سئل الشيخ: يقال للتقريب هذا رأس زيد لا هو عينه ولا هو غيره، لتقريب مسألة أن صفات الله ليست عينه ولا غيره؟
فقال الشيخ: ذكر أهل الحق مسألة تقريب وهو أنهم قالوا: الواحد من العشرة لا هو عين العشرة ولا هو غير العشرة، كذلك نقول: لله تعالى صفات أزلية لا هي عينه ولا هي غيره، لأنه لو قيل هذه الصفات غيره بمعنى أنها شيء يصح بعد انفكاكه عن الله أن يوجد بدون الله أو أن يوجد الرزاق بدونه أو توجد الصفة بدون الذات فحينئذ يكون قولا بتعدد الآلهة، أما والحال أننا نقول لله صفات لا هي عين ذاته ولا هي غير ذاته فلا يلزم ذلك، لا يلزم ما ذهب إليه أهل الاعتزال.
فقال الشيخ: لا يقال، هذا التعبير غلط، نقول شاء الله بمشيئته الأزلية أو نقول شملته مشيئة الله، شملته قدرة الله، أما «شاءت مشيئة الله» لا يقال لأن المشيئة هي صفة قائمة بذات الله أي ثابتة بذات الله، المشيئة ليس لها مشيئة والقدرة ليس لها قدرة، بعض الناس يقولون: «شاءت قدرة الله» وبعض الناس يقولون: «شاءت المقادير» ونحو ذلك من العبارات (وهذا لا يقال).
فقال الشيخ: العلة عندهم مثل حركة الإصبع، حركة الإصبع علة لحركة الخاتم، لأن حركة الخاتم تتبع حركة الإصبع.
فقال الشيخ: معناه من حيث المفهوم ليست عين الذات، عندما تسمع «علم الله أو قدرة الله أو حياة الله أو كلام الله» هل تفهم عين الذات، أليس هنا مفهوم يفهم عند ذكر هذه الصفات، هذا معنى ليست عين الذات، ليست عين الذات أي من حيث المفهوم، تفهم شيئا ليس عين الذات عندما يقال: «علم الله، سمع الله، بصر الله، كلام الله» تفهم شيئا ليس عين الذات هذا معنى قولهم: «صفات الله ليست عين الذات»، وأما قولهم: «وليست غير الذات» معناه: ليست شيئا مغايرا للذات يصح أن ينفك عن الذات أي أن يوجد بدون وجود الذات.
فقال الشيخ: كفر، هذا مثل ما يدعيه المعتزلة. ألا يكتفون بقول: «علم الله تعالى صفته قائمة بذاته» أي: ثابتة لذاته لا تفارقه لا يصح أن تفارقه.
فقال الشيخ: أهل السنة اختلفوا فيها، يقولون هل وجود الله عين ذاته أم صفة زائدة على الذات لا بمعنى أنها طرأت على الذات بعد أن لم تكن، لا؛ بل بمعنى ءاخر، هذا قاله بعض الأشاعرة لأن الوجود صفة نفسية، وقال بعضهم وهم الأقل إن وجوده عين ذاته تعالى. (وأما من يفهم من هذه العبارة أن الله والعالم شيء واحد فهو كفر صريح).
سئل الشيخ: يقصدون بالوجود ذات الذات؟
فقال الشيخ: يقصدون وجود الله.
فقال الشيخ: يجوز إنما المراد بالقول «من غضب الله» أي: من أثر غضب الله ليس معناه من صفة الله التي هي ذاتية، صفة الغضب التي هي صفة ذاتية لله، إنما المعنى إذا قلنا: «نعوذ بالله من غضب الله» أي: من الأشياء التي هي أثر، أي: نعوذ بالله مما حرم الله، هذا معناه، لأن الحرام هو سبب العذاب، فالذي يقول: «أعوذ بالله من غضب الله» معناه أعوذ بالله من أن ألتبس بالحرام الذي هو سبب عذاب الله، هذا معناه، ليس معناه أنه يستعيذ من صفة الله التي هي غضبه، تلك صفة أزلية أبدية لا تفارق ذات الله.
قال الشيخ: يقال لهم: من خصائص الألوهية أن لا يكون لأحد سوى الله خلق شيء من الأشياء، لا حركة ولا سكون ولا اعتقاد ولا إدراك، لا يخلق أحد سوى الله شيئا من ذلك، فمن هنا وجب علينا أن نجعل الله تعالى منفردا بخلق أعمال عباده الاختيارية وغيرها، فالخروج من ذلك وتفسير الأمر بجعل بعض بخلق العباد وبعض بغير خلق العباد هذا نفي للألوهية لأن معنى الألوهية خلق الأشياء كلها، أي أن كل شيء سوى هذا الخالق وجد بخلقه، الأعيان والحركات والسكنات والنوايا كل ذلك بخلقه يحصل، ولا يحصل شيء من ذلك بدون خلقه، فمن اعتقد أنه يحصل شيء من ذلك بدون خلقه بل بخلق العبد فقد نفى ألوهية الله، وهو كالذي نفى خلق جميع الأشياء عن الله.
