الشرح: قد مر الكلام في وصية الإمام على الإحسان إلى من أساء، والحث على زيارة من يزورك ومن لا يزورك، فلذا ننتهزها فرصة للكلام على الجفاء.
إن مما يحزن الإنسان العاقل في هذه الأيام كثرة الجفاء بين الإخوان والأصحاب، فتجد بعضهم يجفو إخوانه وأقرانه الذين طالما جلس معهم فأفادهم وأفادوه؛ بل قد يصل الحال بالبعض إلى جفاء وهجران من له الفضل في هدايته وتربيته وصلاح أمره، ويغفلون أن التآلف والتآخي في الله هو من ثمرة حسن الخلق، وأن الجفاء صفة ذميمة ومظهر من مظاهر سوء الخلق الذي يورث التفرق والوحشة بين الناس، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل، فكم من بيت خرب وأسرة تهدمت بسببه؟ وكم من جفوة ونفرة بين الأحبة حدثت بسبب غلظة الطبع وترك الرفق في الأمور؟
وقد وردت النصوص القرءانية بذم الجفاء والتنفير منه؛ قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [ءال عمران: 159]، وقال سبحانه: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولـكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} [الأنعام: 43]، وقال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 16].
وأيضا جاء النهي عن الجفاء على لسان خير الورى، فقد قال ﷺ: «وإذا كانت العراة الحفاة الجفاة رؤوس الناس فذاك من أشراط الساعة». متفق عليه.
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان: فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»([1]).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ([2]): «المؤمن مألفة، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف».
يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر([3]): «كان لنا أصدقاء وإخوان اعتد بهم فرأيت منهم من الجفاء وترك شروط الصداقة والأخوة عجائب، فأخذت أعتب، ثم انتبهت لنفسي فقلت: وما ينفع العتاب، فإنهم إن صلحوا فللعتاب لا للصفاء». ومراده حيث لا ينفع العتاب.
ويقول أبو حامد الغزالي([4]): «وهفوة الصديق لا يخلو إما أن يكون في دينه بارتكاب معصية أو في حقك بتقصيره في الأخوة؛ أما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية والإصرار عليها فعليك التلطف في نصحه بما يقوم أوده ويجمع شمله ويعيده إلى الصلاح والورع، أما تقصيره في حقك الأولى العفو والاحتمال».
والجفاء والغلظة صفتان غير محببتين في الشرع، فينبغي للمؤمن أن يتخلى عن العنف والقسوة والعبوس وسوء المعاملة وأن يتحلى بالرفق والرحمة والبر والعطف والحلم ومجاهدة نفسه في التباعد عن أسباب العنف وصوره. قال تعالى: {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} [الشمس:9، 10]، وقال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69].
فلنتخلق بأخلاق الكمل؛ فالمؤمن المتواضع هين لين، سهل ذلول، منقاد للحق، يألف ويؤلف، بخلاف الجافي الغليظ الذي لا يألف ولا يؤلف. فقد كان ﷺ ألين الناس، يصل الرحم، ويحمل الكل، ويكسب المعدوم([5])، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ومن كان كذلك لا يخزيه الله أبدا، كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في رسول الله ﷺ.
وقد قال رسول الله ﷺ: «الإيمان في أهل الحجاز، وغلظ القلوب والجفاء في الفدادين في أهل المشرق»([6])، أي: في جهة نجد.
فينبغي للمؤمن الكامل أن يجاهد نفسه في زيارة إخوانه، والإحسان إليهم، ووصلهم بالعطاء، وتفقد أحوالهم، لما في ذلك من الثواب والأجر والفائدة والمصلحة العظيمة، وأن يجاهد نفسه في الشفقة والرحمة والتواضع والإحسان وترك الجفاء، والابتعاد عن الغلظة وسوء الخلق والقطيعة والتباغض والتدابر فتصلح المجتمعات ويتقوى المسلم بالتآلف مع إخوانه؛ وفي ذلك قوة للإسلام وأهله وإرعاب لأهل الكفر والضلال والنفاق.
فهنيئا لمن ترك الجفاء واقتدى بسيد الأصفياء محمد ﷺ، وبسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبالأولياء رضوان الله تعالى عليهم، ففي متابعتهم الخير والفلاح، وفي ترك ذلك الخيبة والحسرة والندامة.
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (8/21)، حديث (6077).
([2]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (37/492)، حديث (22840).
([3]) صيد الخاطر، ابن الجوزي، (ص391).
([4]) إحياء علوم الدين، الغزالي، (2/183).