقوم بنفسها إن كانت معمولةً من خشب أو حديد أو نحو ذلك فهي حرام بالاتفاق في الشريعة المحمدية، لكن تصوير ذي روح لا لعبادته كان جائزًا في شرع من قبل سيدنا محمد، وأما تصبير [أي تحنيط] الطيور ونحوها فجائز.
روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم» أي صورتم. وروى البخاري أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المصورين.
وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة».
فالصورة إن كانت على هيئة يعيش بها الحيوان تمنع دخول ملائكة الرحمة ولو كانت في صندوق داخل البيت إلا إذا كانت على نحو بساط يداس. أما الملائكة الكرام الكاتبون فيدخلون لأنهم لا يفارقون الشخص إلا عندما يكون في بيت الخلاء أو في حالة الجماع ومع هذا يعلمون ما يفعل هذا الشخص بإعلام الله لهم في الوقت الذي يفارقونه فيه. وأما الصلاة في غرفة فيها صور حيوانات كاملة في خزانة بحيث لا ترى فهذه لا تمنع الثواب في الصلاة أما من كانت أمامه أو ينظر إليها فهذا مكروه في الصلاة بخلاف انعكاس الصورة في المرءاة فلا يؤثر أما إن انشغل بها فمكروه.
وأما الاحتفاظ بصور المشايخ والتبرك بها فهو بدعة قبيحة بخلاف التبرك بصورة الشعرة النبوية الشريفة وصورة قبره الشريف فإنه أمر حسن لا بأس به. وأجاز بعض المالكية بيع الصورة المعمولة من الحلوى لتؤكل.
وصرح الشافعية بجواز استبقاء الصورة إذا كانت على أرض أو بساط يداس ونحوهما من كل ممتهن، وكذلك نصوا على جواز استبقاء الصورة التي تكون في الدرهم والدينار والفلس وسائر ما يعد ممتهنًا.
ويستثنى من تحريـم صور الحيوانات لعب البنات الصغار، وصرح المالكية بجواز شراء ذلك للبنات الصغار. أما الصبي فيمنع من اللعب بها ولو بكى لأجل ذلك.
ويشترط لتحريم استبقاء الصورة أن تكون الصورة بهيئة يعيش عليها الحيوان.
وقول بعض الشافعية بأن المذهب القائل بجواز ما ليس مجسمًا مذهب باطل، مردود لأن ذلك ما عليه جمهور المالكية وهو مذهب القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم.
فائدة في كتاب الآداب الشرعية ما نصه «وقال الشيخ وجيه الدين ابن المنجي: فأما صور الأشجار والتزويقات والتماثيل [ولا يراد به المجسم إنما صور الأشياء] فمباح وقال ابن أبي موسى: يكره أيضًا فإن قطع رأس الصورة أو صور جسدها دونها جاز مع الكراهة، فإن كانت الصور في الحيطان والستور المعلقة والأسرة والسقوف كرهت، وإن كانت في البسط وما يداس ويمتهن فغير مكروهة، ذكره أصحابنا رحمهم الله» اهـ.
ثم قال: «وقال في المحرر: يجوز افتراش ما فيه صورة حيوان وجعله وسائد» اهـ.
ثم قال: «وسأله المروزي عن الرجل يدعى فيرى الكله فكرهها وقال: هي من الرياء والسمعة ولا يجوز تحريق الثياب التي عليها الصور ولا المرقومة التي تصلح بسطًا».
[فائدة بلاد الشام بعضها بالقوة دخلها الإسلام وبعضها صالحو على الجزية قبل القتال. أهل بيت المقدس نصارى القدس صالحوا على الجزية أيام عمر وفي خلال تلك المدة التي زار فيها عمر فلسطين النصارى دعوه إلى مأدبة طعام إلى داخل الكنيسة فلم يوافق على حضور دعوتهم بل قال «إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل»، على هذا بقي بيت المقدس إلى أن هاجمت النصارى من إنكليز وفرنسيين وألمان وغيرهم بيت المقدس فاحتلوه تسعين سنةً، فحاربهم صلاح الدين فأخرجهم. الآن الوهابية تقول صلاح الدين كافر لأنه أشعري عقيدته عقيدة أهل السنة وهم الكفار.]
