الجمعة فبراير 20, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تقصرن في إقامة مودتك إياهم».

الشرح: قد شمل كلام الإمام ضمن طياته هذه النصيحة، فهي تفهم من عدة نصائح تقدمت وقد بسطنا الكلام قبل وشرحناه، ولكن لما كانت لهذه النصيحة مزية أكد الإمام وحرص على الالتزام والتخلق بها، فمن الآداب التي تتقوى بها أواصل الألفة والمحبة والأخوة في الله:

  • أن يتجنب الشخص الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة، وأن يراعي حقوق الأخوة، فعن أبي هريرة([1]) رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حق المسلم على المسلم ست»، قي: ما هن يا رسول الله؟، قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه».
  • أن يتلطف بالنصح له، قال الله تعالى: {والعصر *إن الإنسان لفي خسر *إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1 – 3].

وروي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال([2]): «من وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه». وذلك إذا كانت المصلحة تتحقق بالسر وكانت النصيحة في العلن تؤدي إلى مفسدة.

  • المشاركة الوجدانية: وذلك بالتواصل والتزاور في الله ومشاركته أفراحه وأتراحه وإظهار الحرص عليه فيفرح لفرح ويحزن لحزنه، يسأل عنه إن غاب ويتفقد أحواله، فإن كان مريضا عاده أو كان ناسيا ذكره، يرحب به إذا دنا ويوسع له إذا جلس، ويصغي إليه إذا تحدث، ويواسيه بماله إذا احتاج إليه، ويعينه على قضاء حاجته، ويؤثره على نفسه ولو كان به خصاصة.
  • أن يسمعه من الكلام الطيب ما يحب، فلا يؤذيه بكلام قبيح وإن كان مازحا بل يثني عليه ويدعوه بأحب أسمائه إليه، ويخبره أنه يحبه في الله وذلك من أسباب تقوية العلاقة بينهما وتمكين هذه المحبة وزيادتها، فعن أنس رضي الله عنه قال: مر بالنبي ﷺ رجل، فقال رجل: إني لأحبه في الله عز وجل. فقال النبي ﷺ: «أأعلمته؟» قال: لا. قال: «فأعلمه». قال: فلقيت الرجل فأعلمته. فقال: أحبك الله الذي أحببتني له([3]).
  • ويستقبله بالبشاشة والابتسامة الحنون التي تترك أثرها الطيب في القلب مع احتساب الأجر، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة([4])، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة»([5]).
  • أن لا يحاول التطلع إلى خباياه وأموره الخاصة ليستكشف أسراره، فلا ينبغي للمؤمن أن يتجسس أو يتحسس ولا يجادل في باطل ولا يسيء الظن ولا يغتاب ولا يكثر العتاب فيمله ولا يلح عليه في السؤال فيحرجه. فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»([6]).
  • أن لا يحقر ولا يهزا ولا يطعن ولا يلعن فإن هذا ليس من صفات المؤمن الكامل وذلك إن فعل هذه الأشياء لغير سبب شرعي. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ليس الـمؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»([7]). فيكف عنه لسانه فلا يذكر له عيبا في غيبته أو حضوره، ويشكره إن أحسن، ويكظم غيظه إن أساء. وأن يبتعد عن الغيبة والنميمة والقذف، وعن النفاق والرياء والحقد والحسد، وأن يحسن الظن، ويستر العيوب، ويعفو عن الزلات، ويتغاضى عن الهفوات مع النصح. فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «إن شر الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه»([8]).
  • الهدية مع عدم التكلف، فقد قال الصادق المصدوق ﷺ: «تهادوا تحابوا»([9]).
  • حفظ وقت الأخ في الله والحرص على عدم إضاعته، وذلك بمراعاة أوقات الزيارة والاتصال ليعينه على قضاء حاجاته الخاصة، فلا يحرجه مع أهل بيته أو يشغله بغير ضرورة، وخاصة إذا كان عالما أو طالبا للعلم.
  • الوفاء وحسن العهد، وإظهار الحرص عليه، والدفاع عنه إذا اقتضت الضرورة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الـمؤمن مرءاة أخيه الـمؤمن».
  • التروي والنظر في عواقب الأمور، والحذر من الشهوات والشبهات والفتن والمعاصي وتقلب القلوب، فقد كان من دعاء رسول الله ﷺ: «يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك»([10]). وعن أنس([11]) رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء». والحديث لا بد له من تأويل إذ حمله على الظاهر يضاد الدين فإن الجارحة في حقه تعالى مستحيلة. والمعنى: إن القلوب ملكه وتحت مشيئته، يقلب القلوب كيف يشاء، هو متصرف بها، وليس أن الله تعالى له أصابع التي هي جوارح.
  • الدعاء له بخير ولمن يحب حيا أو ميتا، قال الله تعالى: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} [الحشر: 10]. وقال رسول الله ﷺ: «إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب، قالت الملائكة: آمين، ولك بمثل»([12]).

أسأل الله تعالى أن يجمعنا على منابر من نور يوم القيامة مع المتحابين بجلاله إنه على ما نسأله قدير.

([1]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1705)، حديث (2162).

([2]) شعب الإيمان، البيهقي، (10/104)، حديث (7235).

([3]) المستدرك، الحاكم، (4/189)، حديث (7321)

([4]) أي: إن كان ضائعا في الطرقات.

([5]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/339)، حديث (1956)، صحيح ابن حبان، ابن حبان، (2/287)، حديث (529).

([6]) صحيح البخاري، البخاري، (3/120)، حديث (2408).

([7]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/350)، حديث (1977).

([8]) صحيح البخاري، البخاري، (9/71)، حديث (7179).

([9]) شعب الإيمان، البيهقي، (11/301)، حديث (8568).

([10]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/72)، حديث (199).

([11]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/448)، حديث (2140).

([12]) سنن أبي داود، أبو داود، (2/89)، حديث (1534).