تعريف الجسم لغة
الجسم كلمة وردت في القرآن الكريم في قول الله تعالى: وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم {247} (البقرة).
وقد حفلت معاجم اللغة العربية بشروحات لهذه الكلمة:
ففي معجم مقاييس اللغة لابن فارس([1]): «(جسم) الجيم والسين والميم يدل على تجمع الشىء. فالجسم كل شخص مدرك. كذا قال ابن دريد([2]). والجسيم: العظيم الجسم، وكذلك الجسام. والجسمان: الشخص. (جسد) الجيم والسين والدال يدل على تجمع الشىء أيضا واشتداده» اهـ.
وقال الرازي([3]): «قال أبو زيد([4]): الجسم الجسد، وكذا الجسمان والجثمان. وقال الأصمعي([5]): «الجسم والجسمان: الجسد، والجثمان: الشخص. وقال جماعة: جسم الإنسان أيضا يقال له الجسمان مثل ذئب وذؤبان، وقد جسم الشىء أي عظم فهو جسيم وجسام بالضم وبابه ظرف، والجسام بالكسر جمع جسيم، وتجسم من الجسم» اهـ.
وقال ابن منظور([6]): «الجسم: جماعة البدن أو الأعضاء من الناس والإبل والدواب وغيرهم من الأنواع العظيمة الخلق، والجمع أجسام وجسوم، والجسمان جماعة الجسم، والجسمان جسم الرجل، ويقال: إنه لنحيف الجسمان، وجسمان الرجل وجثمانه واحد، ورجل جسماني وجثماني إذا كان ضخم الجثة» اهـ.
وقال الفيومي([7]): «(ج س م): جسم الشىء جسامة وزان ضخم ضخامة، وجسم جسما من باب تعب عظم فهو جسيم وجمعه جسام، والجسم قال ابن دريد ـ عن الجسم ـ هو كل شخص مدرك، وقال أبو زيد: الجسم: الجسد. وفي التهذيب([8]) ما يوافقه قال: الجسم مجمع البدن وأعضاؤه من الناس والإبل والدواب ونحو ذلك مما عظم من الخلق الجسيم، وعلى قول ابن دريد يكون الجسم حيوانا وجمادا ونباتا ولا يصح ذلك على قول أبي زيد، والجسمان بالضم الجثمان» اهـ.
وقال اللغوي محمد مرتضى الزبيدي([9]) في تاج العروس ممزوجا بمتن القاموس([10]): «ج س م: (الجسم بالكسر: جماعة البدن أو الأعضاء. ومن الناس) والإبل والدواب (وسائر الأنواع: العظيمة الخلق، كالجسمان بالضم). قال أبو زيد: الجسم: الجسد، وكذلك الجسمان. والجثمان: الشخص، ويقال: إنه لنحيف الجسمان. وقال بعضهم: إن الجثمان والجسمان واحد. وقال الراغب([11]): الجسم: ما له طول وعرض وعمق، ولا تخرج أجزاء الجسم عن كونها أجساما وإن قطع وجزئ، بخلاف الشخص فإنه يخرج عن كونه شخصا بتجزئته، (ج: أجسام وجسوم و) جسم (ككرم)جسامة: (عظم فهو جسيم)، كأمير. والجمع جسام، (وجسام، كغراب، وهي بهاء) قال: [الرجز] أنعت عيرا سهوقا جساما والجسيم: البدين) أي: العظيم البدن.
ومما يستدرك عليه: رجل جسماني: إذا كان عظيم الجثة، والجسم، بضمتين: الأمور العظام، وأيضا: الرجال العقلاء، ويقال: هو من جسام الأمور وجسيمات الخطوب، وفلان يتجشم المـجاشم، ويتجسم المـعاظم. وتجسم في عيني كذا: تصور. وتجسم فلان من الكرم. وكأنه كرم قد تجسم. وكل ذلك مجاز» انتهى كلام الزبيدي.