قال المؤلف رحمه الله: ومنع الزكاة أو بعضها بعد الوجوب والتمكن، وإخراج ما لا يجزئ أو إعطاؤها من لا يستحقها.
الشرح أن من معاصي اليد التي هي من الكبائر منع الزكاة أي ترك دفعها أو إعطاء بعضها وترك بعض، وتأخير إخراجها بعد وقت الوجوب والتمكن من إخراجها بلا عذر شرعي، ولا يجوز لمن وجبت عليه قبل رمضان كشهر رجب أو شعبان مثلًا أن يؤخر إلى رمضان، وليس رمضان موسمًا لإخراج الزكاة بل موسمها وقت حولان الحول. وكثير من الناس يؤخرون زكواتهم إلى رمضان وهذا حرام من الكبائر. الزكاة كالصلاة لا يجوز تأخيرها عن وقتها.
وكذلك دفع ما لا يجزئ إخراجه ولو كان أكثر قيمةً من المجزئ، ويجوز إخراج القيمة عند الإمام أبي حنيفة وعليه عمل الناس اليوم.
وكذلك يحرم إعطاؤها من لا يستحقها كإعطائها للجمعيات التي تصرف الزكاة في غير مصارفها، وأما إن وكل المزكي جمعيةً يثق بأنها تصرف الزكاة في مصارفها كان ذلك جائزًا.
وتضييع الزكاة من الكبائر وقد صح في الحديث أن لاوي الصدقة أي مانعها ملعون على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن حبان [في صحيحه].
فائدة روى البخاري في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ءاتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ الآية [سورة ءال عمران/180].
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني [في فتح الباري] في شرح هذا الحديث: والمراد بالشجاع وهو بضم المعجمة ثم جيم الحية الذكر وقيل الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس، والأقرع الذي تقرع رأسه أي تمعط لكثرة سمه، وفي تهذيب الأزهري سمي أقرع لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حتى تتمعط فروة رأسه، وقال القرطبي: الأقرع من الحيات الذي ابيض رأسه من السم ومن الناس الذي لا شعر برأسه، قوله «له زبيبتان» تثنية زبيبة بفتح الزاي وموحدتين وهما الزبدتان اللتان في الشدقين يقال تكلم حتى زبد شدقاه أي خرج الزبد منهما، وقيل هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وقيل نقطتان يكتنفان فاه، وقيل هما في حلقه بمنزلة زنمتي العنز، وقيل لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل نابان يخرجان من فيه، قوله «يطوقه» بضم أوله وفتح الواو الثقيلة أي يصير له ذلك الثعبان طوقًا، قوله «ثم يأخذ بلهزمتيه» فاعل يأخذ هو الشجاع والمأخوذ يد صاحب المال كما وقع مبينًا في رواية همام عن أبي هريرة الآتية في ترك الحيل بلفظ لا يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه قوله «بلهزمتيه» بكسر اللام وسكون الهاء بعدها زاي مكسورة وقد فسر في الحديث بالشدقين وفي الصحاح: هما العظمان الناتئان في اللحيين تحت الأذنين وفي الجامع: هما لحم الخدين الذي يتحرك إذا أكل الإنسان، قوله «ثم يقول أنا مالك أنا كنزك» وفائدة هذا القول الحسرة والزيادة في التعذيب حيث لا ينفعه الندم وفيه نوع من التهكم.
قال المؤلف رحمه الله: ومنع الأجير أجرته.
