الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وخذهم بجلي العلم دون دقيقه».

الشرح: هي لفتة نظر من الإمام ووصية منه وإرشاد له كيف هي الطريق لتدريس الناس، وفي الحقيقة: من تأمل الكلمات وفهم فحواها ومغزاها يعرف ويفهم أن الإمام أبا حنيفة يعلمه ويربيه ليكون ربانيا.

ما معنى الرباني؟ وما هو؟ وما هي صفاته؟ أسئلة تطرح وفيما يأتي جواب شاف بإذن الله تعالى، وقد قال ﷺ: «فإنما شفاء العي السؤال»([1]).

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولـكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [ءال عمران: 79].

ويقول عز من قائل: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44]. ويقول أصدق القائلين: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} [المائدة: 63].

قال الرازي في تعريف الربانيين: «أن يكون الداعي له في جميع الأفعال طلب مرضاة الله، والصارف له عن كل الأفعال الهرب من عقاب الله».

وأورد الطبري عدة أقوال في تعريف الربانيين، فقال عن أبي رزين: {ولـكن كونوا ربانيين} [ءال عمران: 79]، حكماء، علماء. وعن الحسن في قوله: {ولـكن كونوا ربانيين} قال: كونوا فقهاء علماء. وعن السدي في قوله: {ولـكن كونوا ربانيين} أما الربانيون فالحكماء الفقهاء، وعن ابن وهب قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله تعالى: {ولـكن كونوا ربانيين} قال: الربانيون الذين يربون الناس، ثم قال الطبري: فالربانيون إذا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار لأن الأحبار هم العلماء، والرباني الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم.

وقال القرطبي([2]) «قال الضحاك في قوله تعالى: {ولـكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون} قال: حق على كل من تعلم القرءان أن يكون فقيها».

وقد قال محمد ابن الحنفية: «لما مات عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لقد مات هذا اليوم رباني هذه الأمة».

والربانيون هم: {الذين هم في صلاتهم خاشعون *والذين هم عن اللغو معرضون *والذين هم للزكاة فاعلون *والذين هم لفروجهم حافظون *إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون *والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون *والذين هم على صلواتهم يحافظون *أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}[المؤمنون: 2 – 11].

والربانيون هم الذين {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون *الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون *أولـئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} [الأنفال: 2 – 4}.

وهم الذين قال الله فيهم: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما *والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما *والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما *إنها ساءت مستقرا ومقاما *والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما *والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} [الفرقان: 63 – 68].

وهم الذين قال الله فيهم: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما *والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا *والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما *أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما *خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما} [الفرقان: 72 – 76].

فالربانيون هم أولئك الذين أخلصوا لله في عبادتهم فعبدوه وحده بحق وصدق امتثالا لقوله سبحانه: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} [الزمر: 2]، وامتثالا لقول النبي ﷺ: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه»([3]).

والربانيون هم العلماء العاملون الذي يخشون الله حق خشيته، قال سبحانه: {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء([4]) إن الله عزيز غفور *إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور *ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور} [فاطر: 28 – 30].

والعلماء الربانيون هم الذين يعلمون الحلال من الحرام، قال البغوي: «الربانيون العلماء بالحلال والحرام».

فهم يطلبون رضا الله سبحانه وتعالى بعلمهم فيطابق قولهم فعلهم، قال أبو عمر الزاهد: سألت ثعلبا عن هذا الحرف وهو الرباني، فقال: سألت ابن الأعرابي فقال: إذا كان الرجل عالما عاملا معلما قيل له: هذا رباني، فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني.

قال النووي: «العلماء الربانيون الذين ورثوا النبي ﷺ علما وعبادة وأخلاقا ودعوة، وهؤلاء هم أولو الأمر حقيقة لأن هؤلاء يباشرون العامة ويباشرون الأمراء ويبينون دين الله ويدعون إليه».

ومع إخلاصهم فهم يتحلون بالحكمة فيدعون إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ويرفقون بمن يعلمونهم، قال الحافظ ابن حجر في تعريف العالم الرباني: «الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره».

وهذه العبارة وردت أيضا عن الإمام البخاري رضي الله عنه.

فالعالم الرباني حكيم في علمه، يضع العلم في موضعه، ولا يصرف دقيق العلم لمن لا يفهمه، فمثلا عامة الناس يحتاجون إلى حكمة في إيصال العلم الذي يجب أن يتعلموه، فيسهل وييسر العلم الشرعي لهم حتى يتمكن من الوصول إلى العوام من الرجال والنساء والكبار والصغار.

ومن الحكمة أن لا تصدم بعض الناس بما هو أكبر من عقولهم، فقد يؤدي ذلك إلى ردهم وتكذيبهم، وفي الأثر عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: «خاطبوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله».

ويقول الفقيه الغزالي في «إحياء علوم الدين»([5]): «كل لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار».

وكم من إنسان خطئ وبدع وربما ضلل وهو على حق، لأنه تكلم وسط قوم لا تتسع عقولهم لما قال.

ومن الحكمة أن يبدأ بالأهم قبل المهم، فيشتغل بالعلوم الضرورية قبل غيرها، ومن ذلك تعليم الناس العقيدة، عقيدة النبي ﷺ، وبيان أن الله موجود لا كالموجودات، شيء لا كالأشياء، متصف بصفات تليق بجلاله وعظمته، موجود قبل المخلوقات، وهو مقدس عن صفاتها، لا جسم ولا حجم ولا جثة له، ولا كمية ولا كيفية له، ولا أدوات ولا أعضاء له، ولا زوجة ولا ولد له، موجود أزلا وأبدأ بلا مكان ولا جهة. والتحذير من الكفر بأقسامه الثلاثة: القولي والفعلي والاعتقادي، والتحذير من أهل الضلال.

فهؤلاء الربانيون لهم سمات واضحة في تعليمهم منها:

  • أن يكونوا ربانيين حقا، أي: يربون الناس بالعلم، ويراعون في ذلك التدرج في التعليم، فلا ينقلون الإنسان في طفرات متسارعة تجعله غير منضبط في علمه وتعليمه.
  • بذل العلم للعامة بسهولة العبارة ووضوحها، لأن المقصود ليس التقعر بالقول وإظهار القدرة على الناس؛ بل المقصود تبليغ السامع الحق مع الإخلاص، قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم: 4].

يقول الشاطبي رحمه الله: وبهذا كان السلف الصالح يعملون في تبليغ الشريعة للمؤالف والمخالف، ومن نظر في استدلالهم على إثبات الأحكام التكليفية على أنهم قصدوا أيسر الطرق وأقربها إلى عقول المخاطبين والطالبين من غير ترتيب متكلف ولا نظم مؤلف، بل كانوا يرمون الكلام على عواهنه([6]) ولا يبالون كيف وقع الكلام في ترتيبه إذا كان سهل المأخذ قريب الملمس.

فتراع أيها المدرس التبسيط والتسهيل والتيسير، فالمهم أن يصل الحق إلى الناس ولا يمنع أن الإنسان قد يخص أقواما بمزيد من العناية والترتيب والتبويب لأنهم طلبة علم مختصون لهم عقم ودقة في البحث أو ما شابه ذلك، ولهذا اختص الخطيب بأهمية تسهيل العلم للناس.

فهذه بعض صفات العلماء الربانيين الهداة المهديين، جعلنا الله منهم وأسلكنا سبلهم، إنه كريم وعلى ما نسأله قدير.

([1]) سنن أبي داود، أبو داود، (1/93)، حديث (336).

([2]) الجامع لأحكام القرءان، القرطبي، (1/22).

([3]) السنن الكبرى، النسائي، (4/286)، حديث (4333).

([4]) أي: أن العلماء الأتقياء هم أشد خشية له من غيرهم، وليس الأمر كما ادعى بعض جهلة المتصوفة الزنادقة فقالوا – والعياذ بالله -: «الله يعتذر من العلماء»، فالله تعالى لا يخشى العلماء ولا يخافهم ولا يعتذر منهم ولا من غيرهم، تعالى الله عن ذلك.

([5]) إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/57).

([6]) أي: أنهم لا يتكلفون في تنميق وترتيب الكلام وصرف الوقت والجهد لذلك من غير حاجة؛ بل يتكلمون بالحق والصواب بما يفي بالغرض من غير تحريف ولا تبديل.