الثلاثاء فبراير 10, 2026

الدرس الثامن عشر
التمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة

الأحد 26/8/1983ر

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.

وبعد، فقد روينا بالإسناد المتصل في جامع الترمذي وغيره من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك من طريق سليمان بن يسار قال: قام فينا عمر بن الخطاب في الجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» الحديث.

يقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله: هذه القرون هي المئات الثلاث، فأهل هذه المدة أي الثلاثمائة أفضل ممن جاء بعدهم من أمة محمد ﷺ، من حيث الإجمال أفضل لكن ليس معناه أن كل من كان من المسلمين في ضمن الثلاثمائة أفضل من كل فرد ممن يأتي بعد ذلك، لأنه من حيث التفضيل كل قرن من هذه القرون الثلاثة كان فيهم أولياء وكان فيهم من هم دون الولاية وهم أهل الكبائر، لم يخل قرن من هذه الثلاثة من أناس كانوا من أهل الكبائر، فالصحابة لم يكن كل فرد منهم على طبقة واحدة، كان فيهم أولياء وكان فيهم من هم دون مرتبة الولاية، كذلك القرن الذي يليهم أي أهل المائة الثانية كان فيهم أولياء صلحاء أتقياء وكان فيهم من هم دون ذلك، وكذلك القرن الثالث أي أهل المائة الثالثة كانوا على طبقتين طبقة الصالحين الأولياء أحباب الله وطبقة المسلمين من أهل الكبائر، فلا ينبغي أن يفهم من هذا الترتيب في قوله ﷺ: «بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» أن كل فرد من أفراد الطبقة الأولى وهم الصحابة أفضل من كل فرد ممن جاء بعدهم. من حيث الأفراد يوجد من هم من أهل المائة الثانية من هم أفضل من بعض الصحابة، لكنه من حيث الإجمال يجب اعتقاد أن القرن الأول أي قرن الصحابة أفضل ممن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة ثم القرن الثاني، كذلك القرن الثالث أي المائة الثالثة أفضل ممن بعدهم من حيث الإجمال.

ثم اتفق المسلمون على أن أفضل الصحابة هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، في الفضل عند الله هؤلاء أفضل ممن سواهم من أفراد هذه الأمة، فإذا كانوا أفضل ممن سواهم من أفراد هذه الأمة فهم بطريق الأولى يكونون أفضل من صلحاء وخيار أمم الأنبياء السابقين، فأمم الأنبياء السابقين كان فيهم صلحاء أولياء لكنهم ليسوا بمرتبة هؤلاء الأربعة، هؤلاء الأربعة لم يسبقهم في الأمم السالفة من خيار المؤمنين من يساويهم في الفضل عند الله، هؤلاء خيار البشر وأفضلهم بعد الأنبياء على الإطلاق، وهم صديقون. كبار الأولياء يقال لهم صديقون، لا يأتي بعدهم مثلهم ولم يسبقهم مثلهم في أولياء الأمم السالفة كأمة موسى عليه السلام. أمة موسى كانوا أكثر أفرادا من حيث العدد ممن اتبع غيره من الأنبياء. أتباع المسيح عيسى عليه السلام كثرة لكن ليسوا بنسبة من اتبع موسى عليه السلام على شريعته، فأكثر الأنبياء أتباعا بعد سيدنا محمد ﷺ هو موسى عليه السلام ثم بعده عيسى عليه السلام لأن عيسى كان أتباعه إلى مائتي سنة، كانوا على هدي المسيح، على سيرة المسيح، كانوا متمسكين بالإيمان بالله ورسوله ومتمسكين بالإنجيل الأصلي الحقيقي، كانوا متمسكين بشريعة الإنجيل. الإنجيل كان فيه مواعظ وفيه أحكام ليس المواعظ فقط، أما الزبور كان أمثالا، كان مواعظ وعبرا، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} [المائدة: 44]. كثير من الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام كانوا متقيدين بالتوراة لم ينزل عليهم شرع جديد إلا شرع موسى، كان يوحى إليهم، لكن لم ينزل عليهم حكم جديد غير حكم التوراة، غير شريعة التوراة.

فقول الله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله} دليل على أن التوراة كان فيها حكم، حتى إنه كان فيها حكم الرجم أي للزاني المحصن، أي: أنه يقتل رجما بالحجارة، وكان فيها أحكام كثيرة، هذا الدليل قوله تعالى: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا} أي: الذين أوحي إليهم بعد موسى عليه السلام. وأول نبي أوحي إليه بعد موسى بالنبوة مع التقيد بشريعة التوراة هو يوشع بن نون عليه السلام، وكان هو فتى موسى أي خادمه الذي ذكر في القرءان في سورة الكهف، هذا نبي الله يوشع بن نون عليه السلام هو أول أنبياء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، كان يحكم بالتوراة، فهذا الدليل القرءاني على أن التوراة كان فيها أحكام لم تكن تبشيرا بالجنة وذكر صفاتها وتخويفا من النار وذكر أهوالها فقط، لا؛ بل كانت تشتمل على أحكام حتى إنه كان فيها «النفس بالنفس»، القصاص، كان فيها أحكام القصاص «النفس بالنفس والعين بالعين» {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين} [المائدة: 45] كتبنا عليهم فيها أي في التوراة أن النفس بالنفس.

