الأحد يناير 25, 2026

الدرس الثاني

الهداية والضلالة بخلق الله تعالى

الحمد لله رب العالـمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين وسلامه عليهم أجمعين.

وبعد، فإن الله تبارك وتعالى كلف عباده بالعلم والعمل وجعل علم الدين على مرتبتين مرتبة لا يستغنى عنها أحد من المكلفين، فمن أهمل هذا القسم من علم الدين فهو ءاثم مسخوط عليه من الله تعالى حيث إنه ترك أمرا كلف به جميع المكلفين، هؤلاء فرض الله عليهم من علم الدين ما يتعلق بأصول العقيدة وما يتعلق بالأحكام، أما أصول العقيدة فأصلها المقدم معرفة الله ورسوله، ثم بعد ذلك أشياء تعد من أصول العقيدة، وأما الأحكام العملية الصلوات الخمس وصيام رمضان وما يتبع ذلك من زكاة وحج، ويتبع هذين الأصلين أحكام شرعية وهو معرفة ما يحل وما يحرم من أعمال القلوب ومن أعمال الجوارح أي العين والسمع واللسان واليد والرجلين وما يحرم أكله وما يحل.

هذا القسم من علم الدين من أهمله فقد عرض نفسه لعذاب الله، وهذا القسم من علم الدين هو الذي أراده رسول الله ﷺ بقوله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» رواه الطبراني وابن ماجه والبيهقي، وهذا الحديث يقال له حسن لغيره، عند علماء الحديث من قسم الحسن لغيره، وهو أحد أنواع الحديث التي تقوم بها الحجة وهو ءاخرها مرتبة، فإنهم اصطلحوا على تسمية الحديث صحيحا لذاته وصحيحا لغيره وحسنا لذاته وحسنا لغيره، هذا الحديث من القسم الرابع. الحاصل أن هذا الحديث حجة يحتج به لا يقال له ضعيف، يقال له ثابت يقال له حجة، فمن أهمل هذا العلم فقد أهمل فريضة من فرائض الله، أما من حصل هذا القسم من علم الدين فقد حصل الواجب من علم الدين ثم يبقى عليه العمل لأن العلم وحده لا يكفي بل نحن مكلفون بالعلم والعمل، وأما ما زاد على ذلك من علم الدين فهو القدر الذي يوصل إلى معرفة ما يحدث من الحادثات باستخراج حكمها الشرعي فهذا يسمى فرض الكفاية فهذا ليس على كل مسلم إنما يجب تحصيله على بعض المسلمين فإذا حصله بعض المسلمين سقط الحرج عن غيرهم.

فأفضل العلم الذي هو فرض عين الذي لا يسع إنسانا مكلفا جهله ما يتعلق بمعرفة الله ومعرفة رسوله، ومن أهم ما يتعلق بمعرفة الله من هذا العلم مسألة خلق الأفعال أي أفعال العباد خيرها وشرها، فأهل الحق في هذه المسألة على أن الله تعالى خالق كل أعمال العباد ما كان باختيارهم وما كان بغير اختيارهم، فكل حركات العباد وسكناتهم اختيارية كانت أو اضطرارية فهي بخلق الله أي أن الله يحدثها من العدم، والعبد مكتسب ما كان من أعماله اختياريا، أما الأفعال الاضطرارية فهي ليست باختيار العبد بل الله يخلقها من غير أن يكون للعبد فيها اختيار، هذا مذهب أهل الحق الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وهلم جرا، فمن ترك هذا واعتقد اعتقادا يخالفه فهو هالك ولا ينفعه عمل من الأعمال مهما اجتهد في العبادات والطاعات فلا يلومن إلا نفسه، كهؤلاء الذين يقولون الله يخلق الخير والشر من إبليس وأنفسنا أي أن الله لا يخلق الشر.

فأصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا في مسائل الاعتقاد إنما حصل الاختلاف بعدهم، لكنه حدث قبل أن ينقرض عصر الصحابة أناس ضلوا وزاغوا فرد عليهم من علم بذلك من أصحاب رسول الله ﷺ كعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، هذان سمعا بعض كلام القدرية أي المعتزلة وكانوا أي المعتزلة غير ظاهرين، إنما ظهر منهم فرد أو فردان فتبرءا من ذلك عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، لـمـا بلغهما شيء من ذلك أن من الناس من يقوله تبرءا من ذلك، كان حصل ذلك لعبد الله بن عباس بعدما عمي، فالناس في هذه المسألة أي مسألة خلق أفعال العباد على طرفين ووسط، الطرفان طائفتان ضالتان المعتزلة والجبرية ويقال لهم الجهمية، أما القدرية فإنهم يقولون إن العبد هو يخلق أعماله الاختيارية الله ليس له تصرف في ذلك، وأما الطائفة الأخرى فهم الجبرية المسماة بالجهمية فإنهم يعتقدون أن العبد لا فعل له ولا اختيار له بالمرة، هذان الطرفان، وأما الوسط فهم أهل السنة والجماعة أهل الحق الذين التزموا ما جاء به الأنبياء ولم يشذوا عن ذلك، فمعتقد أهل السنة والجماعة أن الله خالق كل شيء بلا استثناء، خالق أعمال العباد ما كان منها للعباد اختياريا وما كان منها اضطراريا فالله خالقه، العباد ليس لهم شيء

من خلق ذلك إنما لهم اكتساب في القسم الذي هو اختياري، حركاتنا التي هي اختيارية لنا فيها اكتساب ويقال كسب كما قال الله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] معنى ما كسبت أي ما عملته بكسبها والله خالقها، أي أن الأعمال الحسنة التي يكتسبها العباد اكتسابا أي يفعلونها باختيار منهم والله خالقها لهم في ذلك أجر {لها ما كسبت} أي أنها تؤجر على ذلك، تؤجر على ما كسبت من الخير، النفس تؤجر على ما كسبت أي من عمل الخير والطاعة، وعليها أي يصيبها وبال ما اكتسبت أي من المعصية، الله تعالى جعل كسبت للحسنات في هذه الآية و{اكتسبت} جعلها للمعاصي، معناها: أن النفس تنتفع في الآخرة بما كسبت أي من الخير وتنضر بما اكتسبت أي من المعاصي. فقول بعض الناس الله خالق للخير من أعمال العباد وليس خالقا للشر هذا ليس أمرا هينا هذا يكون إيمانا ببعض القدر وكفرا ببعض، ثم في القرءان الكريم ما يتوهم منه بعض الناس خلاف هذا المعتقد الذي هو معتقد جاء به القرءان واتفق عليه الصحابة.

بعض الناس لما يمرون بهذه الآية {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] يتوهمون أن معناها أن الخير يخلقه الله وأن الشر من خلق العبد هذا غلط منشؤه الجهل باللغة، لأن العرب أوسع اللغات فالكلمة الواحدة تأتي بمعنيين وأكثر حتى إن من الكلمات ما تأتي لواحد وعشرين معنى ككلمة المولى، كذلك الحسنة تأتي بمعنيين الطاعة يقال لها حسنة، الطاعة من أعمال الخير من صلاة وصيام وذكر لله تعالى وغير ذلك من كل ما هو من أعمال الطاعات يقال له حسنة والنعمة يقال لها حسنة، النعمة التي ينعم الله بها على عباده يقال لها حسنة، هذا كان يفهمه عرب الجاهلية الذين كانوا حين نزول القرءان يعرفون هذا الإطلاق أي أن الحسنة تطلق على عمل الخير وأنها أيضا تطلق على النعمة، الرخاء وسعة الرزق هذا عندهم يسمى خيرا، فهذه الآية جاءت على هذا المعنى الثاني. {ما أصابك من حسنة} أي من نعمة {فمن الله} أي من فضل الله عليك {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي وما أصابك من مصيبة وبلاء {فمن نفسك} أي من جزاء عملك، جازيناك بها. الله تعالى يخبر عباده أن المصائب جزاء أعمالنا، أن السيئة بمعنى المصيبة جزاء على عمل العبد {فمن نفسك} معناه: م، جزاء عملك جازيناك بها أي بهذه المصيبة، فليس معنى هذه الآية أن ما أصاب الإنسان من الطاعات يكون بخلق الله تعالى وإرادته ومشيئته وأن ما يفعله الإنسان من المعاصي أن الإنسان يخلقه. وهنا يزل كثيرون من الناس ويقعون في الضلال لحملهم الآية على غير موضعها، كثير من ءايات القرءان يحمها بعض الناس على غير موضعها فيهلكون يضلون ينزلقون إلى الكفر، ويؤيد هذا التفسير لهذه الآية قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] المعنى أن المصائب التي تصيبكم فبما كسبت أيديكم أي من جزاء ذنوبكم نجازيكم بها في الدنيا ويعفو عن كثير ولا يؤاخذكم في الدنيا على كثير من معاصيكم.

