الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وليكن لك بطانة تعرفك أخبار الناس، فمتى عرفت بفساد بادرت إلى صلاح، ومتى عرفت بصلاح فازداد رغبة وعناية في ذلك».

الشرح: يجدد الإمام الكلام في علاقة العالم بغيره، فيرشده إلى اتخاذ البطانة الصالحة، ومعنى بطانة الرجل: أهله وأقرباؤه أي خاصته وأصحاب سره ومشورته، قال الحميدي في «تفسير غريب ما في الصحيحين»: «بطانة أي: أولياء وخاصة»([1]).

وقال في موضع ءاخر([2]): «بطانة الملك: خواصه وأولياؤه الذين يشاورهم ويأخذ بآرائهم ويشاركهم في سره».

وقال ابن الأثير في النهاية([3]): «بطانة الرجل: صاحب سره وداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله».

وهذه البطانة تكون صالحة إذا حضت على الخير وأعانت عليه، وأما إذا أمرت بشر وأعانت عليه فهي بطانة سوء، وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه بابا وهو بطانة الإمام وأهل مشورته، أسند فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما استخلف خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والـمعصوم من عصم الله»([4]).

قال العيني في عمدة القاري([5]): «البطانة الصاحب الوليجة والدخيل والمطلع على السريرة، وفسره البخاري بقوله: «الدخلاء» وهو جمع دخيل وهو الذي يدخل على الرئيس في كان خلوته ويفضي إليه بسره ويصدقه فيما يخبر به مما يخفى عليه من أمر رعيته ويعمل بمقتضاه».

وقد نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة بطانة السوء قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} [ءال عمران: 118].

وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ([6]): «إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه».

فالبطانة الصالحة تعرفك أخطاءك وأخطاء الرعية ولا تجامل في الحق، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ([7]): «إذا رأيتم أمتي لا تقول للظالم: أنت ظالم، فقد تودع منهم»، أي رفع الله معونته عنهم وتركهم بلا نصر.

وعن النبي ﷺ قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا‏، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا»([8]).

ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح([9]) عن ابن التين قوله: «ينبغي للحاكم أن يتخذ من يستكشف له أحوال الناس في السر وليكن ثقة مأمونا فطنا عاقلا».

وهنا ننتهز الفرصة لحث القارئ اقتداء بالإمام أبي حنيفة رضي الله عنه أن يتخير ويختار البطانة الصالحة، فنحثه على البحث عن الزوجة الصالحة والأصدقاء ورفاء الخير، فهم السور والعين التي تبصر أخطاء الشخص إن شاء الله، ولا يعني الإمام بالبطانة التي تكشف لك من فساد البعض التجسس وتتبع عورات الناس، فشتان بين الموضوعين، فتفطن رحمك الله.

ثم إن من فائدة البطانة الصالحة أنهم إن اطلعوا على فساد يعملون على تغييره، وبهذا لا يستشري الفساد ولا يستمر، وإن رأوا ما لا بد من إنكاره أنكروا ولم يداهنوا، وبهذا تستقيم الأمور وترفع المنكرات ويقل الشر.

فهنيئا لمن وجد لنفسه بطانة صالحة تخوفه من الله، وتذكره الآخرة، وتحثه على الخير، ولا تساعده على تنفيذ رغبات نفسه مما يخالف الحق.

وهؤلاء تشتد الحاجة إليهم عند اشتداد الفاسد وانتشار الباطل وقلة القائلين بالحق والمدافعين عنه كزمننا هذا. ووجود البطانة الصالحة اليوم أندر من الكبريت الأحمر، لأن الكثير من الناس يزينون لأمرائهم وكبرائهم وساداتهم ومشايخهم الباطل.

فيا سعد من وفق لهذا الخير العظيم بأن يكون محفوظا محاطا ببطانة الخير والصلاح.

([1]) تفسير غريب ما في الصحيحين، الحميدي، (ص104).

([2]) تفسير غريب ما في الصحيحين، الحميدي، (ص235).

([3]) النهاية، ابن الأثير، (1/136).

([4]) صحيح البخاري، البخاري، (8/125)، حديث (6611)

([5]) عمدة القاري، بدر الدين العيني الحنفي، (24/269).

([6]) سنن أبي داود، أبو داود، (3/131)، حديث (2923).

([7]) السنن الكبرى، البيهقي، (6/158)، (11516).

([8]) صحيح البخاري، البخاري، (3/139)، حديث (2493).

([9]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (13/190).