وأما الدليل القرءاني على أن الإنجيل الأصلي كان فيه أحكام فهو قول الله تعالى: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} [المائدة: 47] يخبرنا القرءان أن الله تعالى أمر، ألزم، فرض على أتباع المسيح الذين كانوا في الماضي أن يحكموا بالإنجيل الذي أنزله الله تعالى، أن يحكموا بالأحكام التي أنزلها الله تعالى في الإنجيل، أي أنه كان فرضا عليهم أن يحكموا بما أنزل الله من الأحكام في الإنجيل، فعلمنا بهذا أن الإنجيل كان كتابا يحتوي على الأحكام، لم يكن كتابا فيه مواعظ وتبشير بالجنة للمؤمنين وإنذار وتخويف للمكذبين فقط، لا؛ بل كان في الإنجيل أحكام، لذلك الله تعالى أمرهم بأن يحكموا بالأحكام التي كانت في الإنجيل، ثم كل هذا بعدما أنزل الوحي على محمد ﷺ انتسخ، أي: لا يعمل إلا بالحكم الذي ينزله الله على محمد ﷺ.

الأحكام التي كانت في الكتابين ثم نسخت بالقرءان لا يعمل بها لكن كان العمل بها واجبا قبل النسخ، هذا معنى النسخ، ومعنى النسخ رفع حكم شرعي سابق بحكم شرعي لاحق، فالله تبارك وتعالى جعل محمدا خاتم النبيين أي لا ينبأ بعده أحد لذلك جعل شرعه ناسخا لشرع من قبله، أي: أن الله أنزل فيه أحكاما جديدة فيها رفع بعض الأحكام السابقة لشريعة موسى ولشريعة عيسى، حتى شريعة عيسى كان فيها نسخ لبعض ما أنزل على موسى.

في شريعة موسى وعيسى لم يكن أن المسلم إذا دخل وقت الصلاة ولم يجد الماء يتيمم بل ينتظر الحصول على الماء فإذا حصل على الماء توضأ وصلى، أما في الشريعة المحمدية الله تعالى أنزل حكما جديدا وهو التيمم، من فقد الماء يستعمل التراب، وكذلك لو وجد الماء وكان لا يستطيع أن يستعمله لعذر فيه. موسى وعيسى وإبراهيم عليهم السلام كل كان الوضوء في شرائعهم. وكذلك القصاص كان مشروعا في شريعة موسى وعيسى عليهما السلام.

فالرسول ﷺ أوصى بالتمسك بهؤلاء القرون الثلاثة، أهل المائة الأولى ثم أهل المائة الثانية ثم أهل المائة الثالثة. أخبر رسول الله ﷺ بأنه «سيأتي زمان القابض فيه على دينه كقابض على جمر» وهذا الحديث صحيح رواه الطبراني. وهناك حديث أيضا صحيح وهو أن الرسول ﷺ قال لأبي ثعلبة الخشني: «مروا بالـمعروف وانهوا عن الـمنكر حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فإذا كان ذلك فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة فإن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين» رواه البزار والترمذي، هذان حديثان.

هذا الحديث الأخير يبين أن الذي يصبر ويثبت على ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ أي من حيث المعتقد ومن حيث العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي من يقوى على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع ما يقاسيه من الناس من الاضطهاد والمخالفات والاعتراضات والمشقات يكون له أجر من كان يعمل بتلك الحال أي حالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منكم، يكون له أجر خمسين منكم. أليس يصعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقتنا هذا من ذلك الوقت.

اليوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صعب صعب صعب. فالذي يقوم اليوم مع صحة الاعتقاد بالأمر بالمعروف والنهي عن المكر ولا يقصر بل يقوم بذلك كما أمر الله ولا يخاف في الله لومة لائم، لا يبالي إن عاداه قريبه أو صديقه أو غير ذلك من الناس، هذا له من أجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أجر خمسين من أولئك الصحابة، ليس معناه أنه يكون أفضل من خمسين منهم. من جاء بعد الصحابة أعجب إيمانا من الصحابة لأن الصحابة شاهدوا معجزات وشاهدوا الوحي والتنزيل، وأما م، جاؤوا بعد ذلك فآمنوا بما ءامن به الصحابة هؤلاء أعجب إيمانا.

