الجمعة فبراير 20, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تثقن بصحبة أحد حتى تمتحنه».

الشرح: إن أبا حنيفة رضي الله عنه رأس أئمة أهل الرأي في زمانه وعالم كبير بالأصول وبمناسبة هذا نقول إن هذه النصيحة هي من المطلق المقيد وبيان ذلك سيأتي.

ففي شرح هذه النصيحة لنا وجهان:

أما الأول: فإن الإنسان قد يصحب في حياته من عرف منه الخير ومن لم يخبره بعد. وكلام الإمام رضي الله عنه لا يحمل على الأول أي: من قد سبق لك معرفة به وخبرت حاله من تقوى وصلاح والتزام؛ بل ينزل على الثاني وهو من لم تخبره بعد، ولهذه النصيحة حكم وفوائد منها:

  • أنه سيصير هذا الإنسان مستودع أسرارك.
  • أنه ستدخله بيتك.
  • أنه سيجالس أهلك.
  • أنه سيصير خليلك.

فتخيل معي لو ظهر لك منه فيما بعد خبث، أو بعد ذلك تبينت فسقه ومكره وخداعه فلات ساعة مندم، فلا سرك يبقى سرا ولا عوراتك تبقى محفوظة في الغالب. هذا إن لم تتغير أنت بصحبة هذا الإنسان، فالمرء على دين خليله، أي: سيرته وعادته.

وهنا تنبيه: احذر أيها المطالع من أن تفهم كلام الإمام على غير وجهه، فليس المراد أن تسيء الظن بالمسلمين وتضمر العداوة لمن لا تعرف منهم، فديننا الإسلام يدعو إلى تحسين الظن والابتعاد كل البعد عن سوء الظن بهم، فسرائر الناس ودواخلهم لا يعلمها إلا الله فهي غيب عنا، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12].

فسوء الظن يؤدي إلى الخصومات والعداوات وقطع الصلات. قال الله تعالى: {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28]. وفي الحديث([1]): «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث».

فكم أوقع سوء الظن السيئ من فراق بين المتحابين وقطيعة بين المتواصلين.

ومما يؤكد أن الإمام لم يرد بذلك إساءة الظن بالمسلمين أنه سيقول فيما بعد: «وأظهر التودد إلى الناس ما استطعت، وأفش السلام، ولو على قوم لئام». وقال في نصيحته ليعقوب تلميذه: «ولا تستخف بالناس ووقر نفسك ووقرهم».

والوجه الثاني: أن كلام الإمام محمول على الأكمل والأحسن لا الحرمة وعدم الجواز، فيكون حينئذ هذا الكلام كما ورد في الحديث: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»([2]).

فكما لا يفهم من الحديث تحريم صحبة غير المؤمن وإنما الأحسن والأولى والأكمل أن تصاحب المؤمن الصالح كذلك يحمل كلام الإمام على الاختبار قبل الاختيار.

فاختبر وتحقق وسل قبل الإقدام على اختيار الصديق فإنك إن أجدت في اختيارك تكون اتخذت لنفسك كنزا وإلا فقد تكون عاقبتك وخيمة، فاختيار الصحبة سيف ذو حدين.

فكم من إنسان كان على الخير والصدق والأمانة وحسن الخلق وملازمة الشريعة ثم تغير حاله من الحسن إلى السيئ، من الطيب إلى الخبيث، ومن الصالح إلى الطالح بسبب جليس السوء والصاحب الخبيث والصديق الفاجر والخليل الجهول، فبدل أن يجرهم إلى الخير جروه إلى الشر، فابحث عن صديق يدلك على ما ينفعك ويرفعك في الدنيا والآخرة، وحافظ على صحبته لو بذلت في ذلك كل أموالك، واحذر من أكثر الناس اليوم إذ مصاحبتهم في الغالب خسارة وندامة.

ولقد قيل:

إذا الـمرء لا يرعاك إلا تكلفا

 

 

 

فدعه ولا تكثر عليه التأسفا

 

ففي الناس أبدال وفي الترك راحة

 

 

 

وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا

 

فما كل من تهواه يهواك قلبه

 

 

 

ولا كل من صافيته لك قد صفا

 

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة

 

 

 

فلا خير في ود يجيء تكلفا

 

ولا خير في خل يخون خليله

 

 

 

ويلقاه من بعد الـمودة بالجفا

 

   

وينكر عيشا قد تقادم عهده

 

 

 

ويظهر سرا كان بالأمس قد خفا

 

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها

 

 

 

صديق صدوق صادق الوعد منصفا

 

([1]) صحيح البخاري، البخاري، (4/4).

([2]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/600)، حديث (2395).