الشرح: يصرح الإمام بوصية توطد علاقة العالم بغيره، ما إن التزم بها إلا شدت عرى المحبة وأواصر الألفة بين المسلمين، وهي من جملة مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، إنها الفرح لفرح المسلمين.
فهذه خصلة يغفل عنها كثير من الناس، إنها صفة يفتقدها الكثير من أهل المجتمع، وهي من الطرق الموصلة إلى السعادة. إنها طهارة القلب من الخبث والرجس والفساد والضغينة والحقد والحسد والبغضاء والشماتة والاستهزاء حتى يعود القلب طاهرا نقيا عفيفا تقيا.
ورد في الحديث([1]) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فقال: «يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة»، فطلع رجل من الأنصار تنظف لحيته من وضوئه وقد علق نعليه في يده الشمال فسلم، فلما كان من الغد، قال النبي ﷺ مثل ذلك، فطلع الرجل على مثل حالته الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺ مثل مقالته أيضا، فطلع الرجل على مثل حالته الأولى، فلما قام النبي ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت؟ قال: «نعم»، قال أنس: وكان عبد الله يعني ابن عمرو يحدث أنه: بات معه ثلاث ليال، قال: فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار من الليل، وتقلب على فراشه ذكر الله، وكبره حتى يقوم لصلاة الفجر، غير أنه إذا تعار من الليل لا يقول إلا خيرا. قال: فلما مضت الثلاث ليال وكدت أحتقر([2]) عمله، قلت: يا عبد الله، لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة»، فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوي إليك، فأنظر ما عملك فلم ارك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي على أحد من المسلمين غشا، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: فهذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق.
ولا يخفى أنه تمر بحياة الإنسان مناسبات وأعياد شرعية شرع فيها تهنئة المسلمين بعضهم بعضا. والتهنئة والتبريك من ءاداب الإسلام وخصاله الجميلة، وقد وردت الأحاديث والآثار في التهنئة والتبريكات في أحوال ومناسبات سياتي ذكرها إن شاء الله.
فالتهنئة فيما رخص الشرع جائزة وفيها مشاركة بالتبريك والدعاء من المسلم لأخيه المسلم فيما يسره ويفرحه مما يدعو إلى التواد والتراحم والتعاطف بين المسلمين.
وقد جاء في القرءان الكريم تهنئة المؤمنين على ما ينالون من نعيم الجنة وذلك في قوله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} [الطور: 19].
والأصل في التهنئة تجدد نعمة أو رفع بلاء مما يدخل السرور على النفوس، فهي مما يفرح المهنأ ويدل على سجية المهنئ. وانظر إلى ما جرى في حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه قال: وءاذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنوني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك.
قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر} بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك»([3]). وهذا رد على بعض مشايخ الوهابية مبتدعة هذا العصر الذين حرموا التهنئة بيوم الجمعة وبطلب الدعاء فيه والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ.
فهذا الحديث أصل في التهنئة لما يطرأ على المسلم من نعمة أو يرفع عنه من بلاء.
وللحافظ السيوطي رسالة لطيفة سماها «وصول الأماني بأصول التهاني» جمع فيها ما جاء في التهاني المشروعة.
وتكلم العلماء عن حكم ما يتجدد من التهاني بين المشروع والممنوع.
فمن المناسبات هذه تهنئة المسلم:
ويستحب أن يرد على المهنئ فيقول: بارك الله لك وبارك عليك وجزاك الله خيرا ورزقك الله مثله أو أجزل الله ثوابك.
وهنا ننبه المسلمين لمسألة وهي أننا لا نتولى الكفار ولا نرضى بما هم عليه من الانحرافات فلا نشاركهم في أعيادهم ولا نهنئهم بها، وكذا لا نستورد عاداتهم إلى مجتمعاتنا.
ولتحرص أخي أن تتجنب أنت وأهلك وأولادك عادات الكفار، واحم نفسك وأهلك منها، والله مطلع علينا في جميع أحوالنا وباب الشر كبير.
قال الله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22].
وقال ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم»([5]). فمن تشبه بالكفار بما هو كفر من أقوالهم وأفعالهم فهو كافر، ومن تشبه بهم بما هو دون الكفر فهو عاص ءاثم.
([1]) شعب الإيمان، البيهقي، (9/7)، حديث (6181).
([2]) أي: لم أر كثير عمل من قيام الليل وصيام النهار وغير ذلك من العبادات، فأحتقر هنا ليس من الاستخفاف والاستهزاء؛ بل من القلة التي تكاد لا تذكر.
([3]) صحيح البخاري، البخاري، (6/3)، حديث (4418).