ثم إن بعض الناس لفساد أفهامهم يقولون: «هو أثبت لنفسه الجلوس على العرش والتحيز في الجهة الفوقانية كيف ننفي»، فنحن نرد عليهم ونقول: هو ما أثبت لنفسه ذلك، هو أثبت لنفسه أنه علي، والعلي هو من العلو، والعلو على وجهين علو قدر وعلو المكان، وعلو المكان ليس مما يليق بالله تعالى، إنما الذي يليق بالله علو القدر، لو كان الشرف والشأن العظيم في علو المكان لكان الكتاب الذي ورد في صحيح البخاري أنه موضوع فوق العرش مكتوب فيه: «إن رحمتي غلبت غضبي» لكان ذلك الكتاب أفضل من سائر خلق الله من الأنبياء والملائكة، لأنه ما ورد في الحديث أن من الملائكة من هم مسكنهم فوق العرش، على ظهر العرش. والأنبياء ولدوا فلي هذه الأرض وعاشوا فيها ودفنوا فيها إلا من كان خلق في الجنة وهو ءادم، ءادم تربته من هذه الأرض التي نحن عليها كن رفعت إلى الجنة فعجنت بماء الجنة فخلق منها ءادم هناك، ثم أنزل إلى الأرض فصارت الأرض هي مستقره حتى مات ثم دفن كما يدفن غيره من البشر.

الشأن في علو القدر ليس في علو المكان، فذات الله تبارك وتعالى بالنسبة إلى جميع الأماكن لا تختلف النسب إليه. نحن نقول إن ءادم هو أول النوع البشري لم يأت قبله من النوع البشري أحد، ليس الأمر كما يذكر في بعض الكتب المؤلفة باسم التصوف من أنه كان قبل ءادم مائة ألف ءادم فهذا الكلام كذب لا أساس له، وكذلك ما يذكر أنه كان في هذه الأرض بشر قبل ءادم يعيشون فأفسدوا وسفكوا دماء بعضهم فأهلكوا ثم خلق الله ءادم هذا الذي هو نبي رسول هذا أيضا غير صحيح. أما أنه كان أسبق وفاة على كل فرد من أفراد أولاده فلم يرد عن رسول الله ﷺ في ذلك شيء، فيحتمل أن يكون قتل قابيل لهابيل في حياة ءادم ويحتمل أن يكون ذلك حدث بعد وفاة ءادم، هذا لم يرد فيه حديث صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة.

فالحاصل: أن الله تبارك وتعالى لـما ذكر أنه مستو على العرش لم يقل إني جالس لم يقل لنا الرحمن على العرش استوى استواء جلوس ولا قال لنا استواء استقرار ولا قال لنا استواء محاذاة، فنحن نقول لهؤلاء: كيف تقولون إن الله أثبت لنفسه الجلوس على العرش أو الاستقرار فوق العرش أو أنه محاذ للعرش، أين أثبت لنفسه؟! أثبت لنفسه أنه استوى على العرش ولغة العرب في الاستواء لها معان عديدة، يقال: استوى على كذا بمعنى سيطر وقهر، ويقال: استوى على السرير بمعنى جلس، ويقال في اللغة: استوى الشيء بمعنى تم، فأين قال الله تعالى إني مستو على العرش استواء جلوس؟! وأين قال الله تعالى إني مستو على العرش استواء استقرار؟! وأين قال الله إني مستو على العرش استواء محاذاة؟!

فنحن نؤمن أن الله مستو على عرشه لكن لا كاستواء المخلوقين لأنه إن فسرناه باستواء كاستواء المخلوقين الجلوس والاستقرار أو المحاذاة نكون خالفنا قوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ليس كمثله شيء فيه تنزيه مطلق لله تبارك وتعالى عن مشابهة خلقه، فالجلوس والاستقرار من صفات البشر، فإن فسرنا قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] بهذا لوقعنا في تكذيب قوله: {ليس كمثله شيء} لأننا وصفناه بما هو من صفات البشر، والإمام أبو جعفر قال: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر»، هؤلاء قاسوا الخالق على أنفسهم، فكما أن لهم مكانا يستقرون فيه ويلامسونه جعلوا الله كذلك ففسروا الآيات التي هي ليست نصا في هذه المعاني التي هي من معاني البشر بما هو نص أنه من معاني البشر. حتى إن بعض المموهين قالوا عن الله: «جلس لا كجلوسنا»، فماذا ينفعهم قولهم: «لا كجلوسنا»؟! الجلوس جلوس، في لغة العرب لا يقال جلوس إلا لتماس جسمين، حتى إنه لا يقال في لغة العرب جلوس إلا لتماس جسمين أحدهما له مقعدة، له نصف أعلى ونصف أسفل، وهذا من صفات البشر فكيف يوصف الله بهذا.

فالعرب جاهليتهم ومسلموهم يقولون استوى على كذا بمعنى سيطر وقهر والقهر من صفات الله، هو وصف نفسه بأنه قهار. نحن نؤول تأويلا إجماليا لمن يفهم، نقول له: الله استوى على عرشه بلا كيف، معناه لا تعتقد أنه جلوس أو استقرار أو محاذاة، لأن معنى بلا كيف معناه ليس كاستواء المخلوقين، لأن استواء المخلوقين كيف، الجلوس كيف والاستقرار كيف والمحاذاة كيف. وأما الذي لا يفهم التنزيه إذا قيل له بلا كيف نقول استوى أي قهر.

هذا الزمن الذي نحن فيه هو الذي قال عنه الرسول ﷺ بقوله: «يأتي زمان القابض فيه على دينه كقابض على جمر» رواه الطبراني.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا وفقهنا في الدين وزدنا علما وانفعنا بما علمتنا، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.