الأربعاء فبراير 18, 2026

 8 معركة القادسية ومقتل رستم

الحمد لله مكون الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان والصلاة والسلام على خير إنسان محمد عليه الصلاة والسلام. أما بعد سار سعد بالجيوش وبلغه في الطريق أن المثنى قد توفي من جراحته. وكانت جموع المثنى سبعة ءالاف ولحقه الأشعث بن قيس ومعه ثلاثون ألفا، فعبأ سعد الكتائب والطلائع ورتب الأمراء وجعل على كل عشرة عريفا، ورتب المقدمة وتوجه بالعساكر كلها حتى أتى القادسية فوصلت أخبارهم كسرى يزدجرد، وأرسل سعد نفرا من العسكر فقدموا على يزدجرد فأحضرهم وقال لترجمانه: سلهم ما جاء بكم وما حملكم على غزونا، أمن أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فتكلم النعمان بن مقرن بعد أن استأذن أصحابه وقال ما معناه: إن الله تعالى قد رحمنا وأرسل إلينا رسولا صفته كذا وكذا يدعونا إلى الإيمان والإحسان، ويعد الطائعين بالجنة، فأجابه قوم وتباعد عنه قوم، ثم أمرنا بأن نجاهد من خالفه من العرب، فدخلوا معه على وجهين مكره وطائع حتى إذا اجتمعنا عليه وعرفنا فضل ما جاء به أمرنا بجهاد من يلينا من الأمم ندعوهم إلى الإنصاف. فقال يزدجرد: لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، فإن كان بكم جهد أعطيناكم قوتا وكسوة وملكنا عليكم ملكا يرفق فيكم. فقال له قيس بن زرارة: اختر إما الجزية عن يد وأنت صاغر أو السيف، وإلا فنج نفسك بالإسلام. فقال يزدجرد: لو قتل أحد الرسل لقتلتكم، ثم استدعى بحمل من تراب، وقال لأصحابه حملوه لسيدهم، ثم قال للنعمان ومن معه: ارجعوا إلى صاحبكم وأعلموه أني مرسل رستم حتى يدفنكم أجمعين في خندق القادسية ثم يدوخ بلادكم على زعمه. فقام عاصم بن عمر فقال: أنا سيدهم وجعل التراب على عنقه ورجع إلى سعد وقال: أبشر يا سعد فقد أعطانا الله تراب أرضهم. سار رستم إلى ساباط ومعه من الجنود نحو مائتي ألف وثلاثة وثلاثون فيلا فنزل القادسية بعد ستة أشهر يماطل خوفا وكسرى يزدجرد يحثه على السير، وأرسل رستم إلى زهرة بن حوية فوقف معه وعرض له بالصلح وقال رستم: كنتم جيراننا نحسن إليكم ونحفظكم، فقال زهرة: قد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا دعانا إلى دين الحق فأجبناه، فقال رستم: وما دين الحق؟ فقال زهرة: الإسلام، قال رستم: فإن أجبنا إلى هذا ترجعوا؟ فقال: إي والله. وكان يزدجرد قد رتب عساكره بين المدائن والقادسية لتأتي إليه أخبار رستم، واصطف المسلمون وأشرف سيدنا سعد على الجنود وخطبهم وحثهم على الجهاد وذكرهم بوعد الله. وكان ذلك في المحرم سنة أربع عشرة، ثم أمر بقراءة سورة الأنفال فنزلت السكينة على المسلمين. فلما فرغ من قراءة السورة قال: الزموا مواقفكم فإذا صليتم الظهر فإني أكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا وأتموا عدتكم، فإذا سمعتم الثالثة فكبروا ونشطوا الناس، فإذا سمعتم الرابعة فازحفوا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما كبر سعد الثالثة هاج الناس وبرز الأبطال الشجعان، ثم كبر سعد الرابعة وزحف المسلمون مكبرين ودارت رحى الحرب واشتدت أصوات الفيلة ووقعت الصناديق عنها وهلك من كان عليها ودام ذلك إلى الليل. فلما أصبحوا دفنوا القتلى وسلموا الجرحى إلى النساء، فلما انتصف النهار زحف الناس ودارت رحى الحرب إلى نصف الليل وقتل عامة رؤساء الفرس فأصبحوا في اليوم الثالث على مواقفهم، واشتد القتال واختلط المسلمون بالعدو وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد وهبت رياح النصر فانقلب سرير رستم فقام من سريره يستظل بظل بغل فضربه هلال بن علقمة وقتله وجره من رجله وصعد على السرير ينادي: “قتلت رستم، ورب الكعبة، إلي، إلي”، فكبروا تكبيرة واحدة وجزوا رأسه وطافوا به فانهزم قلب العدو وتفرقوا، وأخذ ضرار بن الحطاب بن مرداس الفهري راية كسرى وأمر سعد القعقاع وشرحبيل بأن يتبعوا العدو، وكتب سعد إلى أمير المؤمنين يبشره بالفتح العظيم وأقام المسلمون بالقادسية في العراق ينتظرون أمر أمير المؤمنين. وهكذا نصل إلى نهاية حلقتنا هذه لنحدثكم في الحلقة القادمة من سلسلة مختصر سيرة الخلفاء الراشدين عن فتح بلاد فارس فتابعونا وإلى اللقاء.