الأربعاء يناير 28, 2026

الإيمان بالقضاء والقدر

– معنى القدر لغة:

قال ابن منظور في “لسان العرب” [1] نقلا عن صاحب “التهذيب” عن الليث: “القدر القضاء الموفق، يقال: قدر الإله كذا تقديرا، وإذا وافق الشئ الشئ قلت: جاءه قدره، ابن سيده: القدر والقدر القضاء والحكم وهو ما يقدره الله عز وجل من القضاء ويحكم به من الأمور.

والقدر كالقدر وجمعهما جميعا أقدار، وقال اللحياني: القدر الاسم، والقدر المصدر.

وقدر الله عليه ذلك يقدره ويقدره قدرا وقدرا وقدره عليه وله” انتهى باختصار.

وفي “القاموس” [2] للفيروزابادي: “القدر محركة: القضاء والحكم، ومبلغ الشئ ويضم كالمقدار والطاقة كالقدر فيهما، جمع: أقدار، والقدرية جاحدو القدر، وقدر الله تعالى ذلك عليه يقدره ويقدره قدرا وقدرا وقدره عليه وله”.

– معنى القضاء لغة:

قال ابن منظور في “لسان العرب” [3]: “القضاء: الحكم. وقد تكرر في الحديث ذكر القضاء وأصله القطع والفصل، يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاض إذا حكم وفصل، وقضاء الشئ إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه فيكون بمعنى الخلق. وقال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشئ وقيامه، وكل ما أحكم عمله أو أتم أو ختم أو أمضي فقد قضي. قال: وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث، ومنه القضاء المقرون بالقدر والمراد بالقدر التقدير وبالقضاء الخلق كقوله تعالى: {فقضاهن سبع سموات} [سورة فصلت/12] أي خلقهن، فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر” اهـ.

وفي “القاموس” [4]: “القضاء ويقصر: الحكم، قضى عليه يقضي قضيا وقضاء وقضية وهي الاسم أيضا، والصنع والحتم والبيان” اهـ.

– معنى القضاء والقدر شرعا:

قال العلامة الهرري [5]: “القدر هو تدبير الأشياء على وجه مطابق لعلم الله الأزلي ومشيئته الأزلية فيوجدها في الوقت الذي علم أنها تكون فيه، أي إيجاد الله الأشياء على حسب ما سبق في علمه الأزلي وإبرازها في الوجود على حسب مشيئته الأزلية يسمى قدرا، ويقال بعبارة أخرى: القدر هو جعل كل شئ على ما هو عليه.

وليعلم أن القدر يطلق ويراد به صفة الله أي التدبير ويطلق ويراد به المقدور أي المخلوق، وهذا هو المقصود بحديث جبريل “وبالقدر خيره وشره” لأن المقدور هو الذي يوصف بالخير والشر” اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” ما نصه [6]: “القدر مصدر تقول قدرت الشئ بتخفيف الدال وفتحها أقدره بالكسر والفتح قدرا وقدرا إذا أحطت بمقداره والمراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل حادث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين” اهـ.

وقال الخطابي [7]: “قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، وليس الأمر في ذلك على ما يتوهمونه وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها” اهـ.

ثم قال: “والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله عز وجل: {فقضاهن سبع سموات} [سورة فصلت/12] أي خلقهن، وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها [8] واللائمة تلحقهم عليها [9].

وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه، وإنما كان موضع الحجة لآدم على موسى صلوات الله عليهما أن الله سبحانه إذ كان قد علم من ءادم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك” اهـ.

– معنى الإرادة والمشيئة:

قال الفقيه الشيخ عبد الله الهرري في كتابه “الدليل القويم” ما نصه [10]: “اعلم أن الإرادة وهي المشيئة واجبة لله تعالى، وهي صفة أزلية أبدية يخصص الله بها الجائز العقلي بالوجود بدل العدم وبصفة دون صفة وبوقت دون وقت. وبرهان وجوب الإرادة لله أنه لو لم يكن مريدا لم يوجد شئ من هذا العالم، لأن العالم ممكن الوجود، فوجوده ليس واجبا عقلا، والعالم موجود، فعلمنا أنه ما وجد إلا بتخصيص لوجوده وترجيح له على عدمه، فثبت أن الله تعالى مريد شاء، ولا يجوز عقلا عدم شمول إرادة الله لبعض الممكنات. ثم الإرادة تابعة للعلم، فما علم الله وقوعه فقد أراد وقوعه، وكل ما علم الله عدم وقوعه لم يرد وقوعه أي لم يشأ.

ثم الإرادة بمعنى المشيئة عند أهل الحق شاملة لأعمال العباد جميعها الخير منها والشر، فكل ما دخل في الوجود من أعمال الشر من كفر أو معاص فبمشيئة الله وقع وحصل، وهذا كمال في حق الله تعالى، لأن شمول القدرة والمشيئة لائق بجلال الله، فلو كان يقع في ملكه ما لا يشاء لكان ذلك دليل العجز والعجز مستحيل على الله، وليست المشيئة تابعة للأمر بدليل أن الله تعالى أمر إبراهيم بذلح ولده إسماعيل ولكنه لم يشأ ذبحه” اهـ.

الهوامش:

[1] لسان العرب: مادة ق د ر [5/74].

[2] القاموس: مادة ق د ر [ص/591].

[3] لسان العرب: مادة ق ض ى [15/186].

[4] القاموس: مادة ق ض ى [ص/1708].

[5] انظر كتابه “الشرح القويم” [ص/227-228]، ط4.

[6] فتح الباري [1/118].

[7] معالم السنن [4/297].

[8] أي بأفعالهم.

[9] على اختيارهم.

[10] الدليل القويم [ص/57-58].