الشرح: لفهم هذه الوصية على وجهها نحتاج لشرح مفردات هذه الجملة النافعة حتى نتوصل بإذن الله لبيان المقصود منها على التمام.
قال في لسان العرب: الشغب بسكون الغين تهييج الشر والفتنة والخصام، فإذا بعد هذا النص من ابن منظور صاحب لسان العرب يظهر لك أيها القارئ تصور أولي لفحوى هذه الوصية.
وأقدم لك أيها القارئ بمقدمة لطيفة تكون مدخلا لنا إلى الموضوع، فأقول لك: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا.
فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى في السر والعلن وسيروا على خير منهاج وسنن، واحذروا الفتن ما ظهر منها وما بطن، ثم اعلموا أن نبيكم ﷺ قد حذركم من جملة فتن تكون بين يدي الساعة، ودلكم على أسباب النجاة منها والعصمة من شؤمها فاتبعوه ﷺ على سنته ولا تخالفوا أمره، قال تعالى: {وأطيعوا الله والرسول} [ءال عمران: 132]، وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63]. وقال ﷺ: «فعليكم بسنتي»([1])، وقال: «فمن لم يعمل بسنتي([2]) فليس مني»([3]).
فقد حذرنا رسول الله ﷺ من الفتن فقال: «إن بين يدى الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا، ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل على أحد منكم، فليكن كخير ابني آدم»([4]).
قال الحسن رحمه الله: «والله لقد رأيناهم صورا ولا عقول أجساما ولا أحلام فراش نار وذبان يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين يبيع أحدهما دينه بثمن العنز».
وعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان، أو لا تدركوا زمانا لا يتبع فيه العليم ولا يستحى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب»([5]).
ولقد اشتملت أحاديث النبي ﷺ في الإخبار عن الفتن على ذكر صفاتها وصفات أهلها، وبيان شؤم ءاثارها على العباد والبلاد، فمن ذلك قوله ﷺ لابن حوالة رضي الله عنه: «يا ابن حوالة، كيف تصنع في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي([6]) بقر»([7]).
وخرج نعيم بن حماد في الفتن عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «تكون فتنة، ثم تكون جماعة، ثم فتنة، ثم تكون جماعة، ثم فتنة تعوج فيها عقول الرجال»([8]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «تأتيكم من بعدي أربع فتن، فالرابعة منها الصماء العمياء المطبقة، تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم، حتى ينكر فيها المعروف، ويعرف فيها المنكر، تموت فيها قلوبهم كما تموت أبدانهم»([9]).
تذكروا أيها الناس أن نبيكم ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وأنه ﷺ كما أخبركم عن الفتن ووصفها لكم وصفا جليا يزيل اللبس ويجعلكم على بينة، قد بين لكم شؤمها على البلاد وأحوال المؤمنين، ففي المعجم الكبير([10]) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الفتنة ترسل، ويرسل معها الهوى والصبر، فمن اتبع الهوى كانت قتلته سوداء، ومن اتبع الصبر كانت قتلته بيضاء».
وفي الصحيحين([11]) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ، أو معاذا، فليعذ به».
أمة الإيمان، ومما ينجي الله به من الفتن الدعاء والضراعة إلى الله بطلب السلامة منها ومن شرها وشر أهلها، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يخلص من شرها إلا أخلص الدعاء كدعاء الغرق في البحر»([12]).
ومما يسلم به الله من شر الفتن: ما أرشد إليه ﷺ بقوله: «عليكم بالجماعة([13]) وإياكم والفرقة»([14]). وفي حديث حذيفة بيان أنه إن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام فليعتزل المرء تلك الفرق كلها، ولم يقل النبي ﷺ لحذيفة: إذا تموت ميتة جاهلية خلافا لحزب التحرير([15]).
وفي الحديث([16]): «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قال حذيفة: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا».
فاتقوا الله واحذروا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وخذوا للنجاة منها بخير سنن، فإن نبيكم قد تقدم لكم بالإنذار فأبلغ في الإعذار وترككم على محجة بيضاء ليلها كنهارها، فاقبلوا نذارته والزموا سنته ولا تخالفوا عن أمره.
([1]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/200)، حديث (4607).
([2]) أي: طريقتي، أي ما جئت به عقيدة وأحكاما.
([3]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/592)، حديث (1846).
([4]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/100)، حديث (4259).
([5]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (37/518)، حديث (22879).
([7]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (33/464)، حديث (20354).
([8]) الفتن، نعيم بن حماد، (1/539، حديث (81).
([9]) الفتن، نعيم بن حماد، (1/67)، حديث (128).
([10]) المعجم الكبير، الطبراني، (3/294)، حديث (3446).
([11]) صحيح البخاري، البخاري، (9/51)، حديث (7081). صحيح مسلم، (4/2211)، حديث (2886).
([12]) الفتن، نعيم بن حماد، (1/255)، حديث (720).
([13]) والمراد بالجماعة هنا السواد الأعظم، جمهور أمة النبي ﷺ، وليس معناها جماعة الصلوات الخمس مع التأكيد على أهميتها وأهمية الجمعة، إلا أن الحديث (هنا هو تأكيد على البقاء والثبات مع أهل السنة والجماعة الأشعرية الماتريدية.
([14]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/465)، حديث (2165).
([15]) جماعة يسمون «حزب التحرير» يحرفون دين الله وينشرون الأباطيل ويثيرون الخلافات التي لا معنى لها. وقد أسس هذا الحزب رجل يسمى تقي الدين النبهاني ادعى الاجتهاد وخاض في الدين بجهل، فوقع في التحريف والتكذيب لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وخرق الإجماع في مسائل من أصول الدين وفروعه.