الشرح: يخرج لنا الإمام من جعبته الخيرة وصية لألاءة جديدة واضح نورها، وظاهر نفعها، ألا وهي صدق اللسان.
فالصدق من الأخلاق الكريمة التي أجع على مر العصور والأزمان على اعتباره وفضله، وهو خلق من أخلاق الإسلام الرفيعة وصفة من صفات عباد الله المتقين، ولذلك فقد وصف الله نبيه ﷺ بأنه جاء بالصدق، قال تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} [الزمر: 33]. كما أن التحلي بالصدق كان مما عرف به النبي ﷺ كما جاء في قصة أبي سفيان مع هرقل، وفيها أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم؟ يعني النبي ﷺ، قال أبو سفيان: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول ءاباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة([1]).
كما أن الصدق سمة من سمات الأنبياء والمرسلين وجميع عباد الله الصالحين، قال تعالى عن خليله إبراهيم على نبينا وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} [مريم: 41].
وقال عن إسحاق ويعقوب: {ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا} [مريم: 50].
وقال عن إسماعيل: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} [مريم: 54].
وقال عن موسى: {واذكر في الكتاب موسىٰ إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا} [مريم: 51].
وقال عن صحابة رسول الله الأخيار: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23].
فقد أنزل الله في شأن الصادقين معه ءايات تتلى ءاناء الليل وأطراف النهار. فقد ثبت عن أنس أنه قال: عمي الذي سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدرا، قال: فشق عليه، قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيبت عنه، وإن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليراني الله ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو، أين؟ فقال: واها لريح الجنة أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته – عمتي الربيع بنت النضر -: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23]، قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه([2]).
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بأن نتحلى بهذا الخلق العظيم وأن نكون مع الصادقين فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]. وجاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا»([3]).
وقد أمرنا المولى تبارك وتعالى بالتحلي والتخلق بالصدق لحكم جمة، ففيه الثمرات الفريدة وفيه الفوائد العديدة التي تعود على الصادقين في الدنيا والآخرة بالخير والنفع العظيم.
ومن فوائد وبركات ونتائج الصدق:
أولا: الصدق طريق إلى البر، والكذب طريق إلى الفجور كما يشهد لذلك الحديث المتقدم.
ثانيا: انتفاء صفة النفاق عن الصادقين، ففي الصحيحين([4]) عن أنس ابن مالك رضي الله عنه: «ءاية الـمنافق([5]) ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
ثالثا: تفريج الكربات وإجابة الدعوات والنجاة من المهلكات كما يدل على ذلك قصة أصحاب الغار التي أخرجها البخاري([6])، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه، فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز، فذهب وتركه، وأني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، ففرج عنا، فانساحت عنهم الصخرة، فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت ءاتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة، فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما، فيستكنا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، من أحب الناس إلي، وأني راودتها عن نفسها فأبت، إلا أن ءاتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها، فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا.، ففرج الله عنهم فخرجوا».
وقال الربيع بن سليمان:
صبر جميل ما أسرع الفرجا | من صدق الله في الأمور نجا |
ونرى في سيرة السلف الصالح حرصهم الشديد على الصدق، فهذا الشيخ عبد القادر الجيلاني يقول: عقدت أمري منذ طفولتي على الصدق فخرجت من مكة إلى بغداد لطلب العلم، فأعطتني أمي أربعين دينارا لأستعين بها على معيشتي وعاهدتني على الصدق، فلما وصلنا أرض همدان خرج علينا جماعة من اللصوق فأخذوا القافلة، وقال لي واحد منهم: ما معك؟ قلت: أربعون دينارا، فظن أني أهزا فتركني، وسألني ءاخر فقلت: أربعون دينارا فأخذها مني كبيرهم، فقال لي: ما حملك على الصدق؟ فقلت: عاهدتني أمي على الصدق فأخاف أن أخون عهدها، فأخذت الخشية رئيس اللصوص فصاح وقال: أنت تخاف أن تخون أمك وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله. ثم أمر برد ما أخذوه من القافلة وقال: أنا تائب على يدك، فقال من معه: أنت كبيرنا في قطع الطريق وأنت اليوم كبيرنا في التوبة فتابوا جميعا بسبب الصدق.
رابعا: حسن العاقبة لأهله في الدنيا والآخرة، قال ﷺ: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب، حتى يكتب عند الله كذابا»([7]).
خامسا: ثقة الناس بالصادقين وثناؤهم الحسن عليهم كما ذكر الله عز وجل ذلك عن أنبيائه الكرام: {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} [مريم: 50].
سادسا: البركة في الكسب والزيادة في الخير، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»([8]).
سابعا: راحة القلب وطمأنينة النفس، قال ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة»([9]).
ثامنا: التوفيق بإذن الله للخاتمة الحسنة وعليه قصة شداد بن الهاد التي مر ذكرها ءانفا.
تاسعا: الثناء في الملأ الأعلى، لقوله ﷺ: «حتى يكتب عند الله صديقا». وكلمة «عند» للتشريف، وليست لإثبات تحيز الله فوق العرش، لأن «عند» تستعمل لغير المكان، قال الله تعالى: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود *مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد} [هود: 82، 83]، إما تدل «عند» هنا أن ذلك بعلم الله. وليس المعنى أن تلك الحجارة مجاورة لله تعالى في المكان. فمن يحتج بمجرد كلمة «عند» لإثبات المكان والتقارب بين الله وبين خلقه فهو من أجهل الجاهلين. وهل يقول عاقل إن تلك الحجارة التي أنزلها الله على أولئك الكفرة نزلت من العرش إليهم وكانت مكومة بمكان في جنب الله فوق العرش؟ حاشا لله، وتنزه عن قول الكافرين، فهو سبحانه موجود أزلا وأبدا بلا جهة ولا مكان، لا يتصف بالجسمية ولا بصفاتها.
عاشرا: الفوز بالجنة والنجاة من النار، قال تعالى: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} [المائدة: 119].
الحادي عاشر: يفوز بمنزلة الشهادة إن طلبها بصدق، قال عليه الصلاة والسلام: «من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه»([10]).
وغير ذلك من فوائد وثمرات الصدق. اسأل الله أن يجعلنا من الصادقين في جميع أحوالنا وأقوالنا وأفعالنا، وأن يصر عنا الكذب ويجعلنا من الملتزمين بوصايا هذا الإمام.
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (1/8)، حديث (7).
([2]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1512)، حديث (1903).
([3]) صحيح مسلم، مسلم، (4/21013)، حديث (2607).
([4]) صحيح البخاري، البخاري، (1/16)، حديث (33). صحيح مسلم، مسلم، (1/78)، حديث (107).
([5]) أي: في العمل وليس معناه أنه كافر خارج من الإسلام.
([6]) صحيح البخاري، البخاري، (4/172)، حديث (3465).
([7]) صحيح البخاري، البخاري، (6/25)، حديث (6094).
([8]) صحيح البخاري، البخاري، (3/64)، حديث (2110).