الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وتغافل عما لا يعنيك».

الشرح: قوام هذه النصيحة وعمادها قوله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»([1])، فهذا الحديث من الكلام الجامع لمعان كثيرة جليلة بألفاظ قليلة.

فقد أرشدنا النبي ﷺ إلى الطريق الذي يبلغ به العبد كمال دينه وحسن إسلامه وصلاح عمله، فبين ﷺ أن مما يزيد المرء حسنا في دينه أن يدع ما لا يعنيه ولا يفيده في أمر دنياه وءاخرته، وأن لا يتدخل في شؤون غيره على نحو يفضى إلى التطفل. ففي قوله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» توجيه للأمة بالاشتغال بما ينفعها ويقربها من طاعة ربها كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وفي كل خير احرص على ما ينفعك»([2]) فأرشد ﷺ إلى اغتنام الأوقات بالخيرات، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، وعمر الدنيا قصير، فهو كظل شجرة يوشك أن يذهب سريعا، لذا فالإنسان العاقل الذي جعل الآخرة همه والجنة ماربه يغتنم أوقاته كلها.

وإن اهتمام المرء وانشغاله بما يعنيه فيه فوائد عظيمة، فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة قد تشغلك بالمعصية، فمن اشتغل بالناس نسي أمر نفسه وأوشك اشتغاله بالناس أن يوقعه في أعراضهم بالقيل والقال، كما أن انشغال المرء بنفسه وبما يعنيه فيه حفظ للوقت ومسارعة في الخير.

ومن الأمور التي يشملها الترك في الحديث: ترك فضول الكلام ولغو الحديث. وقد امتدح الله عباده المؤمنين بقوله: {والذين هم عن اللغو معرضون} [المؤمنون: 3] فمن صان لسانه عن فضول القول سلم من انزلاقه فيما لا يحبه الله ويرضاه، وحمى منطقه من الغيبة والنميمة، لذلك حث الشرع في مواطن كثيرة على لزوم الصمت إلا بما فيه ذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أشبه ذلك، قال الله عز وجل: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} [النساء: 114].

قال ابن حجر في شرحه على الأربعين: ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه لأن من لم يعد كلامه من عمله جازف فيه ولا يتحرى، وعن معاذ قال: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك([3]) يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم‏»([4]).

وروى ابن ماجه([5]) عن النبي ﷺ أنه قال: «كلام ابن آدم عليه لا له، إلا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذكر الله عز وجل».

وليعلم الإنسان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقدم أجلا ولا يؤخر رزقا؛ بل يكسبك الرتب والمعالي.

وهاك أيها القارئ بعض الأقاويل عن السلف:

فعن مالك([6]) بلغه أنه قيل للقمان الحكيم: ما بلغ بك ما نرى؟ قال مالك: «يريدون الفضل»، قال: «صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني».

وعن الحسن قال: «من علامة إعراض الله عن العبد([7]) أن يجعل شغله فيما لا يعنيه».

وهنا مناسبة للتحذير من قول بعض الجهال إذا رأوا إنسانا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: «عليك بنفسك»، وبعضهم يقول: «كل واحد عليه بنفسه» على معنى عدم إنكار المنكر، وهذا مخالف لما مر من تأكيد إنكار المنكرات وأنه عمل عظيم يحبه الله ويرضاه، ولا عبرة بقول الجهال الذين يسكتون عن إنكار المنكرات، إذ هذا خلاف الوصية.

وفي تفسير البغوي([8]) في قوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]: روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله ﷺ: «إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه».

([1]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/1315)، حديث (3976).

([2]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2052)، حديث (2664).

([3]) هذا للتنبيه لا للدعاء عليه.

([4]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/12)، حديث (2616).

([5]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/1315)، حديث (3974).

([6]) شعب الإيمان، البيهقي، (6/512)، حديث (4546).

([7]) أي: حرمانه الخير ومنعه الثواب، فلا يوصف الله بصفة من صفات خلقه.

([8]) تفسير البغوي، البغوي، (2/95).