الأحد 15/7/1984ر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى ءاله وأخوانه الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.
وبعد، روينا في مسند الإمام أحمد وفي جامع الترمذي من طريق سليمان بن يسار قال قام فينا عمر بن الخطاب في الجابية فقال قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب ويظهر فيهم السمن يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يفون فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ولا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» فعملا بوصية رسول الله ﷺ علينا بالتمسك بما كان عليه أصحابه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وعملا بوصية رسول الله ﷺ علينا بالتمسك بهؤلاء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، هؤلاء هم أهل القرون الثلاثة الأولى، قرن الصحابة أي المائة الأولى ثم قرن التابعين أي المائة الثانية ثم قرن أتباع التابعين وهو المائة الثالثة، هؤلاء شهد لهم الرسول ﷺ بالفضل لما خصوا به من بين أمته، وذكر وبين أنه بعد هذه القرون الثلاثة «يفشو الكذب» بعد هؤلاء أي يتركون الاحتياط في كلامهم على خلاف ما كان عليه أولئك أهل القرون الثلاثة الفاضلة، وذكر أنهم يهتمون للأكل حتى يظهر فيهم السمن أي من الأكل.
السمن منه مذموم ومنه ما هو غير مذموم، السمن الذي يكون من كثرة الأكل فهو مذموم، الله تعالى لا يحب ذلك، وأما السمن الذي يكون من الـمرض من البلغم هذا ليس بمذموم لأنه ليس من اكتساب قصدا لإشباع شهوة بطنه، إنما السمن المذموم هو السمن الذي يكون من كثرة الشره بأكل الطعام هذا لا يحبه الله، الرسول ﷺ ذم هذا، ذكر أن من خصال من بعد هؤلاء القرون الثلاثة أنه يكثر فيهم السمن أي يكثر المهتمون الشرهون على المآكل اللذيذة حتى يتسبب لهم ذلك بالسمن وهذا شيء يكرهه الله.
وذكر ﷺ أيضا أن ممن يأتي بعد أولئك القرون الثلاثة يكثر فيهم من ينذرون ولا يقون بنذورهم، النذر الذي مدح الله تعالى الوفاء به هو النذر الذي يكون تقربا إلى الله من غير تعليق بشيء، وكذلك النذر الذي يكون معلقا بشيء من الأمور الجائزة ليشكر الله تعالى على هذه النعمة التي يعلق نذره بحصولها إذا حصلت، إذا حصل مقصوده، يريد أن يشكر الله تعالى على تلك النعمة التي أوصلها الله إليه. هذان الصنفان من النذر محمود مرغوب في شرع الله تعالى، هذان الصنفان من النذر فيه ثواب، الصنف الأول هو الذي يقول: لله علي أن أصلي كذا من الركعات من النوافل، لله علي أن أصوم كذا من صيام النفل، لله علي كذا من صدقة النفل، هذا أحد النوعين من النذر الذي هو محبوب عند الله، والثاني هو أن يقول الرجل إن شفا الله مريضي فعلي كذا من صدقة أو صيام أو صلاة تطوع أو نحو ذلك من المبرات، هذا أيضا يحبه الله، وفي هذين الصنفين من النذر أجر للناذر، أجر له على نذره وأجر له على الوفاء بهذا النذر، له أجران، أما النذر الذي لا يحبه الله فهو النذر الذي يكون عند الغضب في حال مشاجرة مع شخص، يقول الشخص إن لم يكن الأمر كما ذكرت فعلي نذر كذا وكذا، نصرة لنفسه وما أشبه ذلك هذا يقال له نذر اللجاج هذا مكروه ما فيه ثواب ومع ذلك الشخص يطالب بأحد أمرين إما أن يفي بما نذر وإما أن يكفر كفارة يمين، هذا الذي ينذر النذر الذي هو غير محبوب عند الله وهو نذر اللجاج أي نذر الغضب، أي إذا غضب الإنسان يقول كلمة النذر لتحقيق خبره أو لمنع نفسه أو غيره من شيء، يقال نذر لجاج ويقال له نذر غضب.
