الأحد يناير 25, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وأد الأمانة وإن خانوك».

الشرح: قارن الإمام بين الأمانة والخيانة وقابل بينهما مرغبا بالأولى ومنفرا من الثانية وقد تقدم الكلام على الغدر وهو والخيانة في واد واحد.

لقد وصف الله تعالى المؤمنين الصالحين الذين كتب الله سبحانه لهم الفلاح والرشاد في الدنيا والآخرة بأنهم يرعون أماناتهم ويؤدونها حق الأداء. قال تعالى: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} [المؤمنون: 8].

يقول القرطبي: «والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال».

والأمانة هي أداء الحقوق والمحافظة عليها، فالمسلم الكامل يعطي كل ذي حق حقه، يؤدي حق الله ويحفظ جوارحه عن الحرام ويؤدي ما عليه تجاه الخلق.

والأمانة خلق جليل من أخلاق الإسلام، وأساس من أسسه، وانظر إلى قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72].

ولقد أمرنا الله تعالى بأداء الأمانات فقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} [النساء: 58].

والأمانة صفة مميزة لأصحاب الرسالة، فقد كان كل منهم يقول لقومه: إني لكم رسول أمين. ولقد اتصف النبي ﷺ منذ صغره ولقب بين قومه بالصادق الأمين، هذا ومع عداوة الكفار له لم ينفوا عنه هذه الصفة كما جاء في حوار أبي سفيان وهرقل حيث قال هرقل: سألتك هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر.

ولقد جعل الرسول ﷺ الأمانة من أسباب كمال الإيمان، فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي قال: «لا إيمان – أي كامل – لمن لا أمانة له».

وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة»([1]).

وكانت من ءاخر وصايا النبي ﷺ في حجة الوداع الوصية بالأمانة، فقال: «ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها»، وبسط يديه، فقال: «ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟»، ثم قال: «ليبلغ الشاهد الغائب، فإنه رب مبلغ أسعد من سامع»([2]).

وقد جعل النبي ﷺ من علامات الساعة عند فساد الزمان نزع الأمانة من قلوب الرجال، فعن حذيفة قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرءان فعلموا من القرءان وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا‏،‏ ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان»، ولقد أتى علي زمان، ولا أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلما رده علي الإسلام، وإن كان نصرانيا رده علي ساعيه، وأما اليوم: فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا([3]).

والأمانة أنواع:

  • الأمانة في العبادة: فمن الأمانة أن يلتزم المسلم بالتكاليف فيؤدي فروض الدين كما ينبغي ويحافظ على الصلاة والصيام والزكاة وبر الوالدين وغير ذلك.
  • الأمانة في حفظ الجوارح: فعلى المسلم أن يحافظ على جوارحه بأن لا يستعملها فيما يغضب الله سبحانه. فالعين عليه أن يغضها عن الحرام، والأذن يجنبها سماع الحرام، فعنه ﷺ: «العين تزني([4])، والقلب يزني، فزنا العين النظر، وزنا القلب التمني، والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه»([5]).
  • الأمانة في الودائع: ومن الأمانة حفظ الودائع وأداؤها لأصحابها عندما يطلبونها كما هي مثل ما فعل الرسول ﷺ مع المشركين، فقد كانوا يتركون ودائعهم عند الرسول ﷺ ليحفظها لهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله»([6]).
  • الأمانة في العمل: ومن الأمانة أن يؤدي المرء ما عليه على خير وجه، والعامل التقي يتقن عمله ويؤديه بإجادة وأمانة.
  • الأمانة في البيع والشراء: فالمسلم الكامل لا يغش ولا يغدر ولا يخون، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ مر برجل يبيع طعاما فأعجبه فأدخل يده فيه فإذا هو طعام مبلول فقال النبي ﷺ: «ليس منا من غش»([7])، أي: ليس على طريقتنا الكاملة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم‏،‏ فقال: كفى بالله شهيدا‏،‏ قال: فأتني بالكفيل‏،‏ قال: كفى بالله كفيلا‏،‏ قال: صدقت،.‏ فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر([8])، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بك، وأني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها‏،‏ فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه، ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار([9])، فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه‏،‏ قال: هل كنت بعثت إلى بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه‏،‏ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشدا([10]).

  • الأمانة في حفظ الأسرار: فالمسلم الأمين يحفظ سر أخيه ولا يخونه ولا يفشي أسراره، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها»([11]).
  • الأمانة في الكلام: ومن الأمانة أن يلتزم المسلم بالكلمة الجادة فيعرف قدر الكلمة وأهميتها، فالكلمة قد تدخل صاحبها الجنة، وقد تدخله النار، وأخص بكلامي هؤلاء المدرسين فقل من يفتي بعلم، قال تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء *تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون *ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} [إبراهيم: 24 – 26].

وعن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلتك يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل»، ثم قرأ: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} حتى بلغ {يعملون} [السجدة: 16، 17] ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟» فقلت: بلى يا رسول الله. قال: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد»، ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» فقلت له: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: «كف عليك هذا». فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم» أو قال: «على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟»([12]).

اللهم طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيينا من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

([1]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (11/233)، حديث (6652).

([2]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (34/300، 301)، حديث (20695).

([3]) صحيح البخاري، البخاري، (9/52)، حديث (7086).

([4]) أي: أغلب العيون، ولا يدخل في هذا الحديث (عيون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم معصومون من الكفر والكبائر وصغائر الخسة كالنظرة المحرمة قبل النبوة وبعدها.

([5]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (14/96)، حديث (8356).

([6]) صحيح البخاري، البخاري، (3/115)، حديث (2387).

([7]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/749)، حديث (2224).

([8]) وهنا تنبيه أن الرجل غلب على ظنه سلامة المال وعدم تلفه.

([9]) هذا لأنه لم يتحقق أن تلك الألف وصلته.

([10]) صحيح البخاري، البخاري، (3/95)، حديث (2291).

([11]) صحيح مسلم، مسلم، (2/1061)، حديث (1437).

([12]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (36/344، 345)، حديث (22016).