الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وءانسهم ومازحهم أحيانا».

الشرح: فلنقدم لهذه الوصية بمقدمة لطيفة مهمة وهي جليلة النفع عظيمة الفائدة.

ليعلم أن للأعمال ضوابط تضبط بها حتى تكون موافقة للمشروع، ومتى فقدت هذه الضوابط كان ذلك العمل ممنوعا، وكم من إنسان غفل عن تلك الضوابط فوقع في الممنوع من حيث يشعر أو لا يشعر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».

ومن تلك الأعمال التي لا بد أن تضبط بضوابط الشرع المزاح الذي يكثر في هذه الأزمنة ويقل من يضبطه بضوابط الشرع.

وإن هذه الوصية التي كما قد علم تتعلق بآداب العالم والمتعلم، ومفهوم أن هذه النصيحة بالخصوص تندرج تحت كيفية تعامل الشيخ والعالم مع طلبته وتلاميذه، وبناء على ذلك لنتكلم على المزاح بالتفصيل ولنحاول استيعاب الموضوع وبيانه بيانا شافيا بإذن الله.

معنى المزاح: المزاح مشتق من الفعل مزح، قال صاحب القاموس: مزح كمنع مزحا ومزاحة ومزاحا بضمهما: دعب([1]).

فإذا المزاح بالضم هو وسيلة يراد بها المباسطة والملاطفة والمؤانسة بحيث لا يفضي إلى أذى، فإذا بلغ الإيذاء فإنه يفضي إلى السخرية، والـمزاح بكسر الميم: مصدر «مازح».

ومما يطلب في المزاح:

  • أن يكون على سبيل المباسطة وتطييب الخاطر وإدخال السرور إلى قلب المسلم، فقد قال رسول الله ﷺ: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»([2]). وعن عبد الله بن الحارث قال: «مأ رأيت أحد أكثر تبسما من رسول الله ﷺ»([3]).

ومن فوائده: أنه أنس للمتصاحبين وطرد للوحشة وتأليف للقلوب وتوطيد لعلاقة الأخوة والوفاء.

وفيه أحيانا تخليص من الخوف والغضب والقلق وغيره.

وفيه أحيانا تخليص من السآم والملل، وذلك كأن يعطي الشيخ طلابه سؤالا أو لغزا كي يذهب الملل عنهم.

ومن مشكاة النبوة أن رسول الله ﷺ كان يدعو إلى الرفق، فقد روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال([4]): «يا عائشة إن الله رفيق([5]) يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف».

والرفق هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل.

والمزاح الممدوح وما يتبعه من لين القول والتبسم وانشراح الصدر مظهر من مظاهر الرفق.

ففي الحديث: «يا أبا عمير، ما فعل النغير»([6]). والنغير طائر كان أخو أنس يلعب به.

وعند الترمذي في سننه([7]) عن أنس بن مالك أن رجلا استحمل رسول الله ﷺ فقال: «إني حاملك على ولد الناقة»، فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟».

وفي الحديث عن جابر بن سمرة أنهم كانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم.

وأورد الحافظ البخاري حديثين ذكرهما في باب «السمر في العلم» واستنبط منهما جواز السمر في العلم والقياس على ذلك في المؤانسة مع الأهل وكذلك لتحصيل فائدة مع الإخوان والخلان. وكذا إن كانت مصلحة دعوية في بذل نصح وتقريب قلوب وزيادة محبة ومودة وإزالة الكدر.

التوازن مطلب أساس:

لقد كان رسول الله ﷺ يعيش بين الصحابة وفيهم الحازم من أمثال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان رجلا مهيبا ومنهم المزاح. والأصل هو في إنكار الضحك المتكلف في القهقهة أو الضحك في مواطن الجد أو الإفراط.

ولقد سئل ابن عمر رضي الله عنهما هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال: نعم. والإيمان في قلوبهم مثل الجبل.

يقول الحافظ النووي: «المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار. فأما من سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله».

الضوابط الشرعية في المزاح:

  • أن لا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدين فيعد هذا من نواقض الإسلام، قال الله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون *لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 65، 66].

ولقد قيل: من عصى الله وهو يضحك أدخله الله النار وهو يبكي، ومن أطاع الله وهو يبكي أدخله الله الجنة وهو يضحك.

  • أن لا يكون إلا صدقا لا كذب فيه:

روى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله ﷺ قال: «ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له ويل له»([8]).

وقوله ﷺ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يرى بها بأسا، فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفا»([9]).

  • أن يتجنب السخرية والاستهزاء بالآخرين: فذلك حرام، يقول الله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} [الحجرات:11]، والمراد بذلك احتقارهم واستصغارهم والاستهزاء بهم.

يقول الطبري: «اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان([10])، ويخشى على المستهزئ أن تعود عليه تلك الخصلة التي يسخر من غيره فيها فيتصف بها ويبتلى بفعلها لقوله ﷺ: «لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك»([11]).

ولقد نهى النبي ﷺ عن السخرية بالمسلمين فقال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه»([12]).

  • أن لا يروع أخاه، فقد أورد أبو داود في سننه([13]) أن عبد الرحمٰن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ، أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما».

وكذلك قوله ﷺ: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا، ولا جادا»([14]).

  • عدم الانهماك والاسترسال والمبالغة والإطالة:

ينبغي أن لا يداوم على المزاح، يقول الغزالي: من الغلظ العظيم أن يتخذ المزاح حرفة، وروي عن عمر بن عبد العزيز: اتقوا المزاح فإنه يذهب بالمروءة.

  • أن ينزل الناس منازلهم:

فإن العالم والمسلم الكبير في السن لهم من المهابة والوقار منزلة خاصة، ولأن المزاح قد يفضي إلى سوء الأدب معهما غالبا، فينبغي الابتعاد عن المزاح معهما خشية الإخلال بتوجيه النبي ﷺ حيث يقول: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم»([15]).

ونقل طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من السنة أن يوقر العالم، وإذا مازحك شيخك فإنما ذلك من باب المباسطة فلا تتجرأن عليه، ولا تتخذ ذلك سبيلا لقلة الأدب معه، وليكن ذلك حافزا لك على الجد والاجتهاد والعمل بلا كسل ولا توان.

  • أن لا يكون مع السفهاء، فقد روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال لابنه: اقتصد في مزاحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء ويجرئ عليك السفهاء.
  • أن لا يكون فيه غيبة، فإن الغيبة ومثلها النميمة كلتاهما تصبان في مستنقع الفتنة، ولا يخلو من كثر مزاحه في الغالب من هذه الآفة لأن من كثر كلامه كثر سقطه، وقد لا يشعر أنه وقع في الإثم أصلا، والبعض قد يقول: أنا أمزح، لا أقصد، فهذا لم يع تعريف النبي ﷺ للغيبة بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره».

وقد أورد الترمذي في سننه عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أصبح ابن ءادم فإن الأعضاء كلها تكفر([16]) اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا»([17]).

فبعد هذا كله يتضح لك تعريف المزاح ومتى يكون مذموما، ومتى يكون ممدوحا. فالشيخ والعالـم والمربي إذا مازح طلابه فإنما ذلك لغيناسهم وليبعد عنهم مللا إن كان، وقد يكرره العالم بين الفينة والفينة إذا رأى حاجة إلى ذلك، وهذا مما يساعد الطالب على الاستمرار في تحصيل العلم ويحفز له همته، فإن من جملة الأمور التي ينال العلم صحبة أستاذ. وهنا ننبه أن صحبة الأكابر ينبغي أن تكون على وجهها لئلا يحرم الإنسان بركتهم، فافهم وتنبه.

([1]) تاج العروس، الفيروزءابادي، (1/241).

([2]) شعب الإيمان، البيهقي، (5/66)، حديث (3105).

([3]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/601)، حديث (3641).

([4]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2003)، حديث (2593).

([5]) قال القرطبي: الرفيق هو الكثير الرفق. الكوكب الوهاج، محمد الأمين الهرري، (24/379).

([6]) صحيح البخاري، البخاري، (8/30)، رقم الحديث (6129).

([7]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/357)، حديث (1991).

([8]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/557)، حديث (2315).

([9]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/1313)، حديث (3970).

([10]) تفسير القرطبي، القرطبي، (16/327).

([11]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/662)، حديث (2506).

([12]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1986)، حديث (2564).

([13]) سنن أبي داود، أبو داود (4/301)، حديث (5004).

([14]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/301)، حديث (5003).

([15]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/261)، حديث (4843).

([16]) قال الشمس العلقمي: أي تذل وتخضع له، والتكفير هو أن ينحني ويطأطئ رأسه قريبا من الركوع. وفي نسخة: «تفكر».

([17]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/605)، حديث (2407).