سئل الشيخ: نذر ذبح الكبش ما حكمه؟
فقال الشيخ رحمه الله: هذا من جملة الصدقات، أي إن قال: «لله علي أن أذبح خروفا، لله علي أن أذبح بقرة» هذا نذر التبرر، يقال له نذر التبرر أي طلب البر. والناذر ليس له أن يأكل من نذره بالمرة ولا يطعم أولاده الأطفال منه ولا يطعم أبويه الفقيرين المحتاجين اللذين تحت إنفاقه، ليس له أن يطعم إلا الناس الغرباء الذين ليس لهم عليه نفقة وأقرباءه الذين ليس لهم عليه نفقة كإخوته البالغين.
ثم قال الرسول ﷺ في ذم من يأتي بعد هؤلاء القرون الثلاثة: «يشهدون ولا يستشهدون» معناه: قبل أن يطلبوا للشهادة عند الحاكم هم يتسرعون فيشهدون، لأن هذا هو الدليل على اتهامه لهذا الشخص وذلك لأن لهم غرضا في هذه الشهادة، فالذي يشهد لإنسان له حق عند الحاكم حتى يستوفي بهذه الشهادة حقه ينتظر حتى يطلب للشهادة لأنه إن تسرع قد يكون غير الأمر، غير الحقيقة، لأن صاحب الحق قد يكون استوفى حقه باطنا في زمن من الأزمنة ثم مع ذلك يرفع دعوى كاذبة ويكون قد استوفى حقه من الشخص المديون، فهذا الذي يتسرع بشهادته أي يشهد قبل أن يطلب يكون عونا لهؤلاء الناس المدعين الذين يدعون بغير حق.
ثم ذكر الرسول ﷺ النهي عن خلوة رجل بامرأة أجنبية أي ليست محرما له، أي يجوز أن يتزوجها، فبين لنا أن هذا وسيلة قوية للشيطان في إيقاع الفساد والمعاصي بين الرجل والمرأة، هذه الخلوة تساعد الشيطان على جرهما للمعصية، للفاحشة، أو لما هو دون الفاحشة.
الرسول ﷺ لا ينهى عن شيء إلا لحكمة ولكن هذه الحكمة قد يدركها الناس وقد لا يدركونها لكن هي في الواقع في نفس الأمر لها حكمة. وقد حصل مرة حادثة في الحبشة وهي أن رجلا من التجار يخرج من بيته ويترك ابن أخ له فلا يكون هناك إلا زوجته وهذا الشاب الذي هو ابن أخيه يتركهما، ثم ذات يوم رءاهما وجدهما على حالة سيئة ففقد رشده فقطع أذن ابن أخيه، فصار على ابن أخيه عار مستمر طول حياته، يرونه الناس فيقولون هذا قطعت أذنه لأجل كذا. وهذه الحادثة حصلت من أثر إهمال العمل بشريعة الله، الله تعالى لحكمة حرم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية.
نعود إلى مسألة الذم بكثرة الأكل، معروف عن الأنبياء وعن الأولياء أنهم يحرصون على قلة الأكل أي بحيث لا تنضر أجسادهم لأن قلة الأكل المؤدية إلى ضرر الجسم حرام، أما القدر الذي لا يؤدي إلى ضرر الجسم فهو محمود عند الله. هذه سيرة الأنبياء والصالحين في أممهم، سيدنا محمد ﷺ كان من أكبر العاملين بهذه الخصلة الشريفة، كان يقول عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ ابن ءادم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن ءادم لقيمات» أي: لا تتجاوز العشرة، «بحسب ابن ءادم لقيمات» هذا جمع قلة، جمع القلة ما دون الأحد عشر، قال: «بحسب ابن ءادم لقيمات يقمن صلبه» أي: تحفظه من سقوط قوته «فإن كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم.
