الشرح: وصية فيها توثيق عرى المحبة بين المسلمين، وهي من علاقة العالم بغيره، ويستفاد منها الأمر بإفشاء السلام.
وأما بالنسبة لمعنى «السلام عليكم» فهو دعاء بالسلامة من الآفات في الدين والنفس. قال تعالى: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} [النور:61]. وقال نبي الله ﷺ: «حق المسلم على المسلم ست»، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه».
وقد عد النبي ﷺ رد السلام من حق الطريق، قال ﷺ: «إياكم والجلوس على الطرقات»، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلا الـمجالس، فأعطوا الطريق حقها»، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن الـمنكر»([1]).
وقد رغبت النصوص في إفشاء السلام، فهذه تحية للمسلمين في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة، فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله»([2]).
وأما في الآخرة فلأن السلام تحية الملائكة للمؤمنين في الجنة، قال تعالى: {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والـملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} [الرعد: 23، 24]، وقال تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73].
وهو تحية أهل الجنة في الجنة، قال الله عز وجل: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: 44]، وقال تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما} [الواقعة: 25، 26]، وقال عز وجل: {وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام} [إبراهيم: 23].
ومن ثمرات إفشاء السلام:
تنبيه: قوله: «يوجب لي الجنة» معناه: يكون سببا لي أن أدخل الجنة بسلام، وليس معناه أن هذا العمل يوجب على الله إدخاله الجنة، إذ إن الله تعالى لا يجب عليه شيء. قال ابن رسلان: «وما على الإله شيء يجب».
فالمسلمون يعتقدون أن إدخال الله للمؤمنين الجنة هو محض فضل وتكرم وإحسان منه عز وجل، وإدخال الكافرين وبعض عصاة المسلمين النار محض عدل منه ليس ظلما. فالله لو عذب أهل أرضه بما فيهم الأنبياء وأهل سماواته يعني الملائكة لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم لأن أعمالهم كما تقدم لا توجب على الله إدخالهم الجنة، فرحمته سبحانه خير لهم من أعمالهم، وهذا لا يتنافى ولا يتناقض مع وعد الله تعالى للمؤمنين بالجنة والكافرين بالنار، فوعده سبحانه تفضل منه، ولا يتخلف، بل تخلفه مستحيل، وكذلك وعيده.
وانتبه أيها المسلم من البخل بالسلام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أعجز الناس من عجز في الدعاء، وإن أبخل الناس من بخل بالسلام»([11])، والمعنى من أعجزهم وأبخلهم، ومعناه إن ترك التسليم على الناس يخسر خيرا عظيما لا أنه عصى الله.
ثم إن للمسلم ءادابا وأحكاما ما أجمل الالتزام بها:
وقد نقل الحافظ ابن حجر([14]) عن المازري قوله: «لو ابتدأ الماشي فسلم على الراكب لم يمتنع لأنه ممتثل للأمر بإظهار السلام وإفشائه غير أن مراعاة ما ثبت في الحديث أولى، وهو خبر بمعنى الأمر على سبيل الاستحباب ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة بل يكون خلاف الأولى، فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان المأمور تاركا للمستحب والآخر فاعلا لللسنة إلا إن بادر فيكون تاركا للمستحب أيضا».
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه، وأخذ بيده، فصافحه، تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر»([21]).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل الذي ينزع»([22]).
وقد سئل الإمام مالك رضي الله عنه: هل يسلم على المرأة؟ فقال: أما الـمتحالة([23]) فلا أكره ذلك، وأما الشابة فلا أحب ذلك. وعلل الزرقاني في شرحه على الموطأ عدم محبة مالك لذلك بخوف الفتنة بسماع ردها السلام.
وذكر ابن مفلح أن ابن منصور قال للإمام أحمد: التسليم على النساء؟ قال: إذا كانت عجوزا فلا بأس به، وقال صالح ابن الإمام أحمد: سألت أبي: يسلم على المرأة؟ قال: أما الكبيرة فلا بأس، وأما الشابة فلا تستنطق، يعني لا يطلب منها أن تتكلم برد السلام.
وإذا كانت النساء جمعا فسلم عليهن الرجل أو كان الرجال جمعا فسلموا على المرأة الواحدة جاز بلا كراهة إذا لم يخف عليه ولا عليهن ولا عليها أو عليهم فتنة.
روى أبو داود([24]) عن أسماء بنت يزيد قال: مر علينا النبي ﷺ في نسوة فسلم علينا.
ولا شك أن النبي ﷺ كان من الفتنة معصوما إن سلم أو سلم عليه. وفي فعله دليل على جواز ذلك وهو تعليم للأمة. والصواب والحق والمعتمد الذي لا محيد عنه أن صوت المرأة ليس عورة.
اللهم فقهنا في ديننا، واجعلنا من ورثة أنبيائك والمقتفين لآثارهم ومن السالمين يوم الدين.
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (3/132)، حديث (2465).
([2]) صحيح البخاري، البخاري، (4/131)، حديث (3326).
([3]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (2/245)، حديث (491).
([4]) شعب الإيمان، البيهقي (11/244)، حديث (8485).
([5]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/278)، حديث (856).
([6]) صحيح البخاري، البخاري، (1/12)، حديث (12).
([7]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/351)، حديث (5197).
([8]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/59)، حديث (2698).
([9]) المعجم الكبير، الطبراني، (22/180)، حديث (469).
([10]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (2/258)، حديث (504).
([11]) شعب الإيمان، البيهقي، (11/193)، حديث (8392).
([12]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1625)، حديث (2055).
([13]) صحيح البخاري، البخاري، (8/52)، حديث (6232).
([14]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (11/17).
([15]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/351)، حديث (5200).
([16]) أي ليس على طريقتنا الكاملة.
([17]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/56)، حديث (2695).
([18]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/353) حديث (5208).
([19]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/352)، حديث (5202).
([20]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/1220)، حديث (3703).
([21]) المعجم الأوسط، الطبراني، (1/84)، حديث (245).
([22]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/654)، حديث (2490).
([24]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/352)، حديث (5204).
([25]) سنن أبي داود، أبو داود، (1/243)، حديث (927).
([26]) صحيح مسلم، مسلم، (2/671)، حديث (975).