هذه الآية تبين المراد بتلك الآية، وليس المراد من هذه الآية أن أية مصيبة تصيب الإنسان أي إنسان كان صالحا كان أو طالحا فبذنبه لا؛ بل المراد أن أكثر العباد المصائب التي تصيبهم هي جزاء ذنوبهم في الدنيا، يجازيهم الله تعالى بهذه المصائب على المعاصي، وأما الخواص من عباد الله قد تصيبهم مصائب من غير أن يكون لهم ذنب في ذلك الوقت من غير أن يكون ذلك جزاء على ذنوب لهم، يصيبهم الله تعالى بمصائب لرفع درجاتهم.

كثير من أنبياء الله تعالى قتلوا على أيدي الكفار، يحيى بن زكريا عليهما السلام منهم، كان ملك أحب ربيبته وكانت أمها قالت لابنتها قولي له: تقتل يحيـى بن زكريا وبدون ذلك لا وصول لك إلى البنت، لأن يحيى وقف في طريقه قال له: حرام أن تتزوج هذه البنت، وهو متعلق بها، هذه الخبيثة الكافرة دلته على هذا الأمر فطبق ذلك، كان ذبح يحيى على طست، دمه انصب في هذا الطست فوقعت نقطة خارج هذا الطست فجعلت تغلي ولا تهدأ، فسلط الله على هذا الملك بختنصر فقتل في ذلك الموضع سبعين ألفا مم جماعة هذا الملك، فهدأت تلك القطرة. يحيى عليه السلام هذه المصيبة التي نزلت به مصيبة القتل من هذا العدو الكافر لم تكن جزاء على سيئة له إنما زيادة علو الدرجات عند الله له، الله زاده بهذه المصيبة درجات فوق مصيبته التي سبقت له. وهكذا كثير من أنبياء الله وأولياء الله يصابون بمصائب لا جزاء لهم على ذنوب بل لرفع الدرجات، أما أغلب البشر وهم الكفار، أكثر البشر كفار والمسلمون أغلبهم أهل الكبائر، أغلب المسلمين لا يخلون من كبائر الذنوب، المصائب التي تصيبهم جزاء لهم على أعمالهم ثم ينتفعون بها بالنسبة لآخرتهم.

المسلم الذي يصاب بمصيبة ويرضى بقضاء الله ولا يتسخط على ربه يخفف عنه بهذه المصائب ذنوب، وإن كانت هذه المصائب من نوع القتل فإنه يكسب بها الشهادة وإن كانت مما دون القتل من جروح وتلف أموال فإنهم تمحى عنهم سيئات أي ذنوب وترفع لهم درجات.

وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن من الصالحين من فرحهم بالبلاء أشد من فرح الناس بالعطاء»([1]) من شدة ما تمكن في نفوسهم الرضى عن الله يفرحون بالبلاء أكثر مما يفرح الناس بالعطاء، لأن هؤلاء من الذين قال الله فيهم {رضي الله عنهم ورضوا عنه} [المائدة: 119] معناه يسلمون لله تسليما كاملا، مهما أصابهم من المصائب فإنهم لا يخرجون عن الرضى عن الله، الرضى عن الله مرتبة عالية لا يصل إليها إلا القليل من عباده.

يقول البيهقي في كتاب القدر في الاستدلال لهذه المسألة: إن كل ما يفعله العبد من خير أو شر فبخلق الله وتقديره. ذكر أن عائشة رضي الله عنها ذكر لها بعض الناس خرجتها أي خروجها إلى البصرة فقالت: «كان بقدر»([2])، هي ندمت على ما فعلت وهو نزولها في المعسكر الذي كان مقاتلا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، تندمت تندما شديدا حتى إنها كانت بعد ذلك تبكي حتى تبل خمارها أي الغطاء الذي تضعه على رأسها وتنزله إلى عنقها، كانت من شدة بكائها عندما تذكر تلك الخرجة التي خرجتها إلى البصرة ومكثها في المعسكر الذي هو معسكر المقاتلين لعلي تبل خمارها بالدموع، وقالت عن هذا الذي حصل منها «كان بقدر» أي أن الله تعالى قدر ذلك وخلقه، ما قالت: هذا كان مما خلقت من أعمالي كما تقول القدرية المعتزلة؛ بل قالت «بقدر» أي أن الله قدر ذلك.

