الخميس فبراير 19, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وأكثر استعمال الطيب».

الشرح: أوصاه رضي الله عنه بذلك لما أودعته هذه الخصلة من الأمور الحسنة، فالرائحة الطيبة غذاء الروح، والرائحة الطيبة تفرح القلب وتسر النفس وتقوي الدماغ والعقل. قال الشافعي: أربعة تقوي البدن، وعد منها شم الطيب.

فلما كانت هذه مما تساعد على إقبال الناس عليه وطول صحبتهم له وعشرتهم له وهو مدعاة إلى تلقي العلم منه وانتشار الخير وكثرة مجالس العلم حثه أبو حنيفة على ذلك.

فما أعظمها من وصية، كيف لا وهي مأخوذة من فعله ﷺ، فقد كان عليه الصلاة والسلام يحب الطيب ويكثر من التطيب، فقد روى أنس ابن مالك أن النبي ﷺ قال: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة»، أي: جعل في الميل الطبيعي لذلك من غير تعلق قلب وانشغال وتتبع لذلك، والرواية التي فيها: «حبب إلي من دنياكم ثلاث وعد فيها الصلاة» فهي غير صحيحة ولا يستقيم بها المعنى لأنه عليه الصلاة والسلام لا يدخل الصلاة في أمور الدنيا.

وكان ﷺ يأخذ من قارورة المسك فيمسح على لحيته ورأسه، وكان إذا أهدي طيبا قبله ولم يرده فعن أنس أن النبي ﷺ كان لا يرد طيبا([1]).

قال ابن العربي: «إنما كان لا يرد الطيب لمحبته فيه ولحاجته إليه أكثر([2]) من غيره لأنه يناجي من لا نناجي»، يريد الملائكة كما أوضحه ابن بطال.

وأزيدك وصفا لهذا النبي العظيم فأقول: لقد كان النبي ﷺ أطيب الناس ريحا من غير تطيب، وإن تطيب شم طيبه من بعد، ويلمس أثره من قرب، وكان طيبه يفوح شذاه وينتشر عبقه، فكان من يجالسه ينشرح له وكأنه في روضة فيحاء، وإذا مس أحدهم ثوبه أو جسده فإنه ليجد ليده ريحا طيبا من أثر اللمس، قال أنس رضي الله عنه: ما شممت شيئا قط مسكا ولا عنبرا أطيب من ريح رسول الله ﷺ([3]).

وقال جابر بن سمرة: «فأما أنا فمسح خدي»، قال: «فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار»([4]).

ونختم بهذه الفائدة فنقول: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه»([5]).

فعملا بهذا الحديث الشريف نوجه نصيحة إلى الأخوات المسلمات فنقول لهن: تطيبن لأزواجكن في بيوتكن ولا تتعطرن وتخرجن فإن ذلك قد يكون سببا للفتنة وفرصة ينتهزها الشيطان، فقد جاء في الحديث([6]): اهتم الشيطان لخروجها ليفتن بها الرجال. وأما الوجه فليس بعورة كما نقل الإجماع على ذلك إمام الحرمين والقاضي عياض وابن حجر الهيتمي، وكذلك استدل العلماء على جواز كشفها لكفيها بقول الله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قالت عائشة وابن عباس: إلا الوجه والكفين، والجمهور على أنهما – أي: الكفين – ليسا بعورة، وهو المعول عليه والمعتمد.

وفي الحديث: «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا»([7])، أي: يكره لها ذلك.

وفي الحديث: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات»([8])، أي: غر متطيبات، وبثياب بذلة وهي الثياب الغير فاخرة كالتي تلبس في البيت أي من غير زينة.

تنبيه: لا نقول إن مجرد خروج المرأة متعطرة حرام ومعصية؛ بل الحق أن الذي عده الفقهاء من معاصي البدن عليها هو خروجها بقصد التعرض للرجال أي لأن تستميلهم للمعصية سواء كانت متعطرة أو غير متعطرة، متزينة أو غير متزينة. وأما إذا خرجت متعطرة أو متزينة ساترة ما يجب عليها ستره من بدنها ولم يكن قصدها ذلك فليس في ذلك أكثر من الكراهة التنزيهية، أي: أنها لا تكون عاصية بذلك، والدليل على ذلك أن الشافعية وكذا غيرهم ذكروا في مناسك الحج أنه يسن التطيب للذكر والأنثى للإحرام أي قبل الإحرام للحج أو العمرة، بدليل ما ثبت عن أبي داود([9]) من حديث عائشة: قالت: «كنا نضمخ جباهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم، ثم نحرم ونحن مع رسول الله ﷺ فنعرق فيسيل على وجوهنا فلا ينهانا عنه النبي ﷺ».

وبدليل حديث ابن حبان([10]) عن أبي موسى الأشعري: «أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا ريحا فهي زانية». معناه: أن المرأة التي تقصد بخروجها متطيبة استمالة الرجال إليها أي للفاحشة أو لما دون ذلك من الاستمتاع المحرم فهي زانية أي تشبه الزانية لأن فعلها هذا مقدمة للزنى وليس المعنى أن إثمها كإثم الزانية الزنى الحقيقي الموجب للحد، فإن ذلك من أكبر الكبائر.

([1]) صحيح البخاري، البخاري، (3/157)، حديث (2582).

([2]) مع أنه ﷺ كان طيب الرائحة من غير أن يتطيب، ورائحة أطيب من كل طيب.

([3]) مسند الإمام أحمد، أحمد بن حنبل، (20/360)، حديث (13074).

([4]) أي: السقط الذي فيه متاع العطار.

([5]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/107)، حديث (2787).

([6]) سنن الترمذي، الترمذي، (3/468)، حديث (1173).

([7]) صحيح مسلم، مسلم، (1/328)، حديث (443).

([8]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (5/589)، حديث (2211).

([9]) سنن أبي داود، أبو داود (2/166)، حديث (1830).

([10]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (10/270)، حديث (4424).