الشرح: هذا من علاقة العالم بغيره. وفهم جملة هذه الوصية يكون بعد فهم مفرداتها حتى يون الفهم على التمام وتحصل الفائدة بأبلج وجه إن شاء الله.
أولا: العتاب هو المؤاخذة.
ثانيا: العذل هو اللوم.
قال المناوي: العتاب هو مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة. وقال أبو منصور الأزهري: التعتب والمعاتبة والعتاب، كل ذلك مخاطبة للأخلاء طالبين حسن مراجعتهم ومذاكرة بعضهم بعضا ما كرهوه مما كسبهم الموجدة.
فالمعاتبة مصدر قولهم: عاتب يعاتب، وهو مأخوذ من مادة (ع ت ب) التي تدل على الأمر الذي فيه صعوبة من كلام أو غيره من ذلك العتبة، وإنما سميت بذلك لارتفاعها عن المكان المطمئن السهل. ومن الباب: العتب بمعنى الموجدة، ومنه ما ذكر في هذه الوصية.
وإن المعاتبة من أنواع الحوار بين الأخلاء، هذا إن وقع الموقع وكان بالزمان والمكان المناسبين، وإلا فقد ينشأ من ذلك أمور لا تحمد عقباها.
لذلك ندعو إلى التوسط في العتاب. قال الماوردي: إن كثرة العتاب تكون سببا للقطيعة، واطراح([1]) جميعه دليل على قلة الاكتراث بأمر الصديق، وقد قيل: علة المعاداة قلة المبالاة، والمطلوب أن تتوسط الحال بين العتاب وتركه فيسامح بالمتاركة ويستصلح بالمعاتبة لأن المسامحة والاستصلاح إذا اجتمعا لم يلبث معها نفور ولم يبق معهما وجد، وقد قال بعضهم: لا تكثرن معاتبة إخوانك فيهون عليهم سخطك.
وقيل قديما: العتاب حدائق المتحابين وثمار الأوداء – أي: المتوادين – ودليل الظن وحركات التشوق وراحة الواجد ولسان المشفق.
ويروى عن سيدنا علي موقوفا عليه: «لا تكثر العتاب فإن العتاب يورث الضغينة والبغضة».
ومن فوائد المعاتبة:
وهنا نكتة لطيفة: ليس من شرط العتاب وقوع معصية من زميل أو صديق أو أخ أو أهل، بل قد تكون لأنهم تركوا الأحسن والأفضل والأولى به، وفرق بين التأنيب والعتاب، فيقال عتاب لطيف كما في قصة نزول: {عبس وتولى} ولا يقال أنب الله رسوله ﷺ؛ بل كل ذلك منه ﷺ ترك للأولى.