الأربعاء يناير 28, 2026

قول الشيخ عبد القادر الجيلاني([1]) رضي الله عنه (ت 561هـ)

قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه([2]): «باب في معرفة الصانع عز وجل: أما معرفة الصانع عز وجل بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهي أن يعرف ويتيقن أنه واحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى)، لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا شريك ولا ظهير ولا وزير، ولا ند ولا مشير له، ليس بجسم فيمس، ولا بجوهر فيحس، ولا عرض فينقضي، ولا ذي تركيب أو آلة وتأليف وماهية وتحديد، وهو الله للسماء رافع، وللأرض واضع، لا طبيعة من الطبائع، ولا طالع من الطوالع، ولا ظلمة تظهر، ولا نور يزهر» اهـ.

وقال أيضا رحمه الله([3]): «فصل في ما لا يجوز إطلاقه على البارئ عز وجل من الصفات ويستحيل إضافته إليه، ولا يجوز عليه الحدود ولا النهاية، ولا القبل ولا البعد، ولا تحت ولا قدام ولا خلف ولا كيف، لأن ذلك ما ورد به الشرع، إلا ما ذكرناه من أنه على العرش استوى([4]) على ما ورد به القرآن والأخبار، بل هو عز وجل خالق لجميع الجهات ولا يجوز عليه الكمية» اهـ.

وقال رضي الله عنه أيضا([5]): «ويجوز وصفه بأنه فاعل بمعنى أنه مخترع لذات ما فعله وخالق له وجاعله بقدرته، فاستحق لذلك هذا الوصف لا على معنى المباشرة للأشياء لأن حقيقة تلك ـ أي المباشرة ـ تلاقي الأجسام ومماستها، والله سبحانه متعال عن ذلك» اهـ.

وقال رضي الله عنه أيضا([6]): «وأما ذكر مقالة المشبهة فهم ثلاث فرق: الهشامية([7]) والمقاتلية([8]) والكرامية([9])، والذي اتفقت عليه الفرق الثلاث أن الله تعالى جسم، وأنه لا يجوز أن يعقل الموجود إلا جسما» اهـ. والعياذ بالله تعالى من التشبيه والتجسيم والكفر والضلال.

وقد رد ابن حجر الهيتمي([10]) على من طعن بالشيخ الجيلاني مما نسبه البعض إليه في بعض النسخ المدسوسة عليه من كتاب الغنية فقال: «وإياك أن تغتر أيضا بما وقع في الغينية لإمام العارفين وقطب الإسلام والمسلمين الأستاذ عبد القادر الجيلاني، فإنه دسه عليه فيها من سينتقم الله منه وإلا فهو بريء من ذلك، وكيف تروج عليه هذه المسألة الواهية مع تضلعه من الكتاب والسنة وفقه الشافعية والحنابلة حتى كان يفتي على المذهبين، هذا مع ما انضم لذلك من أن الله من عليه من المعارف والخوارق الظاهرة والباطنة وما أنبأ عنه وما أظهر وتواتر من أحواله، ومنه ما حكاه اليافعي([11]) رحمه الله وقال: «مما علمناه بالسند الصحيح المتصل أن الشيخ عبد القادر الجيلاني أكل دجاجة ثم لما لم يبق غير العظم توجه إلى الله في إحيائها فأحياها الله إليه وقامت تجري بين يديه كما كانت قبل ذبحها وطبخها، فمن امتن الله عليه بمثل هذه الكرامات الباهرة يتصور أو يتوهم أنه قائل بتلك القبائح التي لا يصدر مثلها إلا عن اليهود وأمثالهم ممن استحكم فيه الجهل بالله وصفاته وما يجب له ويجوز وما يستحيل سبحانك هذا بهتان عظيم {16} (النور)» اهـ.

[1] ) عبد القادر بن موسى بن عبد الله الحسني، ت 561هـ، أبو محمد محيي الدين الجيلاني، أو الكيلاني، أو الجيلي مؤسس الطريقة القادرية. من كبار الزهاد الصوفية الصادقين، ولد في جيلان وراء طبرستان وانتقل إلى بغداد شابا سنة 488هـ ،فاتصل بشيوخ العلم والتصوف، وبرع في أساليب الوعظ، وتفقه وسمع الحديث وقرأ الأدب، واشتهر، وتصدر للتدريس والإفتاء في بغداد سنة 528هـ، وتوفي بها ـ له كتب دس عليه فيها ـ. الأعلام، الزركلي، 4/47.

[2] ) الغنية، الجيلاني، ص71.