هذا الرسول الكريم الذي كان يحض على هذا، على تقليل الأكل، وكان هو من أكبر العاملين بهذه الخصلة الشريفة، وقد افترى بعض الناس على رسول الله ممن يدعون الولاية والتصوف وادعى أنه نبي مصغر، هذا الرجل رجب ديب افترى على رسول الله ﷺ فقال: «كان الرسول يكثر من أكل الحلوى، يكثر من الأكل حتى صار له عكفات في بطنه وفي رقبته» أي: طيات، فهذا رجب ديب يفتري على رسول الله ﷺ الذي هو أكمل الأنبياء خلقا وخلقا بهذا الافتراء الشنيع أنه من كثرة الأكل صارت له طيات، لأن هذا الرجل معروف بكثرة الأكل والإكثار من الحلويات والدسومات.
فأكثر من يدعي الطريقة منذ زمان فاسدون، ليس منذ هذا القرن فقط بل سيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه قال عن أهل زمانه في التحذير من هؤلاء أدعياء الولاية والتصوف وهم غير صادقين في التصوف قال في نصيحته «أي بني أكثر من يدعي التصوف اليوم زنادقة وحلولية ومبتدعة» فكيف يكون حال زماننا إذا كان هو يقول هذا في القرن السادس الهجري، وكان هو توفي بعد انتصاف القرن السادس الهجري بقليل.
لنرجع إلى ما يتعلق بأول حديث عمر بن الخطاب الذي ذكره وهو قائم بين من كان معه في تلك الرحلة بالجابية، الجابية أرض من أراضي الشام، عمر بن الخطاب جاء إلى الشام على ما ثبت عنه مرة وهي رحلته إلى بيت المقدس التي حصل فيها عقد ذمة بينه وبين النصارى، كان خطب هذه الخطبة قائما بين من كان معه في أرض الجابية وذكر أن الرسول ﷺ كان فيهم ذات يوم قائما فخاطبهم بما ذكر: «أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، هذا أمر عظيم لأن من اتبع أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان فهو من الفائزين لا يخاف عليه أن يكون من الكافرين يوم القيامة من حيث معتقده ومن حيث عمله أيضا، من اقتدى بهم الاقتداء التام فهو من الفائزين لا يخاف عليه في الآخرة خسار ولا عذاب، فمن ثبت على ذلك فهو من الناجين من حيث اعتبار المعتقد، لا بد أن يدخل الجنة، أما من حيث عمله فإن كان تقصيره عما كانوا عليه من إضاعة بعض الفرائض وارتكاب بعض الكبائر فهذا أمره يعود إلى الله، إن شاء يعاقبه لما قصر فيه وإن شاء يسامحه، ولكنه مضمون له النجاة من الخلود الأبدي في النار.
فمن هنا يجب الاعتناء بالاعتقاد أكثر من غيره لأن الاعتقاد عليه صحة الإيمان والإسلام، من لم يصح اعتقاده لا يصح له إيمان وإسلام، فمن هنا نكرر مسألة خلق أفعال العباد ومسألة المشيئة، مشيئة الله، هاتان المسألتان من أهم مسائل العقيدة.
المشيئة عند العلماء تفسيرها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، هذا العالم وجد على هذا النظام، وجد على هذا النظام لأن الله شاء قبل أن يخلقه أن يكون على هذا النظام، كذلك حركات العباد واعتقاداتهم ونواياهم حصلت على أوجه وأشكال شتى، لأن الله شاء أي خصص قسما منهم أن يعملوا هذه الأعمال التي أمر الله بها وخصص قسما منهم ليعملوا الأعمال التي نهى الله عنها والتي لا يحبها، وهو في ذلك عدل ليس ظالـما ليس جائرا. هذا حاصل عقيدة الصحابة ومن تبعهم بإحسان فيلزمنا أن نثبت على هذا الاعتقاد ولا نتحول عنه إلى غيره.
وقد روى البيهقي بالإسناد أن عمر بن الخطاب كان يخطب فحمد الله وأثنى عليه وقال: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 17]»، فكان رجل من الذميين الذين دخلوا في عقد الذمة، أي: دخل في عقد الذمة التي أجراها عمر بن الخطاب لهم، كان هذا الكافر من أهل الذمة وكان أعجميا قال بلغته: إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر للترجمان: ماذا يقول؟ قال: إنه يقول إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر: «كذب عدو الله، ولولا أنه من أهل الذمة لضربت عنقه» أي: أن هذا الاعتقاد وهو اعتقاد أن الله لا يضل أحدا أي أن الإنسان يضل بمشيئته لا بمشيئة الله وأن العبد هو يخلق هذه الضلالة ليس الله خالقها، هذا الاعتقاد ضلال وكفر فلولا أنه من أهل الذمة لضربت عنقه. وكان سيدنا عمر احتج بهذه الآية {من يهد الله فهو المهتد} معناه: أن الذي شاء الله له في الأزل أن يكون مهتديا لا أحد يجعله ضالا، {ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} أي: ومن شاء الله أن يكون ضالا فلا هادي له أي لا أحد يهديه أي لا أحد يجعله مهتديا.
