الشرح: لماذا قد يوصي الإمام بالإطعام؟ ولم؟ وماذا في إطعام الطعام وما الذي يزرعه المربي في نفوس طلبته إذا أطعمهم؟ وبيان الجواب مذكور في طيات بحثنا المختصر عن إطعام الطعام.
نقول: إن من الصفات الكريمة التي ندب إليها ديننا الحنيف إطعام الطعام، فقد أمر الله تعالى بذلك في ءايات منها: قوله تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق *ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 27، 28]، وقوله تعالى: {وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون} [الحج: 36].
ومن هدي النبي ﷺ أنه كان يأمر أصحابه بذلك لا سيما إذا رأى أهل الفاقة، كما في حديث مسلم([1]) عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر؛ بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 1]، والآية التي في الحشر: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله}[الحشر: 18] «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره – حتى قال – ولو بشق تمرة».
وإطعام الطعام كان معروفا في الجاهلية، فعن مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». وهذا دليل على أن شرط قبول الأعمال الصالحة الإسلام([2]).
ونبي الله ﷺ في قصة بدء الوحي لما رجع إلى السيدة خديجة رضي الله عنها قالت له: «كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»([3]).
فما هي فضائل إطعام الطعام؟
وقال ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال([6]) إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا»([7]).
وفي سنن الترمذي([10]) عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي ﷺ: «ما بقي منها؟»، قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: «بقي كلها غير كتفها»، وقد تقدم.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: «إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك، فأطعم الجائع، واسق الظمن»([13]).
وفي سنن الترمذي([14]) قول رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام»، وقد تقدم.
وفي صحيح مسلم([15]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم اليوم صائما؟»، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟»، قال أبو بكر رض الله عنه: أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟»، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا؟»، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله ﷺ: «ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة»، وقد تقدم.
فإذا سألت ماذا نطعم؟
الجواب: كل ما يؤكل وينتفع به من حلال، ومن إطعام الطعام سقي الماء، فالماء طعام لقول الله تعالى: {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} [البقرة: 249].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ليس صدقة أعظم أجرا من ماء»([16]).
وعن أنس أن سعدا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، ولم توص، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم، وعليك بالماء»([17]).
وتأمل هذه القصة التي أوردها المنذري في «الترغيب والترهيب»([18]): «قال البيهقي: وفي هذا المعنى حكاية شيخنا الحاكم أبي عبد الله رحمه الله فإنه قرح وجهه وعالجه بأنواع المعالجة فلم يذهب وبقي فيه قريبا من سنة فسأل الأستاذ الإمام أبا عثمان الصابوني أن يدعو له في مجلسه يوم الجمعة فدعا له وأكثر الناس التأمين، فلما كان يوم الجمعة الأخرى ألقت امرأة في المجلس رقعة بأنها عادت إلى بيتها واجتهدت في الدعاء للحاكم أبي عبد الله تلك الليلة فرأت في منامها رسول الله ﷺ كأنه يقول لها: قولي لأبي عبد الله يوسع الماء على المسلمين فجئت بالرقعة إلى الحاكم فأمر بسقاية بنيت على باب داره، وحين فرغوا من بنائها أمر بصب الماء فيها وطرح([19]) الجمد في الماء وأخذ الناس في الشرب، فما مر عليه أسبوع حتى ظهر الشفاء وزالت تلك القروح وعاد وجهه إلى أحسن ما كان وعاش بعد ذلك سنين».
ومن نطعم؟
تعاهد جيرانك، فلقد قال رسول الله ﷺ لأبي ذر رضي الله عنه: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك»([20]).
وعند الطبراني([21]) قول رسول الله ﷺ: «ما ءامن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به». أي: من كمال الإيمان إطعام الجار، وليس معناه أن من لم يفعل ذلك يكون كافرا.
وحضنا ديننا على إطعام المسكين، ومن أطعم صائما ففطره فله أجر شبيه بأجره، والمراد أجر عظيم وإلا فثواب الصائم أعلى.
وبالجملة ففي كل كبد رطبة أجر. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أنزع في حوضي، حتى إذا ملأته لأهلي، ورد علي البعير لغيري فسقيتهن فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ: «في كل ذات كبد حرى أجر»([22]).
وعند البخاري([23]) ومسلم([24]) أن النبي ﷺ قال: «غفر لامرأة مومسة، مرت بكلب على رأس ركي([25]) يلهث، كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك».
وبعد هذا كله يعلم لم حض الإمام تلميذه يوسف على إطعام الطعام، فإن لذلك أثرا بالغا في تربية النفوس.
فائدة لطيفة: أحيانا قد يكون إطعام الطعام أفضل من مجرد الصيام كأن كان في هذا الإطعام إنقاذ للمسلم الجائع من الموت. كما يجوز للمسلم أن يفطر أو أن يترك الصلاة المفروضة إن كان لإنقاذ مسلم من الغرق، ولا يتحقق الإنقاذ إلا بترك ما ذكر.
ويشترط لحصول هذا الأجر والثواب أن يكون المطعم مؤمنا مخلصا يطعم طعاما حلالا، وأما إن كان كافرا فلا أجر له، أو كان مرائيا أو كان من حرام فلا ثواب له.
([1]) صحيح مسلم، مسلم، (2/704)، حديث (1017).
([2]) صحيح مسلم، (1/196)، حديث (365).
([3]) صحيح البخاري، البخاري، (6/173)، حديث (4953).
([4]) أي: خصال الإسلام، أي هذا من أفضل وخير خصال الإسلام، وإلا فالإسلام كله خير.
([5]) صحيح البخاري، البخاري، (1/12)، حديث (12).
([6]) أي: من أحبها إلى الله عز وجل.
([7]) المعجم الصغير، الطبراني، (2/106)، حديث (861).
([8]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (39/348)، حديث (23926).
([9]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1990)، حديث (2569).
([10]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/644)، حديث (2470).
([11]) صحيح البخاري، البخاري، (2/109)، حديث (1417).
([12]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/287)، حديث (1855).
([13]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (30/600)، حديث (18647).
([14]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/673)، حديث (2527).
([15]) صحيح مسلم، مسلم، (2/713)، حديث (1028).
([16]) شعب الإيمان، البيهقي، (5/67)، حديث (3106).
([17]) المعجم الأوسط، الطبراني، (8/91)، حديث (8061).
([18]) الترغيب والترهيب، المنذري، (2/42).
([19]) قال الرازي: «(الجمد) بوزن الفلس ما جمد من الماء وهو ضد الذوب». مختار الصحاح، الرازي، (ص60).
([20]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2025)، حديث (2625).
([21]) المعجم الكبير، الطبراني، (1/259)، حديث (751).
([22]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (11/47)، حديث (7075).
([23]) صحيح البخاري، البخاري، (4/130)، حديث (3321).