الخميس يناير 29, 2026

قول الشيخ أبي حامد الغزالي (ت 505هـ)

قال الغزالي([1]): «التنـزيه: أنه ـ أي الله تعالى ـ ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعرض ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجودا، ولا يماثله موجود، ليس كمثله شىء ولا هو مثل شىء. وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواء منـزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته([2]).

وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شىء إلى تخوم([3]) الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء، كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود([4])، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد([5]) وهو على كل شيء شهيد إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا يماثل ذاته ذوات الأجسام، وأنه لا يحل في شىء ولا يحل فيه شىء، تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان» اهـ.

وقال الغزالي أيضا في الكتاب نفسه([6]): «الأصل الخامس: العلم بأنه تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر، إذ الجسم عبارة عن المؤلف من الجواهر، وإذا بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز بطل كونه جسما، لأن كل جسم مختص بحيز ومركب من جوهر، فالجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع والحركة والسكون والهيئة والمقدار، وهذه سمات الحدوث، ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن يعتقد الألوهية للشمس والقمر، أو لشىء آخر من أقسام الأجسام» اهـ.

فائدة مهمة: لو قدرت مناظرة بين عابد الشمس وبين المجسم المشبه الوهابي وأمثاله من الذين يجعلون لله حجما([7]) فإذا قال الوهابي لهذا الذي يعبد الشمس: لماذا لا تعبد الله وتترك دينك هذا الذي هو باطل، يقول له عابد الشمس: أنا معبودي شىء محسوس أراه وأنت تراه وكل الناس يرونه، وهو عظيم النفع، ينفع الأجسام والنبات والتراب والأشجار والماء والهواء، فالشمس تنفع وهذا شىء محقق، فالذي أعبده أنا شىء محسوس أراه ليس شيئا متوهما بل هو شىء أراه بعيني وأنت تراه عظيم النفع، فكيف لا يكون ديني حقا؟ وأما أنت فتقول: معبودي شىء موجود فوق العرش لا أنا رأيته ولا أنت رأيته، إنما أنت تتوهم وتتصور في بالك أنه يوجد فوق العرش جرم كبير، فكيف يكون دينك هذا الذي هو مبني على التوهم حقا وديني الذي هو مبني على الحس والمعاينة والمشاهدة باطلا؟! يقول الوهابي الذي ليس عنده دليل عقلي: قال الله تعالى: أفي الله شك {10} (إبراهيم)، فيقول له عابد الشمس: أنا لا أؤمن بكتابك أعطني دليلا عقليا، هنا الوهابي ينقطع فقد كسره عابد الشمس،

أما السني الذي ينزه الله عن الحد والعضو والجهة والمكان والحيز فيقول لعابد الشمس: معبودك هذا له حد وشكل، فيحتاج لمن جعله على هذا الحد وهذا الشكل، والذي جعله على هذا الحد هو الله، وهو موجود لا يشبه شيئا من الأشياء ليس محدودا، ولا يحتاج إلى غيره، وهو ليس ذا شكل، وهذا الموجود الذي لا حد له ولا شكل هو الذي يستحق أن يعبد، فالسني يغلبه بالدليل العقلي دون أن يقول له قال الله تعالى، أما الوهابي إن قال ذلك فيرد عليه عابد الشمس قائلا وأنت تقول في معبودك إن له حدا فيحتاج إلى من حده بذلك الحد، فما الذي يجعل ديني باطلا ودينك صحيحا، وهنا الوهابي ينقطع.

وبالرجوع إلى نقول الأئمة في تنزيه الله عن الجسمية والجهة ببين لنا الغزالي منشأ تخبطهم وسبب ضلالهم فيقول:([8]): «أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية والتقدير والاختصاص بصفات الحدوث»اهـ.

ثم حذرنا من الإفراط ومجاوزة الحد المؤدية إلى إنكار الصفات بقوله: «وأما المعتزلة فإنهم نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها وخالفوا به قواطع الشرع وظنوا في إثباتها ـ أي في إثبات الرؤية ـ إثبات الجهة، فهؤلاء تغلغلوا في التنزيه([9]) محترزين من التشبيه فأفرطوا. والحشوية أثبتوا الجهة احترازا من التعطيل فشبهوا.

فوفق الله سبحانه أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا للمسلك القصد، وعرفوا أن الجهة منفية -عن الله- لأنها للجسمية تابعة وتتمة، وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم وفريقه، وهي تكملة له، فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها. وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية التي هي من روادفه وتكملاته ومشاركة له في خاصيته، وهي أنها لا توجب تغييرا في ذات المرئي، بل تتعلق به على ما هو عليه كالعلم» اهـ.

وقال الغزالي([10]): «فعلى العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول ﷺ لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك في حق الله تعالى محال، وهو عنه مقدس، فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم مخلوق وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف» اهـ.

فانظر كيف نقل الغزالي رحمه الله إجماع الأمة من سلف وخلف على تكفير المجسم الذي اعتقد أو قال: إن الله جسم، تنزه الله عما يقول الظالمون تنزها كبيرا.

[1] ) قواعد العقائد، الغزالي، ص 51.

[2] ) الله عز وجل قائم بنفسه أي لا يحتاج إلى غيره، قال تعالى: فإن الله غني عن العالمين {97} (آل عمران)، فهو المستغني عن كل ما سواه والمفتقر إليه كل ما عداه، خلق السماء وكان قبلها وخلق العرش ولا يحتاج إليه، لا يحمله العرش بل العرش وحملة العرش محمولون بلطف قدرته تعالى. ومعنى في قبضته في تصرفه.

[3] ) «التخوم بالضم: الفصل بين الأرضين من المعالم والحدود مؤنثة، ج: تخوم أيضا» اهـ. القاموس المحيط، الفيروزأبادي، مادة ت خ م، ص 1399. أي أن الله تعالى قهر كل شىء في السموات والأرض.

[4] ) المراد به القرب المعنوي وهو أن الله عالم بكل شىء، وليس المراد القرب الحسي.

[5] ) قال الله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد {16} (ق)، معنى (ونحن) لتعظيم نفسه، (ونحن أقرب إليه( أي الإنسان، (من حبل الوريد( أي نحن أقرب إليه من نفسه، أي نحن نعلم ما لا يعلمه هو من نفسه، وليس معناه أن الله مستقر داخل عنق كل إنسان. والذي يحمل هذه الآية على ظاهرها يجعل الله ساكنا في رقاب عباده، وهذا ضلال وكفر والعياذ بالله. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 28/134.

[6] ) قواعد العقائد، الغزالي، ص159.

[7] ) الوهابية منهم من يقول في حق الله: هو بقدر العرش لا أصغر منه ولا أكبر، ومنهم من يقول: هو أكبر من العرش. والعياذ بالله من الضلال المبين.

[8] ) الاقتصاد في الاعتقاد، الغزالي، ص80.

[9] ) ليس هذا ثناء على المعتزلة بل مراده أنهم من شدة ما يزعمونه من التنزيه في حق الله تعالى نفوا الرؤية ليحترزوا من التشبيه كما ادعوا، فردوا النص القرآني في إثبات رؤية المؤمنين لله لتوهمهم أن في ذلك إثبات الجهة والتشبيه، لكنهم أفرطوا فوقعوا في المحظور ولم يوفقوا بين العقل والشرع.

[10] ) إلجام العوام عن علم الكلام، الغزالي، ص62، 63.