الشرح: فهم عميق من إمام عظيم، وهذا شيء مما تدل عليه هذه الوصية. فبينما أوصاه بإكرام أهل الشرف وتعظيم أهل العلم وتوقير الشيوخ وملاطفة الأحداث ومداراة الفجار نبهه إلى أمر خوفا من الغفلة عنه، فذكره أن لا ينسى أهله وحشمه.
والحشم في اللغة: هم خاصة الرجل الذين يغضبون لغضبه ولما يصيبه من مكروه. وإن كثيرا من الناس يملؤون وقتهم بالاهتمام بالبعيد وينسون القريب فإن للأهل على الإنسان حقا.
أخي المسلم، صل رحمك وأوصل ما أمكنك من الخير إليهم، وادفع ما أمكنك من الشر عنهم، وزرهم، وسل عنهم، وأهدهم، وتصدق على فقيرهم، وعد مرضاهم، واتبع جنائزهم، واستضفهم، واشركهم في أفراحهم وأتراحهم، وارحم صغيرهم، ووقر كبيرهم، واعرف الحق لعلمائهم وشيوخهم، وغير ذلك مما من شأنه أن يزيد ويقوي من أواصل العلاقات بينك وبينهم.
قال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} [النساء: 36].
ثم إن البحث عن أخبار الأهل يشمل السؤال عنهم ومعرفة سبب غيابهم ومل حالهم وتقديم يد العون لهم إذا احتاجوا، وهو خلق كريم يدعو إليه الإسلام وتحمله النفوس الطيبة.
وكان من شمائله ﷺ أنه يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس([1]).
وجميل تفقد المؤمنين بعضهم بعضا، الأمر الذي يجعلهم جميعا كالجسد الواحد كما ورد في الحديث([2]): «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
فمن يتفقد أحوال الناس يزداد في الغالب في قلوبهم محبة وتوقيرا ويكون لغيره أسوة حسنة، ثم يتفقد الناس أحواله إذا غاب عنهم أو ألم به شيء، كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «من يتفقد يفقد»، رواه ابن أبي شيبة([3]).
وتفقد أحوال الحشم والأقارب يفتح بابا واسعا لجمع الحسنات، فإنه يعني عيادة المريض، والإحسان إلى المحتاج، والتفريج عن المكروب، وغير ذلك من أعمال البر والفلاح.
وقد كان من هديه ﷺ السؤال عمن غاب من أصحابه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس.
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه: كان رسول الله ﷺ يتعهد الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم فبلغه عن امرأة مات ابنها وليس لها غيره وأنها جزعت عليه جزعا شديدا فأتاها النبي ﷺ فأمرها بتقوى الله والصبر.
ومن هذا أيضا تفقده ﷺ للمرأة التي كانت تقم المسجد أي كانت تجمع قمامته، فعن أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد – أو شابا – ففقدها رسول الله ﷺ، فسأل عنها – أو عنه – فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم ءاذنتموني»، قال: فكأنهم صغروا أمرها – أو أمره – فقال: «دلوني على قبرها» فدلوه، فصلى عليها([4]).
وهنا فائدة وتذكير: ينبغي للمسلم أن يستحضر الإخلاص في عمله هذا وأن لا يحسن إلى الناس بقصد أن يحسنوا إليه بل هو يعمل لله، أحسنوا إليه أم أساؤوا، ولا ينتظر منهم معروفا، فهذه أخلاق الكاملين.
وغياب هذا الخلق عن كثير من الناس يشعر الواحد منهم غالبا بالغربة بين أقرب الناس إليه ومن هم من أحبهم عنده.
([1]) شعب الإيمان، البيهقي، (3/24)، حديث (1362).
([2]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1999)، حديث (2586).