هو الإنسان إذا احتج بالقدر بعدما تاب من معصيته لا يعترض عليه، أما قبل أن يتوب وهو مقيم على معصيته ليس له أن يدافع عن نفسه ويقول الله قدر علي، ليتب ثم ليقل كان ذلك بقدر أما أن يحتج بالقدر وهو بعد مقيم على معصيته فذلك أمر مذموم وإن كان في اعتقاده أن ذلك بقدر، لأن معتقد المسلم أن كل ما يفعله من خير أو شر بقدر الله أي بتقديره، لكن لا يحتج بالقدر للدفاع عن نفسه وهو بعد لم يتب لأنه يكون معنى ذلك كانه يقول: «ما علي ملام لأنه مقدر»، هو مقدر من قبل الله تعالى لكن العبد ليس له أن يرتكب المعصية ثم يحتج بالقدر وهو بعد مقيم على معصيته، أما بعد التوبة فإذا قال ذلك ليس بقبيح منه.

عائشة رضي الله عنها بعدما تابت من تلك الخرجة التي خرجتها من مكة إلى العراق إلى البصرة قالت ذلك، وأما خروجها إلى مكة لما قتل عثمان، إثر قتل عثمان خرجت من المدينة إلى مكة بنية الحج ثم في مكة بعض الناس الذين أرادوا أن يظهروا تحمسهم بدم عثمان قالوا لها تذهبين معنا لعل الأمر ينصلح بك، طاوعتهم فتوجهت نحو البصرة ثم حصل لها في الطريق أمر ذكرها حديث رسول الله ﷺ الذي كان قاله لنسائه وفيهن عائشة، قال: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبح عليها كلاب الحوأب» رواه أحمد.

فلما وصلت عائشة في سيرها إلى العراق إلى مكان فيه ماء سمعت نباح الكلاب فسألت: ما اسم هذا المكان؟ قيل لها: الحوأب، فذكرت حديث رسول الله ﷺ فانزعجت ما ارتاح خاطرها فألحوا عليها قالوا لها: تذهبين معنا لعل الله يصلح بك أمر المسلمين، ألحوا عليها وكان مقدرا من قبل الله، فذهبت معهم وهي غير مرتاحة لذلك، فلما وصلوا إلى المعسكر الذي فيه معسكر المقاتلين لعلي مكثت في هذا المعسكر بدل أن تذهب إلى علي وتذاكره، هذا كان ذنبها ومعصيتها، هذا مرادها بقولها: «كان بقدر».

وفي حديث رسول الله ﷺ تتمة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «انظري يا عائشة أن لا تكوني أنت» لكن القدر لا يرده شيء، ما قدر الله أن يكون لا بد أن يكون، فمع ذكرها للحديث وانزعاج نفسها من ذلك مضت إلى أن وصلت إلى ذلك المكان، إلى المعسكر ومكثت فيه، ما ذهبت إلى معسكر علي رضي الله عنه.

الجمل الأدبب معناه الكثير الشعر، وكان الجمل الذي قدم لعائشة حين توجهها من مكة إلى البصرة بهذه الصفة، كان كثير الشعر في عنقه وما حوله، يقال للجمل إذا كان كثير شعر العنق أدب، الأدبب من أجل السجع، من أجل الازدواج أي اتفاق الكلمتين المتقابلتين، من أجل الازدواج مع كلمة الحوأب، هي عائشة رضي الله عنها ما دافعت عن نفسها ما قالت: أنا باجتهادي فعلت هذا أنا لي أجر، ما قالت كما يقول بعض الناس، بعض الناس يقولون كل من كان من أصحاب رسول الله ﷺ ففعله لا ينتقض كائنا ما كان، هذا غلط، عائشة قالت: كانت بقدر، فقط ما زادت على ذلك، ما قالت أنا كنت على اجتهادي أنا لي ثواب على اجتهادي.

ثم هؤلاء الذين يقولون الشر ليس بخلق الله بل بخلق إبليس أو غيره من البشر العصاة كلامهم هذا مصادم للقرءان، مصادم لآيات عدة، الله تبارك وتعالى قال: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} [الحجر: 12] كذلك نسلكه أي الشرك في قلوب المجرمين، أخبرنا أنه تعالى هو خالق الشرك أي وما سواه من المعاصي نفهم من ذلك أنه لا يجوز أن يكون هناك خالقان خالق للخير وخالق للشر، لا يجوز أن نجعل الله خالقا الخير ونجعل في مقابل ذلك خالقا للشر غير الله، هذا خلاف التوحيد.