هذا رسول الله ﷺ أنذر قومه أول ما نزل عليه الوحي عملا بقول الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] أي: حذرهم من الكفر، فأنذر الرسول ﷺ ثم اهتدى به أناس ولم يهتد به أناس حتى من أقاربه. هذا أبو لهب وغيره لم يهتدوا، الرسول ﷺ بلغهم دعوته لكن لم يهتدوا، وأولئك الذين اهتدوا اهتدوا فما هو الموجب لذلك أن يهتدي هؤلاء ولا يهتدي هؤلاء؟ الموجب لذلك أن الله تبارك وتعالى شاء في الأزل أن يهتدي هؤلاء بمحمد ﷺ ولم يشأ أن يهتدي هؤلاء بمحمد، تنفذت مشيئة الله في الفريقين.
علي بن أبي طالب وعم الرسول العباس وعمه حمزة رضي الله عنهم اهتدوا بسبدنا محمد ﷺ أي قبلوا دعوته لأن الله تعالى شاء في الأزل أن يهتدوا، من يهد الله فلا مضل له. الله تعالى شاء لهؤلاء السعادة فلا أحد يستطيع أن يحرمهم هذا الاهتداء الذي شاءه الله تعالى، والآخرون الذين ضلوا ولم يهتدوا أي ءاثروا الاستمرار في ضلالهم ولم يقبلوا دعوة محمد ﷺ إلى الهدى، الله تبارك وتعالى لم يشأ لهم أن يهتدوا بمحمد ﷺ بل شاء لهم أن يبقوا على اختيارهم الضلال لا بمعنى أنه يحب ذلك، الله تعالى يكره الكفر والمعاصي لكن خصص هؤلاء بأن ينساقوا إلى الضلال، إلى الكفر، كما خصص أولئك بأن ينساقوا باختيارهم إلى الهدى، هذا معنى المشيئة، ليس معنى المشيئة المحبة.
بعض البشر المعجزات التي هي عيانية ما خضعوا لها ما سلموا لها تسليما، وهذا يرجع إلى مشيئة الله، المقرر أنه لا يحصل شيء إلا بمشيئة الله. فليؤمن من ءامن على هذا وليكفر من كفر فإنما ضر نفسه بكفره. الله تبارك وتعالى قال: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا} [الكهف: 29] أي: للكافرين، (فقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ليس معناه أيها الناس إن شئتم ءامنوا وإن شئتم فاكفروا فلكم ذلك وما عليكم حرج إن ءامنتم وإن كفرتم، هذا ليس معناه أنه لكم رخصة لمن شاء أن يؤمن أن يؤمن ولمن شاء أن يكفر أن يكفر، إنما تهديد وتوعد لأنه أتبعه بقوله: {إنا
أعتدنا للظالـمين} أي: للكافرين {نارا أحاط بهم سرادقها} المعنى: أن من ءامن منكم فلنفسه أي ينفع نفسه، ومن كفر فإنا أعتدنا للظالمين أي للكافرين نارا هيأنا لهم نارا أحاط بهم سرادقها، معناه أنهم محفوفون في جهنم من جميع الجهات، جهنم لها أرض مستقلة غير أرضنا هذه وغير الأرض السابعة ولها جدران حتى يقوى الحر عليهم ولها غطاء، جهنم لها سقف حتى يزداد الحر قوة).
الظالمون في القرءان في أكثر المواضع بمعنى الكافرين {إن الشرك لظلم عظيم} رأس الظلم هو الكفر.
