السبت مارس 14, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وابذل طعامك، فإنه ما ساد بخيل قط».

الشرح: لما كان إطعام الطعام من الصفات الكريمة التي ندب إليها ديننا الحنيف، أحب الإمام جزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير أن يلفت انتباه تلميذه يوسف إلى هذه المكرمة فنصحه قائلا: «وابذل طعامك فإنه ما ساد بخيل قط». فأمر بالجود الذي هو كثرة العطاء من غير سؤال للناس والتعفف عما لديهم.

والأمر بإطعام الطعام أمر الله تعالى بذلك في ءايات منها قوله تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق* ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 27، 28].

وقوله في السورة نفسها: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون} [الحج: 36].

ومن هدي نبي الله ﷺ أنه كان يأمر أصحابه بذلك لا سيما إذا رأى أهل الفاقة، فقد ورد عند مسلم: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 1] إلى ءاخر الآية، {إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] والآية التي في الحشر: {اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله} [الحشر: 18]، «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره» حتى قال: «ولو بشق تمرة»([1]).

وانظر أيها القارئ بإمعان إلى قصة([2]) ضيف رسول الله ﷺ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي ﷺ، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ: «من يضم أو يضيف هذا»، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأتهن فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ، فقال: «ضحك الله الليلة، أو عجب، من فعالكما»، فأنزل الله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9].

تنبيه: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري([3]): «ونسبة الضحك والتعجب إلى الله مجازية والمراد منها الرضا بصنيعهما»، أي: لا يجوز نسبة الضحك والتعجب على الحقيقة لله.

وهذا دليل على جواز التأويل تفصيلا كان أو إجمالا، وأن تأويل المتشابه من الدين ليس تعطيلا. كيف لا يكون من الدين والنبي أول تفصيلا، ففي الحديث القدسي([4]): قال ﷺ: «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن ءادم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك، وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟» أي لوجدت الثواب، فأفهمنا الرسول بهذا أن الله منزه عن المرض، وهو الرسول بنفسه قد أوله.

كيف يكون التأويل تعطيلا والنبي دعا لابن عباس بأن يعلمه الله الحكمة وتأويل الكتاب كما في سنن ابن ماجه([5])، فلو كان كما قالت المشبهة لكان هذا من النبي دعاء عليه لا له، وهل يدعو النبي على مسلم بلا حق؟

فلو سألتني ما هي فضائل إطعام الطعام؟ أقول لك: هو من خير الأعمال، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أي([6]) الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت، وعلى من لم تعرف»([7]).

وقال ﷺ([8]): «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا».

وفي ذلك الخير الجزيل ففي الحديث الذي مر في مشروعية التأويل([9]): «يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني([10])، قال: يا رب وكيف أطعمك؟ وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي».

وفي سنن الترمذي([11]) عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي ﷺ: «ما بقي منها؟»، قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: «بقي كلها غير كتفها».

ولا تدري بأي عمل قد يدخلك الله الجنة بلا عذاب، فاسمع إلى قول سيد الخلق: «اتقو النار ولو بشق تمرة»([12]). وإلى قول الله أصدق القائلين: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا* إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا} [الإنسان: 8 – 11].

وعلى قاعدة الشيء بالشيء يذكر يحضرني أمر يتعلق بالاستعانة بغير الله، فكما تعرف أيها القارئ أن الاستعانة بغير الله جائزة، كيف لا والله يقول: {{واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45]، وهل الصبر والصلاة هما الله؟! وشذ المشبهة فكفروا من استعان بغير الله مستدلين بزعمهم بحديث الترمذي: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»([13]).

فقال لهم أهل السنة كثرهم الله:

أولا: ليس لفظ الحديث: لا تستعن بغير الله.

ثانيا: هذا الحديث ليس فيه إلا الأولوية، وأما معنى التحريم الذي يدعونه فليس فيه ذلك.

نظير ذلك قوله([14]) ﷺ: «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي»، فكما لا يفهم من الحديث حرمة إطعام غير التقي لا يفهم من الحديث الأول حرمة الاستعانة بغير الله، فهذا سيدنا علي والسيدة فاطمة رضي الله عنهما كانا يطعمان الكفار ونزلت بذلك ءاية في مدحهما، قال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8]، والأسير هنا هو الكافر.

وفي سنن الترمذي([15]) قول رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام».

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال ﷺ: «اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام»([16]).

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: علمني عملا يدخلني الجنة، فقال([17]): «أعتق النسمة، وفك الرقبة»، ثم قال: «فإن لم تطق ذلك، فأطعم الجائع، واسق الظمآن».

وفي صحيح مسلم([18]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم اليوم صائما؟»، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟»، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا؟»، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله ﷺ: «ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة».

وإطعام الطعام كان معروفا في الجاهلية، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ فقال ﷺ: «لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»([19]).

فائدة: قد اعتبر رسول الله ﷺ عمل ابن جدعان من التصدق على المحتاجين وصلة الرحم وغير ذلك غير نافع له لأنه لم يكن يؤمن بالله، إذ شرط قبول الأعمال الصالحة الإيمان بالله ورسوله.

ولقد قالوا قديما:

الجود مكرمة والبخل مبغضة

 

لا يستوي البخل عند الله والجود

 فيا باغي الخير أقبل.

([1]) صحيح مسلم، مسلم، (2/704)، حديث (1017).

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (5/34)، حديث (3798).

([3]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (7/120).

([4]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1990)، حديث (2569).

([5]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/58)، حديث (166).

([6]) أي: خصائل الإسلام، أي هذا من أفضل وخير خصائل الإسلام، وإلا فالإسلام كله خير.

([7]) صحيح البخاري، البخاري، (1/12)، حديث (12).

([8]) المعجم الكبير، الطبراني، (12/453)، حديث (13646).

([9]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1990)، حديث (2569).

([10]) ملاحظة: الله منزه عن الأكل والشرب إذ إن الأكل والشرب إما أن يكونا لحاجة أو للذة، والله لا يحتاج إلى شيء من العالمين، ولا يجوز عليه اللذة إذ هي عرض حادث.

([11]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/644)، حديث (2470).

([12]) صحيح البخاري، البخاري، (2/109)، حديث (1417).

([13]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/667)، حديث (2516).

([14]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/259)، حديث (4832).

([15]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/673)، حديث (2527).

([16]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/287)، حديث (1855).

([17]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (30/600)، حديث (18647).

([18]) صحيح مسلم، مسلم، (2/713)، حديث (1028).

([19]) صحيح مسلم، مسلم، (1/196)، حديث (365).