الشرح: أوصاه رضي الله عنه بخمس خصال محمودة، وكان يكفيه أن يأمره بحسن الخلق، إذ لو اقتصر عليها لدخلت الخصال الأربع فيها، فالمداراة والصبر والاحتمال وسعة الصدر من حسن الخلق. زد على ذلك أن الصبر والاحتمال متقاربان، وسعة الصدر ملزوم الصبر، إلا أنه لم رأى أهميتها فصلها وعددها.
أخي المسلم، إن مكارم الأخلاق صفة من صفات الأنبياء والصديقين والصالحين بها تال الدرجات وترفع المقامات، وقد مدح الله نبيه محمدا ﷺ في القرءان بآيات عديدة منها هذه الآية التي جمعت فيها من محامد الأخلاق ومحاسن الآداب الشيء العظيم فقال أصدق القائلين: {وإنك لعلىٰ خلق عظيم} [القلم: 4].
فحسن الخلق جالب للتحاب والتآلف، وسوء الخلق ينتج في العادة التباغض والتحاسد والتدابر.
وقد حث النبي ﷺ على حسن الخلق والتمسك به، وجمع بين التقوى وحسن الخلق فقال عليه الصلاة والسلام عندما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة: «تقوى الله وحسن الخلق»([1]). وليس المعنى أن من لم يكن تقيا أو حسن الخلق كافر، فالإنسان ما دام مات على الإيمان لا بد أن يدخل الجنة مهما كان غارقا في المعاصي.
ومن معاني حسن الخلق: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى عن الناس، هذا مع ما يلازم المسلم من كلام حسن، ومداراة للغضب، واحتمال الأذى.
وقد أوصى النبي ﷺ أبا ذر بوصية عظيمة فقال([2]): «يا أبا ذر، ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟»، قال: بلى يا رسول الله، قال: «عليك بحسن الخلق، وطول الصمت».
وتأمل يا أخي الكريم الأثر العظيم والثواب الجزير لهذه المنقبة المحمودة والخصلة الطيبة، فقد قال ﷺ: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم»([3]). وقد قال شيخنا الإمام الهرري رضي الله عنه في الحديث الذي رواه الطبراني والبيهقي عن رسول الله ﷺ: «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم»: «معناه حقيقة قد يبلغ درجته، ليس معناه يشبه».
وعد النبي ﷺ حسن الخلق من كمال الإيمان فقال عليه الصلاة والسلام: «أكمل الـمؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا»([4]).
وقد ضمن وكفل النبي ﷺ لمن حسن خلقه بيتا في أعلى الجنة فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»([5]).
والمسلم مطلوب منه الكلمة الهينة لتكون في ميزان حسناته، قال عليه الصلاة والسلام: «والكلمة الطيبة صدقة»([6])؛ بل حتى التبسم الذي هو سهل على المسلم له بذلك أجر إن أخلص نيته ففي الحديث: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»([7]).
والتوجيهات النبوية في الحث على حسن الخلق واحتمال الأذى كثيرة معروفة، وسيرته ﷺ مثال يحتذى به في الخلق مع زوجاته وجيرانه ومع ضعفاء المسلمين ومع جهلتهم؛ بل وحتى مع الكفار.
وقد جمعت علامات حسن الخلق في صفات عدة فاعرفها أخي المسلم وتمسك بها وهي إجمالا: أن يكون المسلم كثير الحياء، متجنب الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام إلا من خير، كثير العمل بما يرضي الله، تاركا للزلل، مبتعدا عن الفضول، برا، وصولا، وقورا، صبورا، شكورا، راضيا، حليما، رفيقا، عفيفا، لا لعانا([8])، ولا نماما، ولا مغتابا، ولا شتاما، ولا حقودا، ولا بخيلا، ولا حسودا، ولا أشرا، ولا بطرا، ولا متكبرا، ولا باغيا ظالما، ولا قاسيا جافيا، ولا ماكرا خداعا؛ بل يكون بشوشا، يحب في الله، ويرضى في الله، ويغضب في الله.
أخي المسلم إنها مناسبة كريمة أن تحتسب أجر التحلي بالصفات الحسنة، وتقود نفسك إلى الأخذ بها، وتجاهد في ذلك، واحذر أن تدعها على الحقد والكراهية للمسلمين وبذاءة اللسان وعدم العدل والغيبة والنمية والشح وقطع الأرحام، واغسل قلبك مما علق به من أدران الدنيا وسواد القلب ومنكر الأخلاق.
واحرص على تعويد النفس كتم الغضب، وليهنأ من حولك من والدين وزوجة وأبناء وأصدقاء بطيب معشرك وحلو حديثك وبشاشة وجهك، واحتسب الأجر في كل ذلك.
وعليك بوصية النبي ﷺ الجامعة فقد قال عليه الصلاة والسلام: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»([9]).
جعلنا الله وإياكم ممن قال فيهم الرسول ﷺ: «إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا»([10]).
تنبيه: ليس مراد الإمام بقوله: «وعليك بالمداراة» المداهنة والسكوت لأهل الأهواء والتعامي عن ضلالاتهم وكف اللسان عن التحذير منهم، بل ذلك واجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تقدم سابقا، فافهم مقالتي رحمك الله.
([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/363)، حديث (2004).
([2]) شعب الإيمان، البيهقي، (7/20)، حديث (4591).
([3]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/252)، حديث (4798).
([4]) سنن الترمذي، الترمذي، (3/458)، حديث (1162).
([5]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/253)، حديث (4800).
([6]) صحيح البخاري، البخاري، (4/56)، حديث (2989).
([7]) شعب الإيمان، البيهقي، (5/66)، حديث (3105).