الشرح أن من معاصي اليد التي هي من الكبائر ترك إعطاء الأجير أجرته، وقد صح الحديث القدسي «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي العهد ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» [أخرجه البخاري في صحيحه]، ومعنى خصمته أنه مغلوب لا حجة له. ومعنى أعطى بي العهد أي أعطى العهد باسمي كالذي يبايع إمامًا ثم يتمرد عليه كالذين غدروا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه من الخوارج وغيرهم بعد أن بايعه المهاجرون والأنصار في المدينة.
قال المؤلف رحمه الله: ومنع المضطر ما يسده، وعدم إنقاذ غريق من غير عذر فيهما.
الشرح أن من معاصي اليد التي هي من الكبائر منع المضطر ما يسده أي ما يسد حاجته، والمراد بالمضطر المضطر بالجوع ونحوه أي الذي أشرف على الهلاك من الجوع أو العطش أو البرد مثلًا. ثم لا فرق في المضطر بين القريب وغيره، ويشمل الذمي أيضًا ويشمل المضطر من اضطر لكسوة يدفع بها الهلاك عن نفسه ومن اضطر لطعام يدفع به الهلاك عن نفسه، والمعنى أنه يجب على غير مضطر إطعام المضطر حالًا وإن كان المالك يحتاجه بعد.
ومن معاصي اليد أيضًا عدم إنقاذ غريق معصوم، وذلك واجب على كل من قدر على دفع الضرر ولا إثم على من هو غير قادر، حتى لو كانت التي تغرق امرأةً مسلمةً وكان في إنقاذ الرجل لها مسا ليدها ورجلها ونحو ذلك فيجوز له ذلك للضرورة. ومثل الغريق ما أشبهه.
قال المؤلف رحمه الله: وكتابة ما يحرم النطق به.
الشرح أن من معاصي اليد كتابة ما يحرم النطق به كالغيبة، قال الغزالي في بداية الهداية «لأن القلم أحد اللسانين فاحفظه عما يجب حفظ اللسان منه من غيبة وغيرها، فلا يكتب به ما يحرم النطق به من جميع ما سبق» اهـ. وأما لعذر شرعي فيجوز غيبة المسلم كأن أراد شخص أن يخطب امرأةً وكنت تعلم أن هذا الإنسان خبيث مفسد وجب عليك أن تبين لأهل البنت أن فيه كذا وكذا من الفساد فتقول هذا يشرب الخمر مثلًا أو من عادته أنه يضرب النساء من دون سبب شرعي فإذا سكت فعليك ذنب، وكذلك إذا كان شخص يعمل منكرًا وأنت لا تستطيع أن تمنعه ويوجد شخص إذا أخبرته يستطيع أن يمنعه وجب عليك أن تذكر لذلك الشخص ليقطعه عن المنكر.
قال المؤلف رحمه الله: والخيانة وهي ضد النصيحة فتشمل الأفعال والأقوال والأحوال.
الشرح أن من معاصي اليد الخيانة (سواء كانت بالقول أو بالفعل أو بالحال) قال الله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [سورة النساء/58] فالآية وإن كان نزولها في مفتاح الكعبة فهي عامة في جميع الأمانات.
وتطلق الأمانة على ما يستأمن الناس بعضهم بعضًا عليه من نحو الودائع، وتطلق على ما ألزم الله تعالى عباده من نحو الغسل من الجنابة، وتشمل الأمانة ما يأتمن الرجل عليه أجيره من العمل وما يأتمن عليه الزوج زوجته في بيته بأن لا تخونه في فراشه أو ماله، قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» [أخرجه البخاري في صحيحه] وروى الإمام أحمد [في مسنده] وابن حبان [في صحيحه] من حديث أنس «لا دين لمن لا عهد له ولا إيـمان لمن لا أمانة له»، أي لا يكون من لا يحافظ على الأمانة مؤمنًا كاملًا ولا يكون دين من لا عهد له كاملًا مع إضاعة العهد.