الخميس فبراير 19, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واجعل لنفسك خلوة ترم بها حوائجك».

الشرح: نصيحة جديدة جليلة من الإمام فحواها الخلوة ومحاسبة النفس. وقبل ذلك نقدم بعض الأدلة على ذلك فنقول: اذكر وتذكر أيها القارئ وانظر إلى قول الله تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8]، أي: انقطع إليه بالعبادة.

وانظر إلى قصة بدء الوحي مع النبي ﷺ التي جاء فيها: فكان ﷺ يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه([1]) وكان يتزود لمثل هذه الليالي([2]).

قال أبو جمرة في شرحه على مختصر البخاري: «في الحديث دليل على أن الخلوة عون للإنسان على تعبده وصلاح دينه».

وقد ذكر بعض المفسرين أن في صحف إبراهيم هذه الحكمة، وهو ثابت عند ابن حبان([3])، وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه يفكر في صنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها لحاجاته من المطعم والمشرب.

واعلم أيها القارئ أن الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة، والعزلة لمن شغل وقته بالخير عبادة، والتفكر في المخلوق والتدبر في المخلوقات للاستدلال به على ملكوت الله طاعة. وقد أوصى الإمام تلميذه الآخر أبا يوسف القاضي بقوله: «وداوم على التلاوة».

فاجعل لنفسك خلوة، وقتا تتقرب فيه بالطاعة والتدبر في قراءة آيات كتابه الكريم، ووقتا تتقوى فيه على الدنيا وهمومها، ووقتا في التفكر في أحوالك وحال قلبك.

فاجعل وقتا خاصا في يومك تعمره بصلاة وقيام بخشوع ورجاء، ووقتا تكسب لنفسك سكونا وهدوءا.

وههنا ملاحظة مهمة يحسن الإشارة إليها، وهي أن شرط الخلوة أن لا يترك المختلي واجبا بسببها، وأن لا يضيع مصلحة على الدعوة والمسلمين، فيقدم مصلحة الدعوة ونشر العلم والعقيدة ومكافحة الضلالات وأهلها كالمشبهة والمجسمة والحلولية الاتحادية على الخلوة، وكذا قضاء حوائج المسلمين ومصالح أهل الضرورات، ثم أليس ورد في الحديث: «المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم‏»([4]).

وعليه تحمل هذه القصة وهي أن واحدا من الدعاة استأذن شيخنا رضي الله عنه في الخلوة ليشتغل بالأذكار والأوراد والعبادة فقال له رضي الله عنه: «أنت خلوتك بين الناس».

فسبحان من جعل التذلل له عزة والافتقار إليه غنى والخضوع له رفعة والتوكل عليه كفاية ومسألته([5]) تعالى شرفا.

([1]) أي: يتعبد الليالي ذوات العدد.

([2]) فائدة: وهذا دليل على أن الأنبياء يكونون على التوحيد ومعرفة الله منذ الصغر فلا تمر عليهم لحظة يكونون شاكين بخالقهم وبوجوده، لأنهم عصموا من ذلك، فالله حفظهم من الكفر وعبادة غيره قبل النبوة وبعدها.

([3]) صحيح ابن حبان، انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (2/78).

([4]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/662)، حديث (2507).

([5]) أي: سؤاله تعالى.