الخلاصة:
يدل كلام أئمة اللغة المتقدمين منهم والمتأخرين على أن الجسم في اللغة يدل على التجمع والتركيب والتأليف والتشخيص وذوي الأبعاد، وقد يعبر عن الجسم بالجوهر إذ هما بمعنى واحد، إلا أن الجسم أخص اصطلاحا لأنه المركب من الجواهر، وقد عرف اللغوي الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين الجوهر فقال ما نصه([12]): «الجوهر: ما له قيام بذاته بمعنى أنه لا يفتقر إلى محل يقوم به، والعرض: ما يفتقر إلى محل يقوم به، وقد يعبر بعضهم بدل الجواهر بالأجسام، وعليه جرى المصنف ـ أي الغزالي([13]) ـ، وهما في اللغة بمعنى، وإن كان الجسم أخص من الجوهر اصطلاحا، لأنه المؤلف من جوهرين أو أكثر» اهـ.
قال الشيخ أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد العقباني([14]) في معرض شرحه لبعض مصطلحات أهل العلم([15]): «فإن كان الجوهر دقيقا بحيث انتهى في الدقة إلى أنه لا يقبل الانقسام بوجه فهو المسمى بالجوهر الفرد، وإن كان يقبل الانقسام فهو المسمى بالجسم، ويسمى كل واحد من أجزائه جسما، وإن كان ذلك الجزء قد انتهى في الدقة إلى أنه لا يقبل القسمة فإنه لا يسمى جسما، وإنما يمتنعون من تسمية الدقيق الذي لا يقبل القسمة جسما إذا كان وحده منفردا عن انضمام مثله إليه، هذا هو اصطلاحهم»اهـ.
وهي تعريفات اصطلاحية وستمر معنا تفصيلا في طيات هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
[1] ) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة ج س م، 1/457.
ابن فارس الإمام العلامة اللغوي المحدث، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا ابن محمد بن حبيب القزويني، المعروف بالرازي المالكي نزيل همذان وصاحب كتاب «المـجمل»، كان رأسا في الأدب، بصيرا بفقه مالك، مناظرا متكلما على طريقة أهل الحق، وله مصنفات ورسائل، وتخرج على يديه الأئمة، توفي بالري في صفر سنة 395هـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 11/51، 52، رقم الترجمة 3831.
[2] ) جمهرة اللغة، ابن دريد، 2/94.
محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، من أزد عمان من قحطان، أبو بكر ت 321هـ، من أئمة اللغة والأدب. وهو صاحب «المقصورة الدريدية». ولد في البصرة سنة 223هـ، وانتقل إلى عمان فأقام اثني عشر عاما، وعاد إلى البصرة. ثم رحل إلى نواحي فارس، من كتبه: «الاشتقاق» في الأنساب، و«المقصور والممدود». الأعلام، الزركلي، 6/80.
[3] ) مختار الصحاح، الرازي، مادة ج س م، ص127.
محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي زين الدين، صاحب «مختار الصحاح» في اللغة، فرغ من تأليفه أول رمضان سنة 660 هـ وهو من فقهاء الحنفية، وله علم بالتفسير والأدب. أصله من الري، زار مصر والشام، وكان في قونية سنة 666هـ وهو آخر العهد به. ومن كتبه: «شرح المقامات الحريرية» و«حدائق الحقائق». الأعلام، الزركلي، 6/55.
[4] ) سعيد بن أوس بن ثابت أبو زيد الأنصاري، الإمام المشهور، كان إماما نحويا، صاحب تصانيف أدبية ولغوية، روى عن أبي عمرو بن العلاء ورؤبة بن العجاج وغيرهما، وروى له أبو داود والترمذي، من تصانيفه: «لغات القرآن»، و «النوادر»، و«الهمز»، توفي سنة 215هـ. بغية الوعاة، السيوطي. 1/ 282.
[5] ) عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي ت 216هـ، راوية العرب وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان. نسبته إلى جده أصمع ومولده ووفاته في البصرة. كان كثير التطواف في البوادي، أخباره كثيرة جدا. وتصانيفه كثيرة منها: «الإبل»، و«خلق الإنسان»، و«المترادف». الأعلام، الزركلي، 4/162.
[6] ) لسان العرب، ابن منظور، مادة ج س م، 2/99، 100.
ابن منظور هو محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل جمال الدين بن منظور الأنصاري الإفريقي ت 711هـ، صاحب «لسان العرب»، اللغوي المشهور من نسل رويفع ابن ثابت الأنصاري. ولد بمصر وقيل في طرابلس الغرب وخدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة، ثم ولي القضاء في طرابلس، وعاد إلى مصر فتوفي فيها، ترك بخطه نحو خمسمائة مجلد، من كتبه: «لسان العرب» عشرون مجلدا، جمع فيه أمهات كتب اللغة، فكاد يغني عنها جميعا. ومن كتبه: «مختصر مفردات ابن البيطار»، و«نثار الأزهار في الليل والنهار». الأعلام، الزركلي، 7/108.
[7] ) المصباح المنير، الفيومي، مادة ج س م، ص101.
أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس، لغوي، اشتهر بكتابه «المصباح المنير»، ولد ونشأ بالفيوم بمصر، ورحل إلى حماة بسورية فقطنها، وله أيضا: «نثر الجمان في تراجم الأعيان»، توفي نحو سنة 770هـ. الأعلام، الزركلي، 1/227.
[8] ) تهذيب اللغة للإمام اللغوي الأديب أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري توفي 370هـ.
[9] ) محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي ت 1205هـ، أبو الفيض الملقب بمرتضى، علامة باللغة والحديث والرجال والأنساب، من كبار المصنفين. أصله من واسط في العراق ومولده بالهند ونشأ في زبيد باليمن. رحل إلى الحجاز وأقام بمصر فاشتهر علمه وكاتبه ملوك الحجاز والهند واليمن والشام والعراق والمغرب الأقصى والترك والسودان والجزائر، وزاد اعتقاد الناس فيه، وتوفي بالطاعون في مصر. من كتبه: «تاج العروس في شرح القاموس»، و«إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين»، و«أسانيد الكتب الستة»، و«عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة»، و«كشف اللثام عن آداب الإيمان والإسلام»، و«عقد الجمان في بيان شعب الإيمان». الأعلام، الزركلي، 7/70.
[10] ) تاج العروس شرح القاموس، الزبيدي، مادة ج س م، 31/ 404.
[11] ) الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني أو الأصبهاني المعروف بالراغب ت502هـ، أديب من الحكماء العلماء. من أهل أصبهان، سكن بغداد واشتهر حتى كان يقرن بأبي حامد الغزالي. من كتبه: «محاضرات الأدباء» مجلدان، و«الذريعة إلى مكارم الشريعة»، و«الأخلاق» ويسمى: «أخلاق الراغب». الأعلام، الزركلي، 2/255.
[12] ) إتحاف السادة المتقين، الزبيدي، 2/148.
[13] ) أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي ت 505هـ، له مصنفات كثيرة، منها: «إحياء علوم الدين». الأعلام، الزركلي، 7/22.
[14] ) سعيد بن محمد التجيبي التلمساني العقباني، قاض، فقيه مالكي من أهل تلمسان. ولي القضاء فيها وفي بجاية ومراكش وسلا ووهران وحمدت سيرته. نسبته إلى عقبان (قرية بالأندلس). له كتب منها: «شرح جمل الخونجي»، و«العقيدة البرهانية»، و«شرح الحوفية» في الفرائض على مذهب مالك، و«المختصر في أصول الدين»، ولد عام 720هـ، وتوفي عام 811هـ. الأعلام، الزركلي، 6/267.
[15] ) كتاب الوسيلة بذات الله وصفاته، سعيد بن محمد العقباني، ص40.