الشرح: يجدد لنا الإمام رضي الله عنه التأكيد على اتخاذ حسن الخلق وسيلة لقلوب الناس ومفتاحا لها، كيف لا والوصية تندرج تحت عنوان علاقة العالم بغيره. وقد وصل في الإرشاد إلى الكلام على أمر يجهل أهميته كثير من الناس وهو: حسن الإصغاء والاستماع، أو بما يسميه البعض: إتقان الإنصات.
ليعلم أن الإصغاء له تأثير عظيم في مجال العلاقات الدينية والاجتماعية والعملية. ومن هنا كان للإنصات دوره في كسب ثقة الناس، فإن من ءاداب الاستماع الإنصات ومتابعة المتحدث وعدم مقاطعته طالما لم يكن ثمة ما يخالف الشرع؛ بل وأحيانا قد ينتظر الشيخ حتى ينتهي المخالفون عن مفاسدهم لحكمة ثم يردها ويبين الصواب كما حصل مع أحد أئمة أهل السنة والجماعة وأحد زعماء المعتزلة حتى ءال الأمر في النهاية أن فر المعتزلة من المجلس ولم يعودوا، فقال الإمام لأحدهم اكتب: هربوا.
فإذا يلوح لك أيها القارئ أن حسن الإصغاء هو وسيلة فعالة في كسب القلوب وترك الأثر الجيد والحسن، فإن المتحدث في الغالب يشعر بالإيناس والطمأنينة إذا بدا على مستمعه الإنصات والرغبة في الاستماع، فكم من شخصية لا يرغب الكثير في مجالستها لأن صاحبها لا ينصت لهم فيشعرون أنه لا يقدر حديثهم ولا يعبأ بكلامهم.
وكان العلماء يقولون: أول أبواب العلم الاستماع، وطالما حث على ذلك أئمتنا وعلى رأسهم في هذا العصر الحافظ المعلم المربي الشيخ عبد الله الهرري رحمات الله عليه.
وقد وجه القرءان المسلمين إلى الأمر بالإنصات لتلاوة القرءان للتفكر والتدبر وغيرهما من الفوائد. قال تعالى: {وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204].
والقارئ لسورة يوسف يتضح له من خلالها عظيم هذا الخلق واتصاف الأنبياء به.
فيظهر هذا الأدب حينما قص يوسف رؤياه على أبيه يعقوب صلى الله عليهما وسلم، وأخذ نبي الله يعقوب يستمع له. ثم انظر أيها القارئ إلى روعة الجواب أثناء هذا الحوار، إذ قال عز وجل حكاية عن يعقوب: {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين *وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم} [يوسف: 5، 6].
وهنا فائدتان:
فحسن الاستماع مما ينبغي أن يلتزم في الحوارات لأنه مما يقوى الألفة والمحبة دون انفعال أو توتر، وكم من حوارات كانت نتيجتها الفشل بسبب ترك هذا الأدب.
([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/327)، حديث (1931).