الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تخادم خسيسا، ولا وضيعا».

الشرح: يدخل هذا في علاقة العالم بغيره واتصاله مع الناس والخلطة بهم، فبعد أن أجمل الإمام كلامه في معاونة الغير، والإحسان إليهم، وتفريج كربهم، وتفريح قلبهم، والتلطف بهم، وإغاثتهم، ومتابعة أخبارهم وأحوالهم، بدأ الإمام بالتفصيل في كيفية التعامل مع أصناف الناس لما في ذلك من المحافظة على هدف تلميذه يوسف وهو نشر الدين وجمع الناس على الطاعة والخير، والكلام في هذه النصيحة هو على الخدم.

فقسم الإمام الخدم قسمين: خدم خسيس وضيع، وخدم متواضع مترفع عن الخسة والوضاعة.

وحذر رضي الله عنه من الخادم الخسيس فقال: «ولا تخادم» أي: لا تتخذه خادما. وليس مراد الإمام بذلك التكبر عليهم، وعدم الإحسان إليهم، وترك الشفقة في التعامل معهم، وأن ينظر إليهم نظرة نقص وازدراء وفوقية، وأن لا يحفظ لهم حقا، وأن يضربهم، ويشدد عليهم ظلما، كيف والإمام قد أمر بالإحسان إلى الغير وإن كان ظالما.

وما كلام الإمام رضي الله عنه إلا من باب درء المفاسد وتوقي المهالك والبعد عن المتاعب، فإن الخادم الخسيس الشأن الوضيع القدر الذي عن التقى بعيد، ومن الفسق قريب، وللفجور مديم، لا يؤمن جانبهن ولا يؤتمن على بيت ولا منزل ولا مال ولا أهل ولا عورات ولا نفس، فكيف ستطمئن على أهلك إن خلا بهم، وكيف ستأمن على نفسك من غدره؛ بل قد يقتلك، فالذي لا يخاف الله خف منه واحذره، فقد تسول له نفسه مكرا، وقد يضمر لك عداوة ويمكر بك غدرا، والقصص والأمثلة على هذا محشوة بها بطون كتب التاريخ، فكم سمعنا من عبد قتل سيده.

وكم نرى ونسمع في هذه الأيام مما يعمله بعض الخدم ويقومون به من المفاسد والمضار، فلقد حصل من بعضهم أن قتلوا أولاد مستخدميهم بل وقتلوا مستخدميهم أيضا، وحصل من بعض الخادمات أن فضت بيدها بكارة طفلة انتقاما من أهلها، ومن بعضهم السرقة أو الخيانة، فلذلك يتأكد على من يريد أن يستخدم إنسانا أن يبحث عن الدين الأمين الذي يخاف الله.

وهاك يا من أراد استقدام عامل لخدمته بعض الأحكام والآداب العامة:

  • حسن المعاملة: وذلك من خلال التعامل بأدب ولطف والتزام الأخلاق الحسنة التي يأمر بها الشرع، وتجنب ذميم الأخلاق من سب وشتم وسخرية وغيرها. والقدوة التامة في كل ذلك برسول الله ﷺ، فإن أنسا رضي الله عنه يقول: «خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أف، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا([1]) صنعت»([2]).
  • إعطاؤه أجرته كاملة: أي حسب ما تم الاتفاق عليه، فيجري معهم عقد إجارة صحيحا على ما يوافق الشرع ولا يكتفي بعبارة «لا نختلف»، فإن الشرع أصل لنا أصولا، وأسس لنا قوعد ما إن التزمنا بها درأنا عن أنفسنا المفاسد. قال ﷺ: «قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي([3]) ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره»([4]).
  • رحمتهم والشفقة عليهم: فمهم التجاوز عن زلاتهم والعفو عن هفواتهم وترك تحقيرهم وإذلالهم أو الاعتداء عليهم بالضرب ونحوه، فقد قال تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} [آل عمران: 134].
  • الحرص على تعليمهم أحكام دينهم وءاداب الشريعة: خاصة أمر العقيدة والتوحيد، وبيان الشرك وخطره، ومن ذلك الحرص على تعويدهم التزام الأحكام الشرعية كالصلاة والصيام والتزام الخادمة بالحجاب الشرعي.
  • عدم تكليفهم ما لا يطيقون: قال ﷺ: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»([5]).

ولا يجوز إيذاؤهم بالضرب والسب والإهانة أو بالتجويع بغير سبب شرعي، وإن مرضوا يعتنى بهم ويخدمون ويقدم لهم الطعام والشراب، ولا يمنعون من الراحة كالنوم وقت الحاجة أو الاستراحة بل ينبغي أن يبالغ الإنسان في الإحسان إليهم وبرحمتهم، فلا يتركهم قياما وقت جلوس أهل البيت للطعام بلا حاجة؛ بل ربما فعله بعض الناس تكبرا فهذا من الكبائر، والأمر مع الخدم مبني على الرحمة والإحسان والصبر عليهم وعدم التقصير في إعطائهم حقوقهم وفي إرشادهم ونصحهم.

وقد حصل مع شيخنا الهرري رضي الله عنه أن دعي إلى وليمة كبيرة، وبعد أن استقر الناس المدعوون على المائدة لتناول الطعام رفع شيخنا رضي الله عنه وعاء مليئا بالطعام، وقال لأحد إخواننا: قل لهذا الخادم ليقعد ويأكل هذا الطعام. فانظروا إلى رحمة شيخنا واستحضار قلبه وأخلاقه العظيمة الراقية حيث انتبه لهذا الخادم وأحسن إليه في الوقت الذي لم يلتفت إليه أحد في ذلك الوقت، وكان شيخنا الهرري رضي الله عنه عارفا برضا صاحب الدعوة.

([1]) بفتح الهمزة والتشديد بمعنى هلا.

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (8/14)، حديث (6038).

([3]) وفي رواية: «أعطى بي العهد».

([4]) صحيح البخاري، البخاري، (3/82)، حديث (2227).

([5]) صحيح البخاري، البخاري، (1/15)، حديث (30).