الثلاثاء 14/8/1984
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.
أما بعد، فإن مما أثبته الشرع الشريف من الأسباب العادية العين، الرسول ﷺ أثبت أن العين تضر أي بقضاء الله وقدره، قال بعض العلماء: إذا لم يتكلم العائن أي الشخص الذي يصيب بعينه إذا لم يتكلم بما يدل على الإعجاب بالشخص أو الشيء الذي أعجبه، أعجب نفسه، لا يحصل الضرر، إنما يحصل الضرر إذا تكلم الشخص العائن([1]).
فالعائن هو الشخص الذي يصيب بعينه أي يضر بعينه بإذن الله ومشيئته، فالذي أنكر الإصابة بالعين هذا خالف الشريعة لأن الرسول ﷺ أثبت ذلك، وفي القرءان الكريم {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر} [القلم: 51].
المعنى الكفار يا محمد يكادون أن يصيبوك أي يضروك بأعينهم أي لكن الله يحفظك، من شدة غيظهم وحسدهم لو تنفذ لهم لأكلوه بأعينهم، لأكلوا رسول الله ﷺ بأعينهم، لكن الله حفظه من أن ينضر بأعينهم مهما غضبوا منه، مهما حسدوه.
القرءان أثبت أن العين تؤثر، كذلك الرسول ﷺ قال: «العين حق فلو كان شيء سابق القدر سبقته العين» رواه البخاري ومسلم. لو كان شيء يغلب قدر الله لغلبته العين، لكن لا شيء يغلب قدر الله معناه: لا شيء يؤذي أو ينفع أو يضر إلا بمشيئة الله.
بعض المتفلسفين اليوم من العصريين ينكرون إصابة العين، هذا جهل منهم، هم على زعمهم الأشياء محصورة فيما يتوصلون إليه بإحساسهم بالحس واللمس، أما ما لا يتوصل إليه بالحس واللمس هذا غير موجود عندهم([2]).
أغلب الأوروبيين لا يؤمنون بالعين، حتى هؤلاء الدكاترة الذين يتخرجون من عندهم لا يؤمنون بالعين، وكم من مريض يعييهم علاجه يكون سببه العين لكنهم لا يعترفون، لأن أساتذتهم الذين علموهم هذا الطب لا يؤمنون بذلك فهم اتبعوهم، صاروا لا يؤمنون، وهم في ذلك على غلط، فالصحيح الذي هو موافق للواقع ما جاء عن رسول الله ﷺ، قال عليه الصلاة والسلام: «العين حق فإذا استغسلتم فاغسلوا» رواه البخاري ومسلم.
معنى (فإذا استغسلتم فاغسلوا) إذا شخص انصاب بعين ووقع عليه الضرر فليغسل الذي أصابه أطراف جسمه أي وجهه ويديه وركبتيه ونحو ذلك كهيئة الذي يتوضأ، ثم هذا الماء يؤخذ في إناء ثم يصب على المريض من خلفه، من جهة خلفه يصب الماء، ثم يرمى هذا الإناء مقلوبا، رأسه إلى الأرض وأسفله إلى فوق، فيتعافى المصاب بإذن الله.
علامة العين أن الإنسان قد يكون بحالة الصحة لا يشكو شيئا فإذا به فورا إما أن يصاب بسخونة وإما أن يصاب بوجع العين وقد يعمى، من العين يعمى كثير من الناس. هذا القارئ المشهور الشيخ محمد رفعت المصري، هذا الذي صوته حلو قيل إنه في صغره كان يمشي مع أبيه فأعجب رجل بحسن عينيه قال: هذا كأولاد الملوك، فمن هناك أصيب حتى عمي بقي أعمى عمره، وغيره وغيره خلائق فقدوا أبصارهم من إصابة العين، وأناس صاروا مفلوجين من إصابة العين وأناس ركبتهم السخونة إلى غير ذلك من أشكال وألوان من الأمراض وكلها سببها العين.
