الأربعاء فبراير 18, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وتغافل عن زلاتهم».

الشرح: يكرس لنا الإمام قاعدة: عامل الناس كما تحب أن يعملوك. وهذه وصية جديدة فيها الحث على التغافل عن أخطاء الآخرين وهذا في موضعه من الشيم.

يقول الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199].

وقال تعالى: {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} [يوسف: 77]، مع أن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يحصل منه في صغره ما هو حقيقة السرقة بل للمفسرين في ذلك أقوال عديدة منها أنه أخذ صنما خفية لبعض أجداده من جهة أمه لئلا يعبد من دون الله، وهو بذلك لا يكون سارقا حقيقة بل يمدح ويشكر على ذلك، ومع ذلك صبر على مقولة إخوته في ذلك ولم ينتقم منهم. والمراد بإخوته من سوى بنيامين.

وروى الإمام أحمد([1]) والترمذي([2]) وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا؛ فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر». وليس معنى ذلك أنه ﷺ يحكم على صحابي بقول من لا يثبت خبره، ولا يعني أنه يسئ الظن بهم لأنه ﷺ أبعد خلق الله عما يخالف دين الله، بل هو حث وحض على سلامة الصدر وصفاء السريرة وتحسين الظن.

أخي القارئ، هناك خلق منسي عند كثير منا، وهذا ما يشير إليه الإمام رحمه الله رغم أنه خلق مريح مسعد. وقد أوصانا الله به وحثنا عليه رسول الله ﷺ وذلك لفوائده الكثيرة وخاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه السؤال والقيل والقال، وكثر فيه البحث عما يخفيه الغير.

إنه خلق التغافل. فما التغافل؟ وكيف نحققه في حياتنا؟

التغافل معناه تعمد الغفلة، أي أن يري الآخر أنه غافل مع علمه التام وإحاطته بما هو متغافل عنه ترفعا عن الدنيا وسفاسف الأمور.

يقول الحسن البصري رحمه الله: «ما زال التغافل من فعل الكرام»، إذ به تبنى العلاقات وتنمو المحبات وتزدهر.

وجاء في لامية ابن الوردي:

وتغافل عن أمور إنه

 

لم يفز بالحمد إلا من غفل

 فالتغافل في موضعه دليل قوي على حسن خلق صاحبه كما روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: «تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل».

وهنا تنبيه: ليس التغافل عن الزلات دليلا على غباء صاحبه أو سذاجته بل هو من العقل والحكمة. فقد قال الشافعي رضي الله عنه: «الكيس العاقل هو الفطن المتغافل»؛ فإذا يلوح الفرق بين أن نقصد الغفلة وبين الغباء، فالأول في موضعه ممدوح محمود والثاني مذموم.

وكما قال القائل:

ليس الغبي بسيد في قومه

 

لكن سيد قومه الـمتغابي

 أي: الذي يتغافل فيظن به الغباء.

أيها المسلمون، إن من أعظم فوائد التغافل أن المتغافل يكسب صاحبه راحة في نفسه، ولقد أعطانا رسول الله ﷺ مثالا عظيما على ذلك كما في صحيح البخاري([3]) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن المشركين كانوا يسبون النبي ﷺ فيقول رسول الله ﷺ لأصحابه: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما، ويلعنون مذمما وأنا محمد»، مع أنه ﷺ يعلم أنهم إنما قصدوه.

ولقد قال القائل:

ولقد أمر على اللئيم يسبني

 

فمضيت ثمت قلت لا يعنيني

 وأما الذي يقف عند كل كلمة ويرد على كل خطأ ويحاسب على كل صغيرة وكبيرة فهو على شفا حفرة من تنغص عيشته؛ فكم من مشاكل وقعت في المجتمع كان سببها عدم التغافل؟ وكم وقع بين الزوجين أو بين الأقارب والأصحاب من مشاكل كان سببها تتبع الأخطاء والبحث عن الأخطاء، ولو أنهم رزقوا التغافل لزال عنهم نكد كبير كما قال الأعمش رحمه الله: «التغافل يطفئ شرا كثيرا».

وهنا فائدتان: ليس معنى التغافل ترك النصيحة والتنبيه على المخالفات للشرع، فقد جاء في الحديث عن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال: «الدين النصيحة»([4])، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

والفائدة الثانية: هل يكون التغافل مع المفسدين المتلونين المصرين المستمرين على الفساد والإفساد؟ لا، بل يزيدهم ذلك أحيانا انقلابا وفسادا وتشجيعا على الإفساد، فافهم رحمك الله.

([1]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (6/302)، حديث (3759).

([2]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/710)، حديث (3896).

([3]) صحيح البخاري، البخاري، (4/185)، حديث (3533).

([4]) صحيح مسلم، مسلم، (1/74)، حديث (95).