الأربعاء يناير 28, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وارض منهم ما ترضى لنفسك. وعامل الناس معاملتك لنفسك».

الشرح: يشير الإمام رضي الله عنه بهذه النفائس إلى ما وضع لنا الإسلام من مجموعة من القواعد والمبادئ التي تنظم علاقة المسلمين مع بعضهم وتحكم تعاملهم فيما بينهم حتى لا يبغي أحد على أحد، وحتى تسود المودة والوئام والتفاهم فيما بينهم ويبتعدوا عن الخصام والشجار والقطيعة.

ومن هذه القواعد قاعدة إسلامية عظيمة وأصيلة تقوم على مبدأ: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، ومصدر هذه القاعدة مأخوذة من حديث للنبي ﷺ يقول فيه: «فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»([1]).

وهذه القاعدة لها صلة وثيقة بقاعدة أخرى تقوم على مبدأ: «أحب لأخيك المسلم ما تبه لنفسك»، وقد أكد النبي ﷺ على هذا المبدأ وجعله شرطا في كمال الإيمان حين قال: «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([2]).

وهذه القاعدة عبارة عن ميزان يرجع إليه الإنسان كلما اشتبه عليه الأمر عليه واحتار في تصرف أو شك في سلوك، فبالرجوع إلى هذه القاعدة وتطبيقها وتحكيمها يسهل الأمر عليه في كيفية التعاطي مع الناس.

عزيزي القارئ، إذا أردت الجواب الشافي عما قد يدور في ذهنك من أسئلة عن سلوك معين أو تصرف محدد: هل هو سلوك جيد أم رديء؟ سل نفسك سؤالا، ما الذي أريد من الناس في مثل هذه الحالة؟ وما الذي أنتظره ممن أعامل؟ وعلى ضوء الإجابة تكون الصورة واضحة أمامك، وتبني ذلك على ما ورد في الشرع.

وسنعرض فيما يلي بعض الأمثلة من التصرفات والأخلاق التي نعايشها في حياتنا اليومية ونشاهدها في تعاملنا مع من حولنا مع ربطها بهذه القاعدة:

  • لا تحب أن يغتابك أحد أو يذكرك بسوء فلا تغتب أحدا أو تذكر سوء أخيك المسلم تفكها.
  • لا تحب أن يتكبر عليك أحد أو يعاملك باحتقار أو ازدراء فيوجه لك ألفاظا بذيئة، ولا تحب من غيرك أن يخونك، ولا أن يكذب عليك، ولا أن يفضحك إن أسأت؛ بل الذي تحبه م نغيرك أن يعاملك بالصدق والأمانة والنصيحة، فعامله أنت بذلك كذلك، فتواضع له وعامله باحترام، وأسمعه الكلام الطيب والألفاظ الجميلة.

فهذا ما يرشد إليه الإمام تلميذه أن يتحلى بالأخلاق السامية الفاضلة، وأفهمنا الإمام أن تعامل الإنسان مع غيره وفق هذه القاعدة يعني أنهم لن يجدوا منه إلا الأخلاق الرفيعة ولن يشاهدوا منه إلا الأخلاق الراقية ولن يسمعوا منه إلا الألفاظ الكريمة لسبب هين وهو أن هذه الأمور هي التي يريد أن يعاملوه بها، وهي التي يريد أن يراها ويسمعها منهم فيجد نفسه مندفعا إلى التزامها والعمل بها.

فإذا كنت تريد من الناس معاملة طيبة وأخلاقا فاضلة وسلوكا حسنا فابدأ بنفسك أولا، وأقنعها بأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك بها.

([1]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1482)، حديث (1844).

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (1/12)، حديث (13).