الأربعاء فبراير 18, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ومن تكلم منهم بالقبيح فيك فتكلم فيه بالحسن الجميل».

الشرح: هذا من الإمام عطف على ما سبق، وبيان وتفصيل زيادة على ما مر، وفي شرح هذه الوصية نذكر ما روي عن الحسن البصري من قوله: «مرحبا بحسنة لم أعملها ولم أتعب فيها([1])، ولم يدخل فيها عجب ولا رياء»، فلننطلق منها.

هذه هي الأخلاق الحميدة تعلمها المسلمون عبر تاريخهم المشرق من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ، قال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} [المؤمنون: 96].

كما أن رسولنا محمدا ﷺ بين من هو المفلس يوم القيامة وما حاله حيث قال: «أتدرون من المفلس؟»، قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله ﷺ: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته([2])، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار‏»([3]).

وعلى هدي السنة النبوية تربت أجيال المؤمنين عبر التاريخ، فقد ذكرت كتب السيرة والتاريخ قصة حدثت مع الإمام الحسن البصري رحمه الله حيث قيل له: إن فلانا قد اغتابك، فبعث إليه وقال: بلغني أنك أهديت إلي بعض حسناتك هدية([4]).

ثم للإحسان إلى الآخرين أثر عظيم، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة أن فضالة بن عمير مر بالنبي صلى الله عليه وءاله وسلم يوم الفتح وهو عازم على الفتك به، فقال له: «ما كنت تحدث به نفسك؟»، قال: لا شيء، كنت أذكر الله تعالى، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: «أستغفر الله لك»([5]). ثم وضع يده على صدره، قال: فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما أجد على ظهر الأرض أحب إلي منه([6]). وأسلم فضالة بهذا الصفح الكريم وزالت من قلبه عداوة النبي – وهو اعتقاد كفري – وحلت محلها محبة رسول الله ﷺ وهي من الإيمان.

تأمل أخي القارئ هذا الموقف النبوي الكريم، كيف قابل النبي ﷺ رغبة القتل والعدوان من فضالة بالابتسامة الصادقة والمعاملة الكريمة والدعاء له بالهداية والمغفرة، فبدخوله بالإسلام يغفر له، فشرح الله صدره للإيمان، قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63].

فالإسلام حثنا على كل ما يؤدي إلى المحبة بين المسلمين من الخير ورغب فيه. ومن كمال الإيمان المحبة في الله، قال ﷺ: «لا تدخلون الجنة([7]) حتى تؤمنوا([8])، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحأببتم؟ أفشوا السلأم بينكم»([9]).

وحرم العداوة بين المسلمين، قال تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91]، فبين ربنا أن من أسباب تحريم الخمر والميسر تسببهما بالعداوة بين المسلمين.

وانظر أخي القارئ إلى تحريم بعض المعاملات والعقود، فعن ابن عمر رضي الله عنهما: «نهى النبي ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب»([10])‏.‏

وحث النبي ﷺ وشجع وحض على ترك المراء، فقال ﷺ: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»([11]).

أخي القارئ، ما هو موقعك مع من يخالفك بل من يعاديك ويتربص بك؟ هل هو المعاملة بالمثل أو بخلاف ذلك؟ بيان ذلك في قول ربنا: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34].

فيرشدنا ربنا تبارك وتعالى إلى الدفع بالتي هي أحسن وعدم الرد بالمثل، فمن يلقاك بعبوس تلقاه بطلاقة وجه وابتسامة، ومن يعرض عنك ويوليك ظهره تستقبله، ومن لا يسلم عليك ولا يجيبك تحييه بالسلام وبغيره من التحايا، ومن يقطعك ولا يصلك تصله وتواسيه في النائبات، ومن يسمعك كلاما جارحا تسمعه كلاما لينا، ومن يحاول استفزازك بالكلام تتغافل عنه وكأنك لم تسمع.

فالدفع بالحسنى إحدى صور الإحسان الذي من شأنه أن يقضي على العداوات بين الناس ويبدلها صداقة حميمة ومودة رحيمة فتخمد نار الفتن.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم، كأنه ولي حميم»([12]).

فالكلمة الطيبة تفتح قلوبا غلفا، وتزيل الغشاوة عنها، وتصفي النفوس، والتسامح والعفو والنصح تقوي المودة بين الناس.

وقرن الله تعالى دفع السيئة بالحسنة بالصبر والصلاة والإنفاق ووعد فاعلي ذلك بعقبى الدار فقال سبحانه: {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار} [الرعد: 22]، فيدرؤون بالحسنة السيئة لمن أساء إليهم بقول أو فعل ولم يقابلوه بمثله بل قابلوه بالإحسان إليه، فيعطون من حرمهم ويعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، وإذا كانوا يقابلون المسيء بالإحسان، فما بالك بغير المسيء.

وقال تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون* وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 54، 55].

وهنا تنبيه مهم: لا يعني دفع السيئة بالحسنة استمالة الناس نفاقا، فقد قال ابن مفلح الحنبلي: قيل لابن عقيل في فنونه: أسمع وصية الله عز وجل: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34]، وأسمع الناس يعدون من يظهر خلاف ما يبطن منافقا، فكيف لي بطاعة الله تعالى والتخلص من النفاق؟ فقال ابن عقيل: النفاق هو إظهار الجميل وإبطان القبيح وإضمار الشر مع إظهار الخير لإيقاع الشر، والذي تضمنته الآية إظهار الحسن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن.

وفي ختام شرح هذه الوصية نذكر قول الله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين * وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين *واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون *إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 125 – 128].

([1]) فهو إذا أوذي وطعن فيه بغير حق وبلغه هذا الطعن والإيذاء فصبر يكون حسنة له.

([2]) وهذا في المظلوم المسلم لأن الكافر لا حسنة له يوم القيامة، ولا يعطى من الحسنات في الآخرة شيئا.

([3]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/613)، حديث (2418).

([4]) وهذا قيده إن لم يتب ولم يسامحه.

([5]) معناه أطلب من الله تعالى أن يغفر لك بإدخالك في الإسلام لأن قتل النبي كفر، فمعناه بعد تشهدك الله يغفر لك.

([6]) الإصابة في تمييز الصحابة

([7]) أي: مع الأولين.

([8]) أي: الإيمان الكامل.

([9]) صحيح مسلم، مسلم، (1/74)، حديث (93).

([10]) صحيح البخاري، البخاري، (7/19)، حديث (5142).

([11]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/253)، حديث (4800).

([12]) السنن الكبرى، البيهقي، (7/71)، حديث (13299).