التوحيد هو أن يوحد الله ويفرد بأنه الخالق لا خالق سواه، أي: أنه هو خالق الأجسام كلها وأنه هو خالق الحركات والسكنات والنوايا والمعتقدات، المعتقدات الإيمانية هو خلقها في قلوب من شاء من عباده، والمعتقدات الكفرية كذلك هو خالقها في قلوب من شاء من عباده، هذه الآية دليل على ذلك: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} أي: نحن ندخل الشرك في قلوب المجرمين أي الكافرين، الـمجرمون في القرءان حيثما ورد فهو محمول على الكفار، من حيث استعمال هذا اللفظ في القرءان فهو في الكفار فقط، لم يرد في العصاة الذين هم من المسلمين، أما من حيث الفعل يصح إطلاقه على المسلم وعلى الكافر وعلى المسلم العاصي. أجرم فلان معناه عصى، سواء كانت هذه المعصية مما يتعلق بالاعتداء على أبدان الناس وأموالهم أو فيما لا تعلق له في أمور الناس إنما هو معصية بين العبد وربه كل ذلك يقال فيه من حيث اللغة أجرم فلان أي عصى ربه، لكن لفظ المجرمين الوارد في القرءان في جميع المواضع فهو للكفار.

ومن الضلال البعيد الظاهر قول بعض الناس الذين هم طائفة القدرية الذين يقولون العبد يخلق أفعال نفسه، يقولون الله شاء السعادة لجميع عباده أي أراد وشاء أن يكون جميع عباده سعداء أي من أهل الجنة، أي أن لا يكون منهم واحد من أهل النار لكن هم خالفوا مشيئة الله، هؤلاء يحرفون القرءان فإذا جاؤوا إلى مسلم بهذه الآية: {يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} [المدثر: 31] يقولون العبد إن شاء يضله الله والعبد إن شاء يهديه الله، جعلوا المشيئة للعبد، هو القرءان لا يعني ذلك إنما يعني القرءان أن الله إن شاء في الأزل أن يضل بعض عباده يضلهم بعد أن يخلقوا، باختيارهم أي وهم منساقون باختيارهم إلى هذا الضلال يضلهم الله، وإن شاء أن يهتدي قسم من عباده ينساقون باختيارهم إلى الهدى، هذا معنى {يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} ليس كما قال أولئك بأن الله شاء لكل العباد السعادة إنما هم قسم منهم خالفوا مشيئته.

فالعباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله مشيئته قال الله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [الإنسان: 30] وقال الله تعالى: {والله غالب على أمره} [يوسف: 21] أي: منفذ لإرادته، لا أحد يمنع نفاذ إرادته، قبل أن يخلقنا شاء كل ما نفعله، فمن سبق في علم الله ومشيئته أنه يكون مهتديا ينساق باختياره إلى الهدى هذا بخلق الله تعالى، الله خلق فيه على وفق مشيئته الأزلية، أي التي لا ابتداء لها، لا تاريخ لها، الله تعالى علمه لا تاريخ له ومشيئته كذلك وقدرته، وجميع صفاته تبارك وتعالى ليست مقيدة بالزمن، قبل الزمان شاء كل ما يحدث في العالم، كل ما حدث وكل ما سيحدث بعد هذا إلى ما لا نهاية له من حركات العباد في الجنة وحركاتهم في جهنم.

صفات الله ليست مقيدة بالزمان، سبقت الزمان([3])، الزمان حادث مخلوق، وهذه الأعمال التي تجري على العباد خيرها وشرها تجري على حسب مشيئة الله الأزلية وعلمه الأزلي وتقديره الأزلي، يخلقها فيهم خلقا.

هذا الإيمان الذي في قلوب المؤمنين هو خلقه فيهم، والكفر الذي في قلوب الكافرين هو خلقه فيهم وليس ذلك منه بقبيح لأنه يخلقه خلقا لا يكتسبه. هذا الكفر الذي خلقه الله في قلب الكافر هذا من العبد قبيح، أما من الله خلقه لهذا الكفر فيه ليس قبيحا على الله، وإلى ذلك دلنا بقوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] معناه لا اعتراض على الله، لا يقال كيف هو شاء في الأزل أن فلانا يكفر باختياره وأن فلانا يؤمن باختياره ثم يعاقب هذا الذي كفر باختياره على وفق علم الله ومشيئته وهو خلقه فيه، لا يقال كيف يعذبه في الآخرة.

الله تعالى ليس بمحكوم لأحد، هو الحاكم الذي لا يحكم وهو الآمر الذي ليس له ءامر، الناهي الذي ليس له ناه، له الأمر والنهي على عباده أما هو ليس له ءامر ولا ناه، لأن كل ما دخل في الوجود ملكه وخلقه، أبو حنيفة رضي الله عنه وهو من السلف الصالح قال: إذا كان العباد مخلوقين لله فبالأولى أن تكون أفعالهم مخلوقة لله.

