الشرح: تدور هذه الوصية حول أمرين جليلين لطالما عبر عنهما الإمام بعناوين مختلفة وعبارات ونصائح متنوعة، ألا وهما:
وكلاهما يشملهما موضوع الوصية، وهو علاقة العالم بغيره.
ولنخض مضمار الكلام بشرح هذه الوصية المفيدة، ولنمش على ترتيب يظهر للقارئ العزيز تماسك هذه الوصية بموضوعها ومضمونها، ناهيك عن مدى ارتباطها الوثيق بالوصايا التي سبقتها.
أولا: في كظم الغيظ:
أصل مادة (كظم) يدل على معنى واحد وهو الإمساك والجمع للشيء.
وفي اللغة يقال: كظم غيظه إذا تجرعه واحتمل سببه وصبر عليه وسكت عليه ولم يظهره بقول أو فعل مع قدرته على إيقاعه بعدوه.
وفي الاصطلاح قال ابن عطية: كظم الغيظ: رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته فضبطه ومنعه. وقال أيضا: الغيظ أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان ولذلك فسر بعض الناس الغيظ بالغضب وليس تحرير الأمر كذلك، بل الغيظ فعل النفس لا يظهر على الجوارح والغضب حال لها معه ظهور في الجوارح وفعل ما([1])، إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم ولا يسند إليه تعالى غيظ.
ثانيا: الترغيب في كظم الغيظ:
قد مر أدلة كثيرة في هذا فليرجع إليها من شاء، ونورد هنا بعضها أو زيادة عليها للفائدة:
قال الله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ} [ءال عمران: 133، 134].
قال ابن عاشور: الكاظمين الغيظ؛ وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتى لا يظهر عليه وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها، قال المبرد: فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء.
قال الطيبي: وإنما حمد الكظم لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء، ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} [ءال عمران: 134]. ومن نهى النفس عن هواه فإن الجنة مأواه والحور العين جزاؤه.
وهذا الناء الجميل والجزاء الجزيل إذا ترتب على مجرد كظم الغيظ، فكيف إذا انضم العفو إليه أو زاد بالإحسان عليه.
ويروى عن بعض السلف أنه قال: «من خاف الله لم يشف غيظه ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد» أي: أنه يخالف هوى نفسه ولا يعطيها ما تريد لأنه إن اتبعها وأعطاها ما تأمره به أوصلته إلى النار، فإحياؤها وإكرامها بإماتتها ومخالفتها. ومن لا يخالف هواه لا يترقى. فمن كظم غيظه ورد غضبه أخزى شيطانه وسلمت مروءته ودينه.
والكظم يدفع محذور الندم كالماء يطفئ حر الضرم، ولقد قيل: كظم يتردد في حلقي أحب إلي من نقص أجده في خلقي.
وقال الغزالي([2]): «كظم الغيظ عبارة عن التحلم، أي: تكلف الحلم، ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه، ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة، ولكن إذا تعود ذلك مدة، صار ذلك اعتيادا، فلا يهيج الغيظ، وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب، وهو الحلم الطبيعي، وهو دلالة كمال العقل واستيلائه، وانكسار قوة الغضب، وخضوعها للعقل».
ثالثا: كيفية ضبط النفس عند الغضب:
رابعا: ثمار ضبط النفس:
إلى هذا وأكثر أشار الإمام في هذه الوصية.
([1]) أما ما ورد في القرءان أو السنة الصحيحة من نسبة الغضب إلى الله تعالى فهو محمول ومفسر عند بعض أهل السنة والجماعة على إرادة الانتقام، إذ الله منزه عن التأثر والانفعالات النفسانية وكل ما كان من معاني المحدثين المخلوقين.