الثلاثاء يناير 27, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ومن غاب منهم فتفقد أحواله. ومن قعد منهم عنك، فلا تقعد أنت عنه».

الشرح: يكمل الإمام في بيان أهمية التواصل مع الغير، فبعد أن ذكر عيادة المريض أتبع ذلك بالكلام على تفقد أحواله، وهذه التفاتة مهمة ذيل بها هذا الكلام فأطنب فأفاد وأجاد.

يقول الله سبحانه وتعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2]، ويقول النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([1]).

هذه الأدلة وغيرها من الكتاب والسنة تدعونا إلى العناية والاهتمام بإخواننا المسلمين أفرادا وجماعات في كل بقاع الأرض، وتفقد أحوالهم ومعرفة واقعهم وتحسس ءالامهم ورصد احتياجاتهم ومعرفة مطالبهم ثم العمل على مساعدتهم كل بحسب استطاعته، مع العناية بتقديم الأهم على المهم وهكذا فهناك من المسلمين في بلاد المسلمين وفي غيرها من البلدان الأخرى من يحتاجون إلى الطعام والكساء، وهناك من يحتاج إلى التعليم والتدريب على نشر العلم، وهناك من يحتاج إلى الكتاب والمدرسة، وهناك من يحتاج إلى بناء مسجد تقام فيه الصلاة ويذكر فيه اسم الله، وهناك من يحتاج إلى المدرس والمرشد والداعية إلى الله يذكرهم بالله ويبين لهم حقيقة الإسلام ويوضح لهم أحكام دينهم حتى يعبدوا الله على بصيرة وهدى، وهناك من يحتاج إلى الطبيب والمشفى لعلاج مرضاهم وإلى مأوى مناسب يقيهم الحر والبرد.

وهاك أيها القارئ بعض النصائح مؤيدة بما ورد من هديه ﷺ وسيرته:

أخي إذا كان لك من يأتيك من أصحابك ويجالسك فتفقده إذا تأخر عنك فإذا جاء فاسأله وقل له: أين كنت؟ ثم بين له أحكام دينه إن كان تأخر بسبب شيء يجهله لأن أبا هريرة لقي الرسول ﷺ في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانسل عنه فاغتسل فتفقده الرسول ﷺ فلما جاء قال: «أين كنت يا أبا هريرة؟»، قال: يا رسول الله لقيتني وأنا جنب فكرهت أم أجالسك حتى أغتسل، فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله إن المؤمن لا ينجس»([2]). وفي بعض الروايات قال له: «لو بقيت كان خيرا»، معناه: استمرارك معنا للتعلم مما أقوله أفضل لك، وهذا دليل على أهمية مجالسة الرسول والاستماع إلى تعاليمه ولو مع وجود الجنابة، وفيه أن المؤمن لا يصير نجسا بالجنابة، وأنه يجوز له الخروج من بيته والمشي في الأسواق ومخالطة الناس والعمل والأكل والشرب، إذ المهم أن لا يضيع الصلاة.

وتفقد من له عمل من أعمال الخير إن تأخر، واسأل عنه، فإن كان مات فصل عليه وغن لم يحصل لك الصلاة عليه فاذهب وصل على قبره إن تيسر، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد – أي: تكنسه – ففقدها رسول الله ﷺ، فسال عنها فقالوا: ماتت، قال: «أفلا كنتم ءاذنتموني»، قال: فكأنهم صغروا أمرها فقال: «دلوني على قبرها» فدلوه، فصلى عليها، وقد تقدم.

وإذا لاحظت على أصحابك بعض التأخر عن بعض الطاعات المندوبة فوجههم إليها بأسلوب جميل مناسب، فقد روى أبو سعيد أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم: «تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله»([3]).

وإذا كان من يجالسك ويزورك ممن يستفاد من مجالسته بالعلم والخير فاطلب منه أن يزورك أكثر، فقد قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» فنزلت {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا} [مريم: 64].

فمن الأولويات على الراعي تجاه رعيته أن يتفقدهم، ويسال عن أحوالهم، ويلتمس همومهم ومشاكلهم، ويلبي حوائجهم وطلباتهم، ويحفظ حقوقهم ويتعاون معهم على أداء مسؤولياتهم، وينصحهم، ويكثر لهم الخير، ويقلل لهم الشر مع حفظ حقهم، وأن يحذر من الوقيعة في أعراضهم أو الجرأة عليهم بتنقيصهم أو الدعاء عليهم.

فانظر أخي إلى سيدنا سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام وهو يتفقد حال شيء لم يكن بشرا ولا رجلا وإنما كان طيرا من الطيور غاب عنه وفارق قومه، فقام سيدنا سليمان بالسؤال عنه، قال تعالى: {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} [النمل: 20].

أما نبينا ﷺ فقد ضرب مثالا رائعا في تفقد الرعية ومتابعة المتبوعين، فقد كان بأبي هو وأمي يتفقد أصحابه، ويتابعهم في مشكلاتهم، ويتابعهم في الجهاد في سبيل الله، ويقف في مؤخرة([4]) الجيش ليحمل الضعيف، ويعين المكلوم([5]) ويتابعهم في أحزانهم وأفراحهم، ويتفقدهم، ويعودهم، ويسأل عنهم، ويرسل إليهم.

ويقول زيد بن أبي أوفى: دخلت على رسول الله ﷺ مسجد المدينة فقال: «أين فلان؟ أين فلان؟» فجعل ينظر في وجوه أصحابه ويتفقدهم ويبعث إليهم حتى اجتمعوا عنده فحمد الله وأثنى عليه فآخى بينهم.

والأمثلة على ذلك كثيرة، فينبغي للواحد منا الاقتداء بهؤلاء الأكابر في هذه الخصال الحسنة، ولذا ذكرها الإمام في وصيته لما رأى من أهميتها.

وكان من أخلاق مولانا أبي العلمين الرفاعي الكبير رضي الله عنه وأرضاه ونفعنا ببركاته أن يتفقد أحوال مريديه ويسأل عنهم، فيعود المريض ويخرج لقضاء حاجة المحتاج منهم، وربما خرج من قريته أم عبيدة إلى مسافة يومين ليعود مريضا ثم يرجع ويمسك بيد الأعمى الذي يراه في الطريق ويوصله حيث أراد، ولا يطلب ذلك من مريديه بل بنفسه يفعل ذلك.

وكان إذا جاء من سفر وأشرف على قريته يحمل الحطب على رأسه للأرامل والأيتام، فيقتدي به أتباعه في ذلك فإذا دخلوا القرية وزعوه على من يحتاجه من الأرامل والأيتام والفقراء.

([1]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1999)، حديث (2586).

([2]) صحيح مسلم، مسلم، (1/282)، حديث (371).

([3]) صحيح مسلم، مسلم، (1/325)، حديث (438).

([4]) وأثناء المعركة يكون في الطليعة أقرب ما يكون إلى العدو كما قال سيدنا علي: «كنا إذا احمرت الحدق واشتد الوطيس نحتمي برسول الله». وكما روي عن بعض الصحابة: «أجرؤنا الذي يكون قريبا من رسول الله في المعركة»، لأنه ﷺ يواجه العدو ولا يختبئ بل يعرفهم بنفسه ويقول لهم: «أنا النبي لا كذب» لأنه ﷺ أشجع الناس.

([5]) أي: المصاب بالجروح.