الأربعاء فبراير 18, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وأظهر التودد إلى الناس ما استطعـت».

الشرح: وسائل التودد إلى الخلق كثيرة جدا، وتختلف باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال، ولكن نعدد بعضا من أهم هذه الوسائل، فمنها:

  • حسن الخلق مع البشر فهو مفتاح قلوبهم، والباعث على مودة صاحبه وممهد له في قلوب الناس مكانا، قال أبو حاتم بن حبان البستي: حسن الخلق بذر اكتساب المحبة، كما أن سوء الخلق بذر استجلاب البغضة، ومن حسن خلقه صان عرضه، ومن ساء خلقه هتك عرضه، لأن سوء الخلق يورث الضغائن، والضغائن إذا تمكنت في القلوب أورثت العداوة، والعداوة إذا ظهرت من غير صاحب الدين هوت بصاحبها إلى النار إلا أن يتداركه المولى بتفضل منه وعفو([1]).
  • البشاشة وطلاقة الوجه والتبسم في وجوه الناس مما يقذف الود في قلوب البشر لصاحبها.
  • الرفق ولين الجانب، والأخذ باليسر، والسهولة في معاملة الناس.
  • التواضع وخفض الجناح وعدم التعالي والتكبر عليهم، قال أبو حاتم: ولكن من أسباب المؤاخاة التي ينبغي على المرء لزومها: مشي القصد وخفض الصوت وقلة الإعجاب ولزوم التواضع وترك الخلاف.
  • عدم التثقيل عليهم، قال أبو حاتم: ولا ينبغي للمرء أن يكثر على إخوانه المؤونات فيبترهم لأن المرضع إذا كثر مصه ربما ضجرت أمه فتلقيه.
  • تفريج كرب الإخوان والوقوف إلى جانبهم في الملمات والأحزان ومواساتهم والإحسان لهم، فعن سليمان مولى عبد الصمد بن علي أن المنصور قال لابنه المهدي: اعلم أن رضا الناس غاية لا تدرك فتحبب إليهم بالإحسان جهدك وتودد إليهم بالإفضال، واقصد بإفضالك موضع الحاجة منهم.
  • الزيارة والتواصل والسؤال عن الإخوان وتجنب الجفاء بين المتودد وبين من يطلب وده. قال أبو حاتم: العاقل يتفقد ترك الجفاء مع الإخوان ويراعي محوها إن بدت منه، ولا ينبغي أن يستضعف الجفوة اليسيرة لأن من استصغر الصغير يوشك أن يجمع إليه صغيرا فإذا الصغير كبير؛ بل يبلغ مجهوده في محوها.
  • عدم مقابلة الإساءة منهم بالمثل، فمن أراد التودد للبشر فليعف وليصفح وليقابل الإساءة بنقيضها. قال السلمي: وقابل القطيعة بالصلة، والإساءة بالإحسان، والظلم بالصبر، فقد قال ﷺ لعقبة رضي الله عنه: «يا عقبة بن عامر، صل من قطعك، وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك»([2]).
  • إدخال السرور في قلوب الناس، والتبسم لهم والمزاح، قال الماوردي: العاقل يتوخى بمزاحه أحد حالين لا ثالث لهما، أحدهما: إيناس المصاحبين والتودد إلى المخالطين كما قال حكيم لابنه: يا بني اقتصد في مزاحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء ويجرئ السفهاء، والتقصير فيه نقص بالمؤانسين وتوحش بالمخاطبين. والثاني: أن ينفي المزاح ما طرأ عليه وحدث به من هم.

تنبيه مهم: لا ينبغي أن يكثر من المزاح بل يستعمله وقت الحاجة إليه للتخفيف عن إخوانه وأصحابه بما يفرحهم ويزيح الهم والأحزان عن قلوبهم، ويراعي أن يكون المزاح موافقا للدين فلا يكذب ولا يؤذي ولا يروع ولا يكثر بحيث يصير عادة له.

  • أن يوقر الشيوخ والمشايخ ويرحم الصبيان، وفي الحديث قال النبي ﷺ: «ليس منا([3]) من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»([4]).
  • أن يبدأ من يلقى بالسلام قبل الكلام، قال ﷺ: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا،‏ أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»([5])، وقد سبق التعليق على معنى هذا الحديث فانظره.
  • الكلمة الطيبة، فهي تقود القلوب إلى محبة صاحبها.
  • الهدية، وهي وسيلة ذات أثر كبير على القلوب، فقد قال ﷺ: «تهادوا تحابوا»([6]).

([1]) وهذا ليس معناه أنه يكون بذلك كافرا، إنما بسبب وصوله إلى الكبائر يستحق دخول النار، وإن دخلها وهو مسلم لا يخلد فيها.

([2]) شعب الإيمان، البيهقي، (10/417)، حديث (7723).

([3]) أي: ليس على طريقتنا الكاملة.

([4]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/321)، حديث (1919).

([5]) صحيح مسلم، مسلم، (1/74)، حديث (93).

([6]) شعب الإيمان، البيهقي، (11/301)، حديث (8568).