    تنبيه: لقد افتري على الشيخ عبد القادر رضي الله عنه الذي هو حنبلي المذهب في كتابه هذا الذي عمله في الفقه الحنبلي، وهذا الكتاب ثابت أنه من تأليفه لكن مجسمة الحنابلة الذين يعتقدون أن الله جسم ساكن في جهة فوق أدخلوا عليه مسألتين افتروهما عليه فزعموا أنه يقول: إن الله ساكن في جهة فوق، وزعموا أنه أيضا يقول بأن حروف المعجم قديمة أي ليس لوجودها ابتداء، وهذا خلاف عقيدة أهل السنة، فإن عقيدة أهل السنة أنه لا موجود أزلي قديم ليس لوجوده ابتداء إلا الله، والحروف مخلوقة حادثة، والشيخ عبد القادر رضي الله عنه لا يخالف في العقيدة شيئا مما عليه أهل السنة السلف والخلف من أن الله تعالى متكلم بكلام لا يشبه كلام الخلق، ومعلوم أن كلام الخلق حرف وصوت حادثان يوجدان شيئا بعد شىء وهذه صفة البشر، والله تعالى متعال منـزه عن كل ما هو من صفات البشر، إنما هو متكلم بكلام ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة. بل عبارته التي في كتابه وهي ما نقلناها هنا تبين أن ما نسبوه إليه إنما هو كذب وافتراء، فإنه موحد منزه لا مجسم مشبه.

[3] ) الغنية، الجيلاني، ص103.

[4] ) أي قهره وحفظه.

[5] ) الغنية، الجيلاني، ص 105.

[6] ) الغنية، الجيلاني، ص117.

[7] ) الهشامية فرقتان، فرقة تنسب إلى هشام بن الحكم الرافضي، والفرقة الثانية تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي، وقد زعم هشام بن الحكم أن معبوده جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق ، وأن طوله مثل عرضه مثل عمقه، وقال: ليس ذهابه في جهة الطول أزيد على ذهابه في جهة العرض. وزعم أيضا أن الله نور ساطع يتلألأ كالسبيكة الصافية من الفضة وكاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها. ثم قال: قد كان الله ولا مكان ثم خلق المكان بأن تحرك فحدث مكانه بحركته فصار فيه ومكانه هو العرش. وأما هشام بن سالم الجواليقي الذي كان مفرطا في التجسيم والتشبيه فقد زعم أن معبوده على صورة الإنسان ولكنه ليس بلحم ولا دم بل هو نور ساطع بياضا، وزعم أنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف ونصفه الأسفل مصمت ـ أي لا جوف له ـ. الفرق بين الفرق، البغدادي، 1/48، 52.

[8] ) أتباع مقاتل بن سليمان البلخي، من رؤوس المشبهة، قال وكيع: «كان كذابا» اهـ. وعن أبي حنيفة رضي الله عنه قال: «أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبه» اهـ. وقال البخاري: «مقاتل لا شىء ألبتة» اهـ. مات مقاتل سنة نيف وخمسين ومائة. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 7/201.

[9] ) أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام، كان ممن يثبت الصفات إلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه. وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة. وأصولها ستة: العابدية والتونية والزرينية والإسحاقية والواحدية والهيصمية، ولكل واحدة منهم رأي. نص أبو عبد الله على أن معبوده على العرش استقرارا وعلى أنه بجهة فوق ذاتا، وأطلق عليه اسم الجوهر. ومنهم من قال: إنه على بعض أجزاء العرش. وقال بعضهم: امتلأ العرش به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش، ثم اختلفوا فقالت العابدية: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به، وقال محمد بن الهيصم: إن بينه وبين العرش بعدا لا يتناهى وإنه مباين للعالم بينونة أزلية، ونفى التحيز والمحاذاة وأثبت الفوقية والمباينة، وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه والمقاربون منهم قالوا: نعني بكونه جسما أنه قائم بذاته، وهذا هو حد الجسم عندهم، وبنوا على هذا أن من حكم القائمين بأنفسهما أن يكونا متجاورين أو متباينين فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش وحكم بعضهم بالتباين. الملل والنحل، الشهرستاني، 1/107.

[10] ) الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتمي، 1/482.

    أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين أبو العباس، ت 974هـ، فقيه مصري ولد في محلة أبي الهيتم سنة 909هـ، تلقى العلم في الأزهر ومات بمكة سنة 947هـ. له تصانيف كثيرة، منها: «مبلغ الأرب في فضائل العرب»، و«تحفة المحتاج في شرح المنهاج». الأعلام، الزركلي، 1/234.

[11] ) عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي، عفيف الدين، ت 768هـ، مؤرخ باحث متصوف من شافعية اليمن، نسبته إلى يافع بن حمير، مولده ومنشؤه في عدن، حج سنة 712هـ، فأقام بمكة وتوفي بها. من كتبه: «مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الأزمان»، و«أسنى المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر». الأعلام، الزركلي، 4/72.