الخميس فبراير 19, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واعرف مقدارهم».

الشرح: نكمل في شرحنا لهذه الوصية العظيمة النفع، فأنت ترى أيها القارئ كيف أن كل وصية منها ءاخذ بعضها بحجز بعض، وقد بلغ الكلام ووصل إلى قوله رضي الله عنه: «واعرف مقدارهم» وهي في الجملة تندرج تحت إنزال الناس منازلهم. وقد تكلم الإمام هذا في أكثر من وصية، فكرر وأعاد فأفهم وبين. وها أوان الشروع في الشرح، فنقول وعلى الله التكلان:

قبسات وهمسات، نفحات ولفحات، في زمن زاد فيه دبيب البغضاء مدارها شوائب تكدر الصفاء، قال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات} [الأنعام: 165]، وقال سبحانه وتعالى: {يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11].

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «أنزلوا الناس منازلهم»([1]) وذكر مسلم تعليقا في أول صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم([2]).

خصلة حميدة لمن أخذ بحقها فهي لم تزل سببا عظيما من أسباب تأليف القلوب ومظهرا جليا من مظاهر المعاملة الحسنة للناس بما يناسب أحوالهم ومنازلهم.

إن المتأمل لحال كثير من المسلمين اليوم يلحظ تقصيرا بينا وواضحا في جانب مهم من جوانب الحياة وهو جانب الأدب والاحترام والتقدير والإكرام وإعطاء كل ذي حق حقه لكل من جعل له الإسلام منزلة.

إن إنزال الناس منازلهم مطلب ديني وخلق نبوي قل من اتصف به، وممن يشار إليهم بالبنان ويشاد لهم باللسان، ورثة الأنبياء وهم العلماء الذين لهم التقدير والاحترام. فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير»([3])، أي: يدعون له.

وممن لهم الاحترام والتلطف كبار السن، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه»([4]).

وممن هو جدير بالرحمة والتقدير المسلم التقي ولو كان فقيرا، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «رب أشعث، مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره»([5]).

وممن هو جدير بذلك أيضا كل من له يد بيضاء في الخير وإنفاقه، فها هو ﷺ ينزل عثمان بن عفان رضي الله عنه منزلة تليق به، يقول عبد الرحمٰن بن سمرة: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء بألف دينار فصبها في حجر النبي ﷺ حين جهز جيش العسرة فقال النبي ﷺ: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم»([6]).

وقد مر حديث النبي ﷺ: «أنزلوا الناس منازلهم». قال المناوي: أي: احفظوا حرمة كل واحد على قدره وعاملوه بما يلائم حاله في عمر ودين وعلم وشرف.

وهذا التوجيه النبوي الكريم يرجع إلى أمور عظيمة منها: الحكمة والعدل، فالحكمة وضع الشيء في موضعه وتنزيله منزلته.

والعدل إعطاء كل ذي حق حقه، فلا يسوى الجاهل بالعالم، ولا الفاجر بالتقي الصالح.

ولهذا اعتمد أهل الحديث في الحكم على الرواة بنحو هذا الحديث، فحكموا على الرواة بناء على هذا الأصل، فميزوا الضعيف من الثقة، وميزوا الحافظ من غيره، وجعلوهم على مراتب حسب درجة إتقانهم وضبطهم، وفي هذا إنزال لكل من الرواة منزلته. قال الله تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا} [الأنعام: 152].

ويناسب هذا ذكر تفضيل من فضلهم الله، فأفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم.

([1]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/261)، حديث (4842).

([2]) صحيح مسلم، مسلم، (1/6).

([3]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/50)، حديث (2685).

([4]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/372)، حديث (2022).

([5]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2024)، حديث (2622).

([6]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/626)، حديث (3701).