الأربعاء يناير 28, 2026

17- غزوة بني النضير

في السنة الرابعة للهجرة دعا رسول الله عشرة من أصحابه الكرام بينهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وغيرهم للذهاب معه حيث يقيم يهود بني النضير. ولما قدم النبي إلى بني النضير وأخبرهم حاجته قالوا وهم يظهرون البشاشة ويضمرون الحقد والكيد: نعم يا أبا القاسم نعينك ما أحببت بما طلبته منا، استرح إلى هذا الجدار وأمهلنا قليلا حتى نأتي بما تريد، وجلس رسول الله يتفيء إلى الجدار وحوله أصحابه الكرام ينتظرون ما وعدوا به، أما بنو النضير اليهود فسرعان ما ألف الشر بين جموعهم داخل بيوتهم وأقبلوا على بعضهم يتآمرون ويحض بعضهم بعضا على الكيد برسول الله غير مبالين بما أعطوه من وعود وعهود بعدم إيذائه. وفكروا سريعا وتناقشوا فقد اعتبروا هذا الأمر فرصة ذهبية لهم إذ ليس مع النبي جماعة كثيرة وأصحابه الذين معه لم يحملوا سلاحهم وقالوا لئن قتلتموه لتستريحن وتستريح العرب من هم ناصب ولئن أفلت منكم اليوم فلن تنتصروا عليه أبدا. من منكم يقوم في قتله؟ فقام خبيث منهم يأكل الغيظ قلبه واسمه عمرو بن جحاش وقال أنا لذلك، فنزل سيدنا جبريل عليه السلام وأخبر النبي بكيدهم فقام الرسول فانصرف مع أصحابه فصعد عمرو إلى سطح الدار الذي كان يتفيء رسول الله عند جدارها وحمل صخرة كبيرة ليرميها عليه لكنه وجد الرسول وأصحابه قد انصرفوا فخاب كيد المجرمين وكان واحد من بني النضير واسمه سلام بن مشكم قد نهاهم عن الغدر بالنبي لأن هذا نقض للعهد معه فلم يبالوا بكلامه ثم أمر النبي أحد صحابته الأجلاء وهو محمد بن سلامة بأن يذهب مع جماعة وينذر بني النضير بالخروج من ديارهم وترك أوطانهم وإلا فالحرب قد أججت نارها وسيلاقون قتالا شديدا. أدرك بنو النضير عاقبة فعلتهم وقاموا ليتهيأوا للخروج فقد أحسوا بخطورة الوضع إلا أن رأس المنافقين في المدينة المنورة عبد الله بن أبي بن سلول أتاهم خادعا إياهم يثبتهم ويحرضهم على عدم الخروج ويعدهم بأنه سينصرهم وجماعته ويدافع عنهم، فقويت عند ذلك نفوسهم الخبيثة وأرسل زعيمهم حيي بن أخطب إلى النبي يخبره أنهم لن يتركوا أرضهم وهم مستعدون لقتاله وقتال أصحابه فلما رأى رسول الله عنادهم وتكبرهم تهيأ لحربهم وأمر المسلمين بالخروج إليهم وسار حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال وأمر بقطع نخيلهم وإحراقه لإظهار قوة المسلمين وإرعاب الكافرين واستعد هو وأصحابه للهجوم الأخير وعندما رأى المنافقون ما يحل ببني النضير تراجعوا عن وعدهم ونصرهم وولوا الأدبار وقالوا لا طاقة لنا بقتال محمد، وألقى الله تعالى الرعب في قلوب اليهود وخرج فرسانهم فأوقع بهم سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ضربا وطعنا مع أصحاب له وقتل زعيمهم عزوك ثم قام الزبير بن العوام رضي الله عنه باللحاق بمن هرب منهم وأجهز عليهم ثم شدد المسلمون الحصار على اليهود فارتعبوا وخافوا ولما علا لهيب النيران التي تحرق نخيلهم لم تعد لديهم ركب تحملهم فاستسلموا واستسلم زعيمهم حيي بن أخطب فأمرهم رسول الله بأن يخرجوا بأمان ويأخذوا ما حملت إبلهم من أموال إلا السلاح فخرج اليهود مذلولين منكسرين متوجهين إلى خيبر بعد أن حوصروا وخاب مكرهم وخاب معهم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام بألسنتهم وقلوبهم على خلاف ذلك. وانتصر رسول الله بفضل الله ومنه وارتفعت راية التوحيد خفاقة في الأعالي وكان من نتائج انتصار المسلمين أن أسلم اثنان من بني النضير هما سعد بن وهب ويامين بن عمير بن كعب الذي أرسل شخصا قتل ذاك اليهودي الذي حاول رمي الحجر على رسول الله وقتله. وهكذا ورغم كثرة أعداء الإسلام وكثرة ما يحاك من المؤامرات ضد هذا الدين الحنيف نصر الله المسلمين على أعدائهم وكانت كلمة الله هي العليا.