ثم سيدنا علي رضي الله عنه يروي عن رسول الله ﷺ أنه كان الحسن والحسين أصيبا بعين وكانا مريضين فالرسول ﷺ اكتأب مما أصابهما فجاءه جبريل عليه السلام فقال له: يا محمد إني أراك مكتئبا، فقال ﷺ: «إن الحسن والحسين مصابان»، فقال: عوذهما بهذا التعويذ، فقال رسول الله ﷺ: «بم أعوذهما؟» فقال له: قل: «اللهم ذا السلطان العظيم والـمن القديم ذا الرحمة الكريم، ولي الكلمات التامات والدعوات الـمستجابات، عاف حسنا وحسينا من أنفس الجن وأعين الإنس» رواه الجرجاني في الجرجانيات. فرقاهما رسول الله ﷺ بما علمه جبريل من هذا التعويذ فقاما يلعبان ما بهما شيء.
فعندما يقرأ الشخص يقرأ هذا الدعاء بدلا من أن يقول: «عاف حسنا وحسينا» يقول إن كان هو مصابا بالعين: «عافني من أنفس الجن وأعين الإنس»، وإن كان يعوذ بناته أو زوجته اللاتي أصبن بالعين فيعوذهن هكذا، كذلك إذا أصيب أولاده بالعين يعوذهم بذلك.
الرسول عليه الصلاة والسلام يروي عنه سيدنا علي أنه قال: «عوذوا بهؤلاء الكلمات أنفسكم ونساءكم وأولادكم». كثير من الأمراض التي لا يهتدي إليها الأطباء ولا يتعافى المرضى على أيديهم هي سببها العين، هؤلاء لا يؤمنون، لو ءامنوا بها لا يعرفون التعويذ الذي يزيل بإذن الله ضرر العين. فالتعويذ الذي علمه جبريل لرسول الله ﷺ فيه ثواب، فإذا حصن الشخص نفسه بهذا الدعاء قبل أن يصاب بالعين ينفعه.
ومعنى «والـمن القديم» الإحسان القديم، إحسان الله تعالى قديم أزلي، الله تعالى محسن أزلا وأبدا ولو لم يكن في الأزل مخلوق يصيبه أثر الإحسان، لكن إحسان الله صفة أزلية قديمة أبدية، هذا معنى «والـمن القديم»، المن النعمة يقال لها من، والإحسان يقال له من.
«ذا الرحمة الكريم» أي: يا ربنا الموصوف بالرحمة الذي هو كريم. «ولي الكلمات التامات» الكلمات التامات هي كلمات القرءان ألفاظ القرءان والأذكار التي يمجد الله بها ويقدس، الكلمات التامات هي الكلمات التي ما فيها نقص. «والدعوات المستجابات» هذا تفسيره ظاهر. «من أنفس الجن» معناه: الضرر الذي يصيب الإنسان بسبب الجن، «وأعين الإنس» أي: والضرر الذي يلحق بسبب أعين الإنس.
فالذي لا يصدق بوجود الإصابة بالعين فهو فاسق لكن لا نكفره إلا أن يكون إنكاره على وجه العناد، إذا أراد أن يعاند الدين فأنكر فهذا كفر، والذي ينكر وجود الجن فهو كافر، القرءان أثبت وجود الجن بالعبارة الصريحة. ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا وعافنا والحمد لله رب العالمين. والله أعلم.
([1]) انظر: أحكام القرءان، ابن العربي المالكي (61/3).
([2]) قال القاض أبو بكر بن العربي المالكي في «أحكام القرءان». «وقد اعترض على ذلك الأطباء، واعتقدوه من أكاذيب النقلة، وهم محجوجون بما سطروا في كتبهم من أن الكون والفساد يجري على حكم الطبائع الأربع، فإذا شذ شيء قالوا: هذه خاصة خرجت من مجرى الطبيعة لا يعرف لها سبب، وجمعوا من ذلك ما لا يحصى كثرة؛ فهذا الذي نقله الرواة عن صاحب الشريعة خواص شرعية بحكم إلهية، يشهد لصدقها وجودها كما وصفت، فإنا نرى العائن إذا برك امتنع ضرره، وإن اغتسل شفي معينه» اهـ.