الشرح: لو تأمل الواحد منا كم مرة يحث الإمام على هذا؛ وكم مرة أعادها وكررها بعبارات مختلفة وجمل متنوعة، فإنها كلها تندرج تحت عنوان واحد ألا وهو: حسن الخلق. ومراده من هذا العفو والتجاوز عن الزلات والأخطاء، وهو الموصل إلى حسن الخلق.
وإن رمت السؤال عن تعريف حسن الخلق قلنا لك: إن حسن الخلق كما فسره أحد الصالحين: هو تحمل الأذى وبذل المعروف وكف الأذى، أي أن يعمل المسلم المعروف مع الناس في خطابه لهم ومعاملته لهم، أي: يوطن نفسه أن يعمل المعروف مع الناس سواء عرفوا له ذلك المعروف أم لا، فيعم بخيره الجميع. وتقوى الله تعالى بأداء الواجبات واجتناب المحرمات تساعد على ذلك لأن المعاصي سبب لقسوة القلب. وقال بعضهم: «إن أبعد الناس من رحمة الله هو صاحب القلب القاسي».
تنبيه مهم: إذا قيل: الكافر بعيد من الله أو المسلم الفاسق بعيد من الله، فالمراد به البعد المعنوي لا البعد الحسي أو المكاني لأن الله موجود أزلا وأبدا بلا جهة ولا مكان، على أنه لا مناسبة بين المسلم الفاسق والكافر؛ فالكافر إن مات على كفره مخلد في جهنم، والمسلم الفاسق إن مات بلا توبة وعذبه الله وأدخله النار فإنه لا يخلد فيها، بل مصيره ومآله إلى الجنة.
قال ﷺ: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»([1]).
وسئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الجنة؟ قال: «تقوى الله وحسن الخلق»([2]).
وقال ﷺ: «إن خياركم أحاسنكم أخلاقا»([3]).
فخيار الناس هم الذين تعلموا الشرع وطبقوه وحسنت أخلاقهم، وحسن الخلق من سمو الأحوال، ويرفع درجات المؤمن عند الله، قال ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخيركم خيركم لنسائهم»([4]).
وهنا تنبيه وفائدة: إطلاق القول بـ«اعف عنهم أو سامحهم أو اغفر لهم» للمخلوق ليس على اعتبار مغفرة الذنوب، فالمسلم لا يصرف هذه الأمور وهي اعتقاد مغفرة الذنوب، والخلق بمعنى الإبراز من العدم إلى الوجود، واعتقاد التحليل والتحريم إلا لله، وإلا لصار مشركا، فالله هو الشارع على الحقيقة، أي هو الذي يفرض ما شاء ويحرم ما شاء، يوجب ما شاء، يفعل ما يريد ويحكم بما يشاء، وأما النبي ﷺ فهو الشارع مجازا أي هو الذي بين لنا الأحكام التي أنزلها الله وليس هو الشارع على الحقيقة، فالنبوة سفارة بين الحق سبحانه وبين العباد.
ويجوز أن يتعبد أي يأمر الله سبحانه نبيه ﷺ بوضع الشرع فيقول: افرض وسن ما ترى أنه مصلحة للخلق خلافا لأكثر القدرية، لأنه ليس في تجويز ذلك إحالة أي ما يحيله العقل، ولا إفساد، فوجب أن يكون جائزا بدليل حديث الشيخين([5]): «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة». معناه – والله أعلم – أن الله قد خير نبيه ﷺ بين أن يفرض على أمته السواك عند الصلاة وعدم ذلك فاختار ﷺ ألا يفرض ذلك، فدل شاهد الوجود على صحة ما قلناه والله أعلم بالصواب.
فائدة في بيان شروط التوبة:
وأما استحضار الندم والعزم حين التلفظ بالشهادتين فليس شرطا لصحة الرجوع إلى الإسلام، إنما هو من كمال التوبة، فالشرط أن لا يعزم على الكفر في المستقبل ولا يتردد في ذلك فإنه إن نوى أن يعود إلى الكفر فلا تنفعه الشهادة لأن العزم على الكفر في المستقبل كفر في الحال. فلو لم يخطر بباله أنه لا يعود إلى الكفر بعد هذا ولا نوى الرجوع إلى الكفر ولا تردد في ذلك ولا استحضر الندم إنما ترك الشيء الذي هو ردة وتشهد صح إسلامه، لكن يبقى عليه شرطان واجبان لكمال التوبة أحدهما الندم والشرط الثاني العزم على أن لا يعود للكفر، هذان واجبان لكن ليسا شرطا لصحة الرجوع إلى الإسلام.
([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/355)، حديث (1987).
([2]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/363)، حديث (2004).
([3]) صحيح البخاري، البخاري، (8/13)، حديث (6035).