الجمعة فبراير 20, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تخرجن سرك إلى أحد».

الشرح: قال أبو حاتم بن حبان([1]): من حصن بالكتمان سره تم له تدبيره وكان له الظفر بما يريد والسلامة من العيب والضرر، والحازم يجعل سره في وعاء ويكتمه عن كل مستودع، فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له، لأن السر أمانة وإفشاءه خيانة. والقلب له وعاؤه، فمن الأوعية ما يضيق بما يودع ومنها ما يتسع لما استودع.

وقال بعضهم: «كتمانك سرك يعقبك السلامة، وإفشاؤك سرك يعقبك الندامة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه».

وروي عن الراغب الأصفهاني: «إذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر وتوصف به ضعفة الرجال والصبيان والنساء».

وعن المدائني قال: «كان يقال: أصبر الناس([2]) الذي لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شيء فيفشيه».

وقال بعضهم: «ما أقبح الإنسان أن يخاف على ما في يده من اللصوص فيخفيه ويمكن عدوه من نفسه بإظهار ما في قلبه من سر نفسه وسر أخيه ومن عجز عن تقويم أمره، فلا يلومن إلا نفسه عن لم يستقم له».

وقيل في ما مضى: «كان يقال أملك الناس لنفسه([3]) من كتم سره من صديقه وخليله». قال أبو عبيدة معلقا على هذا القول: «أحسب ذلك للنظر في العاقبة ألا يتغير الذي بينهما يوما ما فيفشي سره».

وينسب للماوردي أنه قال: «وكم من إظهار سر أراق دم صاحبه ومنع من نيل مطالبه، ولو كتمه كان من سطوته ءامنا وفي عواقبه سالـما ولنجاح حوائجه راجيا».

وروي عن أكثم بن صيفي قال: «إن سرك من دمك فانظر أين تريقه».

وعن الأعمش: «يضيق صدر أحدهم بسره حتى يحدث به ثم يقول: اكتمه علي».

وقال الإمام الهرري: «وقد صدق من قال: صدور الأحرار قبور الأسرار».

ونختم بقول الشاعر:

لا تفش سرك إلا عد ذي ثقة

 

 

 

أو لا فأفضل ما استودعت أسرارا

 

   

صدرا رحيبا وقلبا واسعا صمتا

 

 

 

لم تخش منه لما استودعت إظهارا

 

   

تحذير: إن الإنسان الذي اطلع على سر مسلم وكان في إفشائه لحوق ضرر فأفشاه حرم ذلك لإلحاقه الضرر بالمسلم ولما قد يجر من الفساد والإيذاء، وربما أدى إلى إراقة الدماء وحصول المفسدة بين الناس وما يتبع ذلك من الخراب. فليتق الله امرؤ عرف سر أخيه من صديق وصاحب، وليكتمه عليه، ولا يعمل على إشاعته وإذاعته لئلا يكون سببا في هلاكه.

([1]) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ابن حبان، (ص189).

([2]) أي: من أصبرهم.

([3]) أي: من أملكهم.