ثم إذا قال قائل: «إذا كان الأمر هكذا أليس معنى ذلك أن العباد ليس لهم فعل بالمرة؟»، نقول: ليس الأمر كذلك، نجد فارقا ضروريا نشعر به بين الحركتين الحركة الاختيارية للعبد والحركة الاضطرارية كحركة الرعشة، نجد فارقا بين هذه الحركة وهذه الحركة، فلا يجوز أن نقول العبد ليس له فعل بالمرة كما تقولون أنتم يا جبرية، جعلتم الإنسان نظرا لهذا كما يقال: سال الوادي وجرت الريح، سلبتم العبد الفعل بالمرة، غاية هذا ضلال، لأن الصواب أن نجعل فارقا بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية للعباد مع نفي الخلق عن العبد لشيء من هذه الحركات والسكنات والنوايا والاعتقادات والإدراكات، هذا الفارق لا يجوز إلغاؤه لأنه أمر يقضي به الحس فيكون إنكاره مكابرة للواقع، خروجا عن الاعتراف بالواقع.
قال الشيخ: قولنا: «الإنسان له أعمال اختيارية» وقولنا: «إن الإنسان لا يخلق شيئا من أعماله الاختيارية ولا غير الاختيارية»، قولنا: «الإنسان لا يخلق شيئا من أعماله الاختيارية فضلا عن الاضطرارية»، وقولنا: «إن الإنسان مكتسب» لا يتنافى، لأن المؤدى الذي ينتهي إليه هو أن الإنسان لا يحدث شيئا من العدم إلى الوجود، هذا الذي ننفيه عن الإنسان، أما أن يكون للإنسان ميل لبعض أعماله ولا يكون له ميل لبعض أعماله هذا شيء يشهد به الحس والعيان والوجدان، فهذا الفارق يكفينا لإثبات هذا وإثبات هذا، ثم الله تبارك وتعالى منفرد بخلق كل شيء من أعيان وحركات وسكنات وهذا شيء يوجبه الشرع والعقل، لأنه لو كان للإنسان أن يحدث شيئا من أعماله من العدم إلى الوجود لكانت ألوهية الله تعالى قاصرة عن هذا الشيء وهذا لا يصح في العقل أن يكون خالق العالم قاصرا عن خلق شيء من الأشياء.
قال الشيخ: هذا الكلام تلقاه كثير من العلماء بالإنكار، هذا الكلام يوجد في بعض الكتب المنسوبة لبعض من عرفوا بالتصوف، وهو فيه بعد عن الحقيقة، إنما بعض العلماء أولوه تأويلا ودافعوا عنه، وهو موجود في كتاب «إحياء علوم الدين»، فالعلماء اختلفوا في هذه الكلمة فمنهم من اعتبرها ضلالا ومنهم من أولها تأويلا، فهي ليست مستحسنة لأن معناها على الوجه المتبادر إلى الأذهان أن الله تعالى ليس في قدرته أن يخلق أحسن من هذا العالم وهذا لا يجوز اعتقاده في حق الله تعالى، فيه نسبة العجز، هذا الكلام فيه ما فيه، فهذه العبارة التي يقولونها لا وجه لها. كان في الإمكان العقلي أن يخلق الله تعالى الإنسان على أحسن من هذا الشكل.
من هداه سبل الخير اهتدى | ناعم البال ومن شاء أضل |
ما كل إنسان الله تعالى خلقه على شكل واحد، هذا الاختلاف فيه زيادة فائدة للمخلصين الذين أخلصهم الله ونجاهم من هذه الضلالات، لأنهم حين يتركون هذه الأقوال الفاسدة والأعمال الفاسدة لأهلها ويسلمون هم زادوا رفعة عند الله، فمن اتبع وحي الأنبياء ولم يزغ عنه هذا فطوبى له يزداد درجات بتحرزه وتجنبه هذه الضلالات التي تحدث ويتورط فيها غيره.
قال الشيخ: الله تبارك وتعالى جعل خلقه على أشكال وألوان لنزداد علما بكمال قدرته لأنه لو لم يخلق إلا صنفا واحدا لا اختلاف فيما بين أفراده لم يكن علمنا بكمال قدرته كاملا إلى هذا الحد الذي يصل إليه علمنا بكمال قدرته بعد أن علمنا اختلاف أحوال خلقه، بعد العلم بأن الله تعالى لا ينتفع بشيء ولا ينضر بشيء.
اختلاف أحوال العباد هو حتى يزيدوا في العلم بكمال قدرة الله تبارك وتعالى، لأننا حين نرى المتقابلات في خلقه نزداد علما ويقينا بكمال قدرته وشمول إرادته وعلمه.
قال الشيخ: الكسر فعل الشخص الذي فعله بواسطة الرمي بالحجر، أما الانكسار فما يحصل من الأثر في الزجاج.
وقال بعض العلماء من أهل السنة: «لا يصح رؤية الله في المنام لأن الذي يرى في المنام مثال أو خيال والله منزه عن المثال» هكذا قال بعض العلماء، هذا كلام أناس من العلماء قلة، أما الجمهور فقالوا: «تصح رؤية الله في المنام وليس لازما أنه يكون متطورا لاستحالة التغير على الله».