الخميس يناير 29, 2026

#68 -1-5 سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام

الحمد لله الذي خلق الأشكال والألوان ولا شكل ولا لون له، والذي خلق الجهة والمكان ولا جهة ولا مكان له، سبحانه الأعلى من كل شيء قدرا، والأكبر من كل شيء عظمة وعزة وعزا، سبحانه غني عن العالمين ولا يشبه المخلوقين، والصلاة والسلام على خاتم وأفضل الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد الصادق الأمين، الذي جاء بدين الإسلام كسائر إخوانه النبيين. أما بعد موضوعنا اليوم عن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام. هو سليمان بن داود وينتهي نسبه إلى يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وهو أحد أنبياء بني إسرائيل، وقد رزقه الله تعالى النبوة والملك وأعطاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فكان ملكه واسعا وسلطانه عظيما. وذكر اسم سليمان عليه السلام في القرءان الكريم في ست عشرة ءاية وفي سبع سور. وكان نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام أبيض جسيما، كثير الشعر، يلبس من الثياب البياض ورث الملك عليه السلام وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة وقد كان مع حداثة سنه من ذوي الفطانة والذكاء وحسن التدبير والسياسة، وقد منحه الله تبارك وتعالى منذ صباه الذكاء والحكمة وحسن القضاء، فقد كان أبوه في أيام ملكه يشاوره في أموره مع حداثة سنه لحكمته وفطانته. وقام سليمان عليه السلام بعمارة بيت المقدس تنفيذا لوصية أبيه داود عليه السلام بعد أربع سنين من توليه الملك وأنفق في ذلك أموالا كثيرة وانتهى من بنائه بعد سبع سنين، وأقام السور أيضا حول مدينة القدس. ولما انتهى سليمان من تجديد بناء بيت المقدس، بنى الهيكل أي القصر الملكي وقد أتم بناءه في مدة ثلاث عشرة سنة، وكان لسيلمان عليه السلام اهتمام عظيم بالإصلاح والعمران وكان له أسطول بحري كبير وله عناية كبيرة بالخيل يروضها. أكرم الله تعالى عبده ونبيه سليمان عليه السلام بنعم كثيرة وخصه بمزايا رائعة كانت عنوانا للعظمة والمجد ومظهرا من مظاهر الملك العظيم والجاه الكبير والدرجة العالية عند الله سبحانه، فقد فضله الله تعالى بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإنس، وأعطاه الله عز وجل علما بالقضاء. وقد علمه الله تعالى منطق الطير ولغته وسائر لغات الحيوانات فكان يفهم عنها ما لا يفهمه سائر الناس، وكان يتحدث معها أحيانا كما كان الأمر مع الهدهد والنمل، وقد سخر الله تبارك وتعالى لنبيه سليمان عليه السلام الريح فكانت تنقله إلى أي أطراف الدنيا شاء. وكانت الريح تقطع به أول النهار مسيرة شهر، وبعد الظهر مسيرة شهر. ويقال إنه كان لنبي الله سليمان عليه السلام بساط مركب من أخشاب بحيث أنه يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرحال وغير ذلك من الحيوانات والطيور، فإذا أراد عليه السلام سفرا أو قتال أعداء من أي بلاد الله شاء، حمل هذه الأشياء كلها على هذا البساط وأمر الريح فدخلت تحته فرفعته وسارت به مسرعة بإذن الله إلى أي مكان شاء بمشيئة الله تعالى وقدرته. ومن نعم الله تبارك وتعالى على سليمان عليه السلام أن سخر له الجن ومردة الشياطين يغوصون له في البحار لاستخراج الجواهر واللآلئ ويعملون له الأعمال الصعبة التي يعجز عنها البشر، كبناء الصروح الضخمة والقصور العالية. وقد جعل الله تعالى لنبيه سليمان عليه السلام سلطة عالية على جميع الشياطين من الجن يسخر من يشاء منهم في الأعمال الشاقة، ويقيد من يشاء في الأغلال ليكف شرهم عن الناس. ومن نعم الله تعالى على سليمان عليه السلام أن أسال له عين القطر وهو النحاس المذاب، فكان النحاس يتدفق رقراقا مذابا لسليمان عليه السلام كتدفق الماء العذب، فيصنع منه سليمان عليه السلام ما يشاء من غير نار وكانت تلك العين في بلاد اليمن. ومن نعم الله تعالى على سليمان عليه السلام أن جنده كان مؤلفا من الجن والإنس والطير، وكان سليمان عليه السلام قد نظم لهم أعمالهم ورتب لهم شئونهم، فكان إذا خرج خرجوا معه في موكب حافل مهيب يحيط به الجند والخدم من كل جانب، فالإنس والجن يسيرون معه سامعين مطيعين خاضعين، والطير بأنواعها تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش نقباء ورؤساء يديرون وينظمون الفرق في عرض رائع وموكب ملكي حافل لم تر العين مثله، وهذا كله من فضل الله تعالى على عبده ونبيه سليمان عليه السلام الذي كان عبدا مطيعا أوابا داعيا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وكان من عباد الله الشاكرين. نقف هنا الآن لنحدثكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى عما حصل مع سليمان في وادي النمل فتابعونا وإلى اللقاء.