سئل الشيخ: قول بعضهم كانت الحياة بسيطة في زمن الرسول ﷺ أما الآن فتعقدت فلا بأس بأن نصلي الصلوات الخمس في الليل دفعة واحدة؟
قال الشيخ: هذا اجتهاد في غير محل الاجتهاد فهو مردود، ما اتفق عليه الصحابة فلم يختلفوا فيه إحداث خلاف فيه ضلال، كذلك إذا حدثت حادثة بعد عصر الصحابة فاتفق المجتهدون فيها على وجه فإحداث قول بعد ذلك يناقض هذا الاتفاق والإجماع فهو ضلال، وهكذا، أما إذا الصحابة فيما بينهم أحدهم قال بحادثة من الحادثات بقول أداه اجتهاده إليه وقال صحابي ءاخر بقول ءاخر أداه اجتهاده إليه هذا لا يعاب، مثال ذلك أبو بكر رضي الله عنه في خلافته حدثت حادثة لم تحدث في عصر الرسول ﷺ وهي أن رجلا توفي وترك إخوة له وجدا هذه ما حصلت في أيام رسول الله ﷺ ولا القرءان نص عليها أن الجد والإخوة يشتركان في الإرث ولا أن الإخوة يحرمون ويأخذ الجد المال ما ورد هذا في نص القرءان ولا في نص حديث رسول الله ﷺ فاجتهد أبو بكر واجتهد غيره فكان اجتهاد أبي بكر أن الجد مثل الأب فكما أن الأب يحرم الإخوة من الإرث فالجد يحرم الإخوة فلا يشاركونه هكذا اجتهاد أبي بكر، وذهب ءاخرون كعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت إلى أنهم يشاركون الجد، الجد ليس مثل الأب سواء، الجد لا يحرم الإخوة بل يشاركونه هكذا اجتهاد علي وزيد، ثم الأئمة الأربعة الذين جاؤوا بعد الصحابة قسم منهم وافق اجتهاد أبي بكر وقسم منهم وافق اجتهاد علي، هذا وأشباهه لا يعاب.
قال الشيخ: اختلاف الأئمة أئمة الاجتهاد فيه نفع لأن الناس أحوالهم شتى، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ، هو لو لم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ في هذه المسائل ما اختلف هؤلاء، هؤلاء كل منهم يدلي إلى قول صحابي، الشافعي إذا اختلف عن أبي حنيفة يدلي إلى قول صحابي كذلك مالك كذلك أحمد بن حنبل، فالصحابة اختلفوا في فروع الأحكام فجاء هؤلاء على حسب اختلافهم.
وكان قبلا أئمة مجتهدون غير مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة، كان الأوزاعي مجتهدا كان الناس على مذهبه في هذا البر حتى في المغرب مائتي سنة كانوا على مذهبه ثم انقرض أتباع مذهبه، الآن لا يعرف كتاب في الدنيا من تأليف الأوزاعي، ما عثرنا على كتاب يقال عنه هذا تأليف الأوزاعي الذي يبين مذهبه، كذلك سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وكذلك مجتهدون ءاخرون انقرضت مذاهبهم لم تعرف، الأوزاعي كان في عصر أبي حنيفة كان في المائة الثانية.
كثير من العلماء قالوا: «لا تخلو الأرض من قائم لله بحججه» أي: من مجتهد.
قال رسول الله ﷺ: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» رواه الطبراني وأبو داود والبيهقي. الآن نحن أكملنا رأس القرن الرابع عشر والله أعلم من هو مجدد هذا القرن.
سئل الشيخ: هل يجوز لنا أن نتبع الأسهل من كل إمام؟
قال الشيخ: اختلف الفقهاء هل يجوز للمرء أن يتتبع الرخص أي يأخذ الأسهل من كل مذهب قال بعضهم يجوز وقال بعض لا يجوز، لكن القول الصحيح قول الذين قالوا يجوز.
قال الشيخ: يجوز للمقلد تقليد غير إمامه ما لم يخرج من الإجماع.
قال الشيخ: الفتوى تكون إما للمجتهد وإما لمن يكون حافظا للمذهب وإلا لا يكون مفتيا يكون ناقلا.
قال الشيخ: ما أجمع عليه المجتهدون فهو حجة.