الكافر لو لم يظلم أحدا لا في ماله ولا في بدنه لم يؤذ أحدا من البشر وعاش كل عمره على هذه الحال فهو أشد ظلما، كفره رأس الظلم، إشراكه بخالقه الذي أعطاه هذا الوجود وتكذيبه رسوله الذي أرسله هذا أكبر الظلم. كثير من الناس لا يفهمون الظلم إلا أن يظلم إنسان إنسانا في بدنه بجرحه أو بضربه أو في ماله ولم يعرفوا أكبر الظلم. {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254]. الله تعالى أفهمنا بهذه الآية وغيرها أن الكفر هو الظلم الكامل وما سوى الكفر من الظلم فهو شيء صغير شيء قليل بالنسبة للكفر {والكافرون هم الظالمون} أي: بكفرهم، أما من حيث العقل دليل أهل الحق في أن الله تعالى هو خالق أعمال العباد حركاتهم وسكناتهم وأن العباد لا يخلقون شيئا منها وأن كل الجائزات العقلية لا يجوز عقلا أن تحدث بدون مشيئة الله، صانع الكون ومكونه وخالقه الله، لأنه لو كان يجوز أن يحدث حركة أو سكون من أي مخلوق من دون خلق هذا الخالق المكون للعالم لكانت ألوهية هذا الخالق غير تامة، لأنه يلزم على ذلك أن يكون هذا مستغنيا عن الله. هذه الحركة التي تصدر من هذا العبد على قول أولئك مستغنية عن الله بدون مشيئته وقدرته حدثت، وهذا إنكار لألوهية الله لأن ألوهية الله لا تتجزأ لا تكون مقصورة على ناحية ومنتفية من ناحية أخرى؛ بل يجب عقلا أن تكون شاملة وهذا الذي عليه أهل الحق أهل السنة والجماعة.
قوله تعالى: {من يهد الله} معناه: من يخلق الله فيه الاهتداء {فهو المهتد} أي: فلا أحد يستطيع أن يجعله ضالا {ومن يضلل} أي: فمن خلق الله الضلال في قلبه {فلن تجد له وليا مرشدا} أي: لا أحد يهديه.
هذا رسول الله ﷺ ما هدى كل أقربائه الذين شاهدوا المعجزات منه إنما اهتدى به قسم منهم، وكذلك الأنبياء الذين مضوا قبله، نوح عليه السلام قليل الذين اهتدوا به من قومه، كذلك هود عليه السلام ما اهتدى به جميع الناس كذلك من جاء بعده من صالح وموسى وإبراهيم كل هؤلاء لم يهتد بهم كل من أرسلوا إليهم، أما العلاقة الظاهرية فهي شاملة. الرسول ﷺ كان هذا عمه من حيث النسب وهذا عمه، أربعة اثنان منهم اهتديا برسول الله ﷺ واثنان منهم لم يهتديا، مع أن العلاقة النسبية متساوية بين الأربعة وكل رأى منه المعجزة وكل كانوا يعرفونه أنه صادق في أقواله مهذب في خلقه، فلم لم يهتد هذان واهتدى هذان، المرجع إلى مشيئة الله.
المعتزلة يقولون عن أنفسهم بأنهم هم الـمسلمون فقط أما غيرهم فليسوا بمسلمين، الله تعالى ما شاء لأكثر الناس الاهتداء {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [هود: 17].
فلنرو ما ثبت عن سيدنا عمر رضي الله عنه
ثم روى البيهقي رحمه الله تعالى عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب كثيرا ما يقول على الـمبر:
خفض عليك فإن الأمور | بكف الإله مقاديرها |
«خفض عليك» ويروى «هون عليك» بمعنى واحد، المعنى أن ما شاء الله تعالى أن يصيبك فلا بد أن يصيبك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، معناه الله تعالى شاء كل ما أصابك، كل ما أصابك شاء في الأزل أن يصيبك، وما أخطأك لم يشإ الله تعالى في الأزل أن يصيبك، أي: أن المرجع إلى الله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هذا معنى «فليس بآتيك منهيها» معناه الشيء الذي لم يشإ الله أن يصيبك لا يصيبك، «ولا قاصر عنك مأمورها»، أما الشيء الذي شاء الله أن يصيبك فلا بد أن يصيبك ليس قاصرا عنك، «مأمور المقادير» أي: ما شاء الله تعالى أن يصيبك من المقادير لا يخطئك وأما العكس فلا يأتيك.