ومما اتفق عليه سلف الأمة وخلفهم هذه الكلمة: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن» رواه أبو داود والنسائي. معناه أن ما سبق في مشيئته الله الأزلية أنه يكون يحصل، لا بد أن يحصل، وأن ما لم يشإ الله دخوله في الوجود لا يدخل في الوجود، وهذه الكلمة أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولونها فالسلامة باتباعها والتمسك بها، والهلاك والضلال في الخروج عنها.

أمين شيخو كان علم جماعته أن الله شاء السعادة لجميع العباد إنما العباد خالفوا مشيئته، وقال لهم أيضا ضلالة أخرى تشبه هذه، يقول لهم: الله تعالى لا يعذب، العقاب ليس معناه التعذيب، العقاب معناه التعقب، حرف القرءان وخرج عن اللغة العربية، لو كان أبو جهل حيا وسمعه لضحك منه، وقال عنه جهنم طبابة، قال هذا ليس تعذيبان هذا تطهير طبابة علاج، وهذا الرجل توفي منذ ثمانية عشر عاما([4])، ومن ضلالاته أنه قال: الرسول كان قبل أن ينزل عليه الوحي يشتغل بالفكر والذكر فجاءته النبوة أي أنه اكتسبها، بعمله نالها، فقال له بعض الناس: النبوة ليست مكتسبة، قال: بل هي مكتسبة حتى اليوم ينالها من اجتهد.

فمن فتح الله قلبه يفهم أن الله خالق كل شيء ويعتقد هذا عن قبول نفساني واطمئنان بال وقلب، وأما من أقفل الله قلبه فلا أحد يستطيع أن يفهمه، هذه الآيات التي أنزلها الله للأنبياء عليهم السلام أي الـمعجزات التي أنزلها للأنبياء ما كل من شاهدها اهتدى إنما اهتدى بعض من شاهدها فالبعض الذي اهتدى بها هم الذين فتح الله قلوبهم لفهم المعنى، لفهم الحق، والذين لم يهتدوا بها هم الذين أقفل الله قلوبهم، قال الله تعالى: {أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24].

كان سيدنا عمر رضي الله عنه ينشد هذه الأبيات التي هي قصيدة لبيد بن ربيعة، كان ينشدها كثيرا لأن فيها الإيمان بالقدر والتسليم لله تبارك وتعالى:

إن تقوى ربنا خير نفل
أحمد الله فلا ند له
من هداه سبل الخير اهتدى

 

وبإذن الله ريثي وعجل
بيديه الخير ما شاء فعل
ناعم البال ومن شاء أضل

 معنى «من هداه سبل الخير اهتدى» أي: أن الله هو الذي يخلق الهداية فيمن شاء من عباده، «ومن شاء أضل» ومن شاء أي الله أضل، يضله يخلق فيه الضلالة، من عرف الإيمان وءامن بقضاء الله وقدره وسلم لله تسليما هانت عليه الـمصيبات من حيث القلب، وإن تألم من حيث إن الطبيعة البشرية جبلت على الانزعاج من المصائب لكن من حيث الاعتقاد يكون مرتاح البال لأنه كل الأمور عنده بمشيئة الواحد القهار فارتاح باله.

لبيد بن ربيعة لـما قال: «وبإذن الله ريثي وعجل» بين أن كون العبد نشيطا بقضاء الله وكونه على خلاف ذلك فبمشيئة الله، «وبإذن الله ريثي» أي: بمشيئة الله ريثي وعجل أي إبطائي وعجلي. الإذن يطلق على معنيين يطلق بمعنى المشيئة، إذا قيل بإذن الله حصل هذا الشيء معناه بمشيئته، ويطلق على الرخصة من قبل الله في الإقدام على الشيء.

([1]) قال رسول الله ﷺ: «فوالذي نفسي بيده لقد كانوا يفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء» رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة».

([2]) روى ذلك البيهقي في «القضاء والقدر» عن أبي الحسين بن الفضل القطان عن أبي عمرو بن السماك عن محمد بن الفرج عن أبي همام الدلال عن سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن عبيد بن سعد عن عائشة رضي الله عنها.

([3]) أي: كانت أزلا ولم يكن زمان.

([4]) أي: بالنسبة لسنة 1984ر.