قال الشيخ: سبب وجود هذه المذاهب الأربعة أن ليس في القرءان والحديث نص على جميع المسائل التي يحتاج إليها أفراد البشر، فكان المسلم في حياة رسول الله إذا حدثت له حادثة يذهب إلى رسول الله ﷺ ليأخذ حكم الله فيها أو يذهب إلى من يلازم رسول الله ﷺ من أصحابه فلما توفي رسول الله ﷺ اختلف الناس في فهم بعض الآيات التي تحتمل وجهين فقال فيها بعض الصحابة قولا رءاه صوابا وقال ءاخرون غير ذلك مما رأوه صوابا ثم عمل كل بما رءاه صوابا ولم يعب هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء على هؤلاء، ثم جاء بعد الصحابة أناس تعلموا منهم العلم فاختلفوا في مسائل فقال كل على حسب اجتهاده من غير أن يخرجوا عن جملة أقوال الصحابة في اجتهادهم ثم جاء بعد هؤلاء أناس تلقوا العلم عن هؤلاء فاختلفت أفهامهم أيضا فقال بعض بما يراه صوابا وقال بعض غيرهم بخلاف ما رأى هؤلاء وحصل مثل ذلك فيمن بعد هؤلاء وحصل لأهل كل قرن الاختلاف فيما اختلف فيه من قبلهم، وحصل بينهم اختلاف في مسائل جديدة لم تحدث لأهل القرن الذي قبلهم فاجتهدوا فيها فاختلفوا في اجتهادهم كما اختلف من قبلهم، مثال ذلك أنه حدث بعد الرسول ﷺ وفاة بعض الأشخاص عن إخوة وجد فاجتهد أبو بكر فرأى أن يورث الجد ويحرم الإخوة لأنه رأى أن الجد بمعنى الأب كما أنه لا ترث الإخوة مع وجود الأب قال كذلك لا ترث الإخوة مع وجود الجد، ورأى زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب خلاف هذا الاجتهاد فقالا بمشاركة الإخوة للجد في الإرث، ثم من جاء بعد الصحابة اختلفوا في هذه المسألة فوافق اجتهاد بعض اجتهاد أبي بكر ووافق اجتهاد الشافعي اجتهاد زيد وعلي وكان هناك أناس مجتهدون غير هؤلاء الأربعة الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل لكن أولئك المجتهدين لم تدون اجتهاداتهم بل انقرضت بانقراض أصحابها والآخذين بها بخلاف هؤلاء الأربعة فإن مذاهبهم لم تندرس بل بقيت متداولة بين أتباعهم فظهر هؤلاء الأربعة فصار المسلمون منتسبين إلى هؤلاء الأربعة، بعض منهم إلى أبي حنيفة وبعض إلى مالك وبعض إلى الشافعي وبعض إلى أبي حنيفة، ولو بقيت المذاهب الأخرى مدونة لجاز الأخذ بها لكن هؤلاء الأربعة صار لهم هذا الحظ وهو بقاء مذاهبهم متداولة فلا يوجد اليوم مذهب مدون هو اجتهاد أحد من الصحابة ولا ممن جاء بعدهم من التابعين وأتباع التابعين وأتباع الأتباع وتابعي التابعين وغيرهم.
سئل الشيخ: كيف يختلف اجتهاد المجتهدين؟
قال الشيخ: الأطباء ءاراؤهم تختلف والمهندسون كذلك.
قال الشيخ: الضرورات لها أحكام، المتقدمون تكلموا قالوا في أمرها إن الضرورة لها أحكام، حكم خاص، حتى قالوا من جملة ما ذكروا من الضرورات أنه إذا كان إمام المسلمين في حالة يخاف على نفسه وعلى المسلمين الهلاك لعدم قوة يقاوم بها الكفار يجوز له أن يستسلم، أي: أن يكف عن قتالهم، هذا معنى الاستسلام، لو كان بدفع المال للكفار وشبه هذا.
هم المتقدمون تكلموا فيه والشرع أعطى ذلك بطريق الإشارة لا بطريق التصريح، إمام المسلمين الخليفة إذا وجد نفسه لا طاقة له لقتال الكفار وخاف إن تمادى على قتالهم أو أقدم على قتالهم أن يهلك ويهلك المسلمون يجوز له الاستسلام ولو أدى ذلك لدفع المال لهم. المجتهدون أخذوا هذا الحكم من قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} هذه الآية وأشباهها تعطي هذا الحكم الذي صرح به جماعة المذاهب الأربعة، هذا من جملة الاجتهاديات التي قالها من مضى والمراد بإيراد هذه المسألة عن المجتهدين الأولين ذكر أشياء قد يضطر إليها من سيأتي بعدهم من المسلمين ولو لم يكونوا هم في عصورهم بتلك الحال.