الأثر الثالث هو عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله»، هذا كلام سيدنا علي رضي الله عنه.
«إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه» معناه: لا يتم الإيمان في قلبه «حتى يستيقن يقينا غير ظن» أي: لا يخالجه شك بل يجزم جزما «أن ما أصابه لم يكن ليخطئه»، الرزق الذي أصابه فبمشيئة الله الأزلية لا بد أن ينال هذا العبد ذلك الرزق لأن الله شاء له، كذلك المصائب التي تصيب الإنسان لم تكن لتخطئه لأن الله شاء أن تصيبه فكيف تخطئه، من لم يؤمن بهذا إيمانا جازما غير ظن أي من غير أن يكون قابلا للتردد فهذا الإيمان لم يخلص إلى قلبه.
قال: «ويؤمن بالقدر كله» أي: لا يتم الإيمان له حتى يؤمن بالقدر أي: أن يجزم ويعتقد بأن ما يحدث في العالم ما يدخل في الوجود كله بلا استثناء شيء دون شيء فهو بمشيئة الله، المعنى أنه لا يقال إن الخيرات التي يعملها الإنسان فهي بمشيئة الله وتقديره وأن ما يعمله الإنسان من المعاصي فهو بغير تقدير الله، هذا ضلال، هذا خلاف ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه.
فالإيمان لا يثبت إلا بأن تؤمن بالأمرين أي أنه لا يحصل شر إلا بمشيئة الله ولا يحصل خير من العباد إلا بمشيئة الله الأزلية، والأعمال المكروهة التي هي دون المعصية وليست من الحسنات تحصل بمشيئة الله، المؤمن لا يفرق بين هذا وهذا إنما التفريق بينهما من ناحية أخرى، نقول الحسنات التي يعملها العباد أي: الطاعات فهي بمشيئة الله وتقديره وتوفيقه، أما المعاصي التي تحصل من العباد فتقول بمشيئة الله وتقديره لا بتوفيقه، هذا معتقد أصحاب رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
والأثر الثاني عن سيدنا علي رضي الله عنه أيضا عن الشعبي عن علي أنه خطب الناس على منبر الكوفة فقال: «ليس منا من لم يؤمن بالقدر خيره وشره»، هذا الأثر رواه عن سيدنا علي أبو حنيفة عن الهيثم عن الشعبي. الشعبي كان من جملة الذين أخذوا العلم من علي ابن أبي طالب. هذا الشعبي من أهل الكوفة وسيدنا علي كان في خلافته في الكوفة سمعه وهو على المنبر يقول هذا. الشعبي إمام مجتهد من التابعين لكن ليس من الصحابة، ما رأى الرسول ﷺ إنما رأى أصحاب رسول الله كعلي وغيره.
الفرق بين الخير والشر مما يحصل من أعمال العباد هو أن الخير بمشيئة الله وتقديره وتوفيقه، وأما الشر من أعمال العباد فهو بمشيئة الله وتقديره لا بتوفيقه، معنى «وفقك الله» يسر لك الخير، هذا معناه، يسر لك ما يحبه هذا معنى وفقك الله، ليس معنى «وفقك الله» قدر الله لك المال، هذا لا يقال له توفيق، مهما كثر الله تعالى للعبد الرزق لا يقال «وفقه»، إنما يقال: «وفقه» إذا أجرى على يده الخير أي: العمل الصالح الذي أمر الله به.
أما إذا كان الرجل موسرا بمال حلال يفرقه في مرضاة الله تعالى لوجه الله هذا يقال: «بتوفيق الله» لأن تفرقة المال الحلال لوجه الله تعالى هذا بتوفيق الله يكون، لأن هذا حسنة من الحسنات، هذا عمل صالح. وقد قال رسول الله ﷺ: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» رواه البخاري والإمام أحمد، معناه: المؤمن الذي يعمل لوجه الله في ماله الذي هو جمعه من حلال ويتصرف فيه فيما يرضي الله تعالى بوجوه التصرف هذا شيء ممدوح عند الله تعالى.
