الأربعاء يناير 28, 2026

الآيات المحكمات والمتشابهات

 

   لفهم هذا الموضوع كما ينبغي يجب معرفة أن القرءان توجد فيه ءايات محكمات وءايات متشابهات، قال تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ [سورة ءال عمران/7].

   الشرح القرءان فيه ءايات محكمات وفيه ءايات متشابهات، والمحكمات هي التي دلالتها على المراد واضحة، والمتشابهة هي التي دلالتها على المراد غير واضحة، وقد ذم الله تعالى الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة أي الزيع أي ابتغاء الإيقاع في الأمر المحظور لأن المشبهة غرضهم في جدالهم أن يوقعوا السني في اعتقادهم الباطل، والذين في قلوبهم زيغ هم أهل الأهواء كالمعتزلة وغيرهم. وقد حصل في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا يقال له صبيغ كان يسأل عن المتشابه على وجه يخشى منه الفتنة فضربه سيدنا عمر ثم نفاه وأمر أن لا يختلط الناس به.

   وسمى الله تعالى المحكمات أم الكتاب أي أم القرءان لأنها الأصل الذي ترد إليها المتشابهات، ثم المتشابه قسمان: أحدهما ما لا يعلمه إلا الله كوجبة القيامة، والثاني يعلمه الراسخون في العلم كمعنى الاستواء المذكور في قوله تعالى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ [سورة طه/5] فإن الراسخين فسروه بالقهر.

   قال المؤلف رحمه الله: الآيات المحكمة: هي ما لا يحتمل من التأويل بحسب وضع اللغة إلا وجها واحدا أو ما عرف المراد به بوضوح كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شىء﴾ وقوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ وقوله: ﴿هل تعلم له سميا﴾ [سورة مريم/65].

   الشرح ليعلم أن الآيات القرءانية أغلبها محكمة، والآيات المحكمة هي التي دلالتها على المراد واضحة، ويقال: هي ما لا يحتمل من التأويل بحسب اللغة العربية إلا وجها واحدا كقوله تعالى ﴿هل تعلم له سميا﴾ أي مثلا أي ليس له مثيل ولا شبيه، ولا يخالف تقسيم الآيات إلى محكم ومتشابه قوله تعالى ﴿كتاب أحكمت ءاياته﴾ [سورة هود/1] وقوله: ﴿كتابا متشابها﴾ [سورة الزمر] لأن المراد بإحكامه إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، وبتشابهه كونه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز.

   والآيات التي ذكرها المؤلف هي أمثلة للآيات المحكمة التي لا يجوز تأويلها أي إخراجها عن ظاهرها لأن إخراج النص عن ظاهره بغير دليل نقلي أو عقلي عبث لا يجوز في كلام الله عز وجل ولا في كلام نبيه كما قال الرازي، وأما قوله تعالى: ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ وقوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [سورة فاطر/10] فلا بد من تأويلهما وردهما إلى الآيات المحكمات، ولا يجوز ترك التأويل والحمل على الظاهر لأنه يلزم من ذلك ضرب القرءان بعضه ببعض، وذلك لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ وقوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ تحيز الله تعالى في جهة فوق، وقوله تعالى ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ظاهره أن الله في أفق الأرض، وقوله تعالى في حق إبراهيم: ﴿وقال إني ذاهب إلى ربي﴾ ظاهره أن الله ساكن فلسطين لأن إبراهيم كان أراد الذهاب إليها وهذه الآية أيضا ظاهرها أن الله تعالى في جهة تحت، فإن تركنا هذه الآيات على ظواهرها كان ذلك تناقضا ولا يجوز وقوع التناقض في القرءان فوجب ترك الأخذ بظواهر هذه الآيات والرجوع إلى ءاية ﴿ليس كمثله شىء﴾.

   وأما من قال جهة فوق تليق بالله وجهة تحت نقص على الله فلذلك لا نؤول الآيات التي تدل ظواهرها على أنه في جهة فوق بل نؤول الآيات التي تدل ظواهرها على أنه في جهة تحت فالجواب: أن جهة فوق مسكن الملائكة وكذلك مدار النجوم والشمس والقمر جهة فوق، وليس هؤلاء أفضل من الأنبياء الذين منشؤهم في جهة تحت وحياتهم في جهة تحت إلى أن يموتوا فيدفنوا فيها. والأنبياء أفضل من الملائكة لأن الله أسجد لآدم الملائكة فسجدوا له، والمسجود له أفضل من الساجد فبطل قولكم جهة فوق كمال لله وجهة التحت نقص على الله لأن الله لا يتشرف بشىء من خلقه، فلا يتشرف بالعرش ومن زعم ذلك جعل الله محتاجا لغيره والاحتياج مستحيل على الله بل التحيز في جهة فوق أو غيرها نقص على الله لأنه يلزم من التحيز أن يكون له حد ومقدار والمقدار للمخلوق قال الله تعالى: ﴿وكل شىء عنده بمقدار﴾ [سورة الرعد/8]. العرش له مقدار والذرة لها مقدار وكذلك ما بينهما من الأحجام والأجسام المختلفة. ثم إن الملك والسلطان قد يكونان يسكنان في بطن الوادي وحراسهما يكونون على الأعالي، فهذا القياس الذي تعتبره الوهابية قياس فاسد لا يلتفت إليه إلا من هو ضعيف العقل فاسد الفهم، فمذهب أهل السنة الأشاعرة والماتريدية هو الصواب السديد الموافق للعقل والنقل، والحمد لله على ذلك.