الغني الذي يكون على هذا الوجه أي الرجل الذي يجمع مالا حلالا بنية حسنة لا بنية الفخر على الناس أي يقول: «انظروا يا ناس ماذا جمعت من المال ماذا بنيت من الـمباني» بل يكسب المال من طرق حلال من غير أن يكون في نفسه الفخر والتعاظم على الناس بل ليعمل به ما يحب الله تعالى من أعمال البر والخيرات هذا نعمة نالها هذا العبد بتوفيق الله، هذا يقال فيه «الله وفقه»، أما الرجل الذي أنعم الله عليه بنعم كثيرة واسعة لكنها حرام أو بنية فاسدة يستعملها أي: ليفخر على الناس فيكون له بين الناس ظهور يشار إليه بالأصابع انظروا إلى رداء فلان انظروا إلى سيارات فلان، هذا لا يقال «وقفه الله»، هذا ليس موفقا هذا مخذول عند الله، وبالأولى إذا كان يبخل عن أداء الواجب كالزكاة ونفقة الزوجة والوالدين المحتاجين فبالأولى يكون مذموما.
إذا اجتمعت هذه الشروط جمع هذا المال من حلال ولم تكن نيته الفخر والتعاظم على الناس ثم صرفها فيما يحب الله من صلة الرحم وإغاثة الملهوفين والإنفاق على الوالدين مما هو بر لهما والإنفاق على الزوجة وأولاده ولا سيما الأطفال هذا يقال فيه «وفقه الله»، يقال: «فلان موفق» أي: أجرى الله تعالى على يده الخير، فكلمة «وفقك الله» إذا قالها الـمسلم لمسلم معناه يسر الله بيدك الخير أي: العمل الصالح، إما بنية أن يرزقه الله رزقا حلالا يسعى فيه ليستر به نفسه وأهله ويحسن إلى أرحامه وغيرهم من الـمحتاجين، على هذا المعنى المسلم يدعو للمسلم يقول: «وفقك الله» أو بمعنى جعلك الله عاملا بما يرضي الله من أداء صلوات وصيام وزكاة إلى غير ذلك من أعمال البر، كل هذا يقال بتوفيق الله، أما مجرد أن يكون الإنسان ذا سعة في المال ليس هذا توفيقا، لا يقال بتوفيق الله؛ بل يقال خذلان (إن كان يستعمله فيما لا يرضي الله)، هذا الذي جعله الله تعالى يسعى للمال بجمعه بطريق حرام للفخر والتعاظم على الناس هذا يقال مخذول عند الله.
الذي يطلب من الله أن يرزقه مالا وفيرا كثيرا حتى يعمل به في وجوه الخير من طريق حلال هذا له ثواب بنيته هذه ودعائه، ثم إذا تحقق له هذا الطلب من الله فنفذ ما كان يتمناه فله زيادة أجر، فالدعاء بكثرة المال على نية صحيحة فيه ثواب، الرسول عليه الصلاة والسلام دعا لأنس بن مالك الذي خدمه عشر سنوات، أم أنس قالت له: يا رسول الله خويدمك أنس ادع الله له، أمه سلمته لرسول الله وهو ابن عشر سنين فخدم رسول الله ﷺ عشر سنين التي أقامها بالمدينة إلى أن توفاه الله، طلبت من الرسول ذات يوم أن يدعو لأنس فقال الرسول ﷺ: «اللهم أكثر ماله وولده وأطل حياته» رواه البخاري في «الأدب المفرد»، فكان من أغنى الناس من بين أصحاب رسول الله ﷺ، صار عنده مال كثير كثير كثير بالحلال وطول الله له العمر، رزقه الله عمرا طويلا، ورزقه أولادا كثيرين أكثر من مائة ولد.
ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا وفقهنا في الدين وزدنا علما وانفعنا بما علمتنا اللهم اكفنا شر الظالمين اللهم اكفنا ما أهمنا واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا والحمد لله